المطلع
عاجل

post-image

القضية ليست قانونية في سد النهضة ولا هي فنية!

الكاتب: ادارة الموقع


21:05 مقالات عامة
2021-05-14
72771

عاشت الإدارة الأميركية مائة يوم في الحكم تسمع عن قضية سد النهضة ولا تفعل شيئاً يحركها من مكانها، فلما أتمت المائة يوم الأولى أرسلت جيفري فيلتمان مبعوثاً خاصاً لها إلى القرن الأفريقي، حيث تتفاعل القضية وتكبر منذ بدء بناء السد في 2011.

والسؤال الذي كان يشغل كل متابع للقضية خلال جولة المبعوث وبعدها، هو: هل يمكن التعويل عليه في حل الإشكال بين أطرافه الثلاثة، وهل يمكنه الوصول إلى شيء نفهم منه أن إدارة بلاده حاضرة في القلب من القضايا الكبرى حول العالم، ومؤثرة، ومبادرة بما لا يقدر عليه سواها؟!

للإجابة عن السؤال، لا بد أن نحدد معاني الكلمات التي نستخدمها مسبقاً؛ حتى لا نكتشف في النهاية أننا نتحدث عن شيء، بينما القصد شيء آخر. لقد كانت هذه هي طريقة سقراط في الحديث مع تلاميذه، وكان يرغب في ألا يتكلم إلا عن شيء يقصده فيحدده، وقد ثبت أنها الطريقة الأصوب في الكلام عن أي قضية، ليس فقط لأنها تحدد معاني الكلمات منذ البداية، ولكن لأنها تجنبنا التوقف عند التفاصيل التي تستهلك الوقت، والجهد، والمال، بلا طائل يعود من ورائها.

وفي المقدمة من الكلمات التي يجب تحديد معانيها في سياق رحلة المبعوث الأميركي إلى القاهرة، والخرطوم، وأديس أبابا، تقف كلمتان اثنتان؛ أولاهما «القدرة» الأميركية على فعل شيء في ملف السد الملتهب بطبيعته، والأخرى هي «الإرادة» المتوفرة لديها في اتجاه فعل هذا الشيء.

أما عن القدرة، فهي قادرة لا شك، وهي تملك من أوراق التأثير في يديها ما تستطيع به الإتيان بصانع القرار الإثيوبي إلى الطاولة للتوقيع على اتفاق يحقق صالح مصر والسودان في موارد النهر، بمثل ما يحقق صالح إثيوبيا نفسها في الموارد ذاتها.

تستطيع وتقدر إذا أرادت، وإلا، ما كانت هي القوة العظمى الأولى في عالمنا، وما كانت تستأهل أن تمسك بزمام القيادة بين الدول على الأرض!

هذا عن الاستطاعة أو القدرة، ولكنهما معاً شيء، بينما الإرادة السياسية لترجمتهما في واقع الدول الثلاث شيء آخر، وقد كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب تمتلك الشيئين في يديها، لولا أن المفاوض الإثيوبي غاب من دون مقدمات عن جلسة التوقيع!

ولا يزال غيابه لغزاً من الألغاز؛ لأننا وقتها كنا أمام جلسة التتويج بعد مفاوضات طويلة كان ترمب شخصياً يتبناها ويرعاها، ولم يكن ذلك الغياب المفاجئ هو اللغز الوحيد في قائمة من الألغاز الكثيرة تقول، إن الطرف الإثيوبي دأب في كل مرة يلتقي فيها مع الطرفين الآخرين على أن يقول شيئاً، ثم يتصرف في وقت الجد على العكس مما يقول، لقد قضى الوقت كله يفعل ذلك ويمارسه من دون تقدير لعواقب ما يفعله من حيث فقدان الثقة به، ومن حيث دفع الطرفين اللذين يشاركانه القضية إلى فعل ما يريانه محققاً لمصالح مائة وخمسين مليوناً من البشر يسكنون البلدين.

امتلكت الإدارة الأميركية السابقة قدرة وإرادة؛ وهذا ما جعلها تدعو وزراء الخارجية والري في الدول الثلاث إلى واشنطن، وهناك التقطوا صورة لا نزال نذكرها مع ترمب في مكتبه البيضاوي، ثم دار التفاوض جلسة من بعد جلسة، إلى أن أخفقت الجلسة الأخيرة؛ لأن حكومة آبي أحمد تعاملت معها بشيء غير قليل من عدم المسؤولية في آخر لحظة!

ولم تملك إدارة ترمب سوى أن حرمت الحكومة الإثيوبية من مساعدات أميركية كانت مقررة لها، وكان ذلك على سبيل العقاب الذي يأمل أن يعيد الطرف الغائب عن التوقيع إلى الصواب!
ولكنه لم يرجع إلى هذه الطريق، وقد بدا طول الوقت وكأنه يفكر في شيء لا نعرفه ولا يعلنه هو على الناس، ولا على شريكيه في عملية التفاوض، وكان الطبيعي أن يظل التفاوض في وضع «محلك سر» بغير إنجاز خطوة واحدة إلى الأمام.

وقد رحل ترمب عن منصبه وبقي آبي أحمد على موقفه، وحين جاءت الإدارة الجديدة في البيت الأبيض قالت إنها لن تربط بين مساعداتها لإثيوبيا، وبين قطع خطوات إيجابية في قضية السد، وكان معنى هذا أن إدارة بايدن إذا لم تكن تنحاز إلى إثيوبيا بموقفها المعلن هذا، فإنها تقف على الحياد في ملف لا يحتمل الحياد، ولا يطيق تداعياته، ولا يتحمل عواقبه.

وكان في هذا الموقف ما يكفي للدلالة على أن إدارة الرئيس بايدن تملك القدرة على الحل ولا تملك الإرادة التي تساعد على الحل وتفرضه، ولو ملكتها لكانت قد ربطت بين المساعدات وبين النجاح في التفاوض، اللهم إلا إذا كانت تتعامل في الملف على أنه من الملفات التي تركها لها ترمب، وأن عليها بحكم ما بينهما من خصومة سياسية معلنة، أن تمشي في الملف بعكس ما كان يفعله الرئيس السابق.

ومن الثابت أن جولة المبعوث الأميركي تقاطعت مع جولة موازية قام بها فيليكس تشيسيكيدي، رئيس الكونغو الديمقراطية، إلى عواصم الدول الثلاث، فلم يكن فيلتمان يكاد يغادر عاصمة من العواصم الثلاث، حتى كان تشيسيكيدي يحل في مكانه بادئاً من القاهرة، ومنها إلى الخرطوم، ثم إلى أديس أبابا في جولة يقوم بها بصفته رئيساً للاتحاد الأفريقي، قبل أن تكون باعتباره رئيساً لإحدى دول القارة السمراء؛ فالاتحاد يرعى التفاوض منذ سنة وأشهر عدة.

والإرادة التي افتقدتها إدارة بايدن قبل أن يجيء مبعوثها، افتقدها الرئيس تشيسيكيدي بشكل مختلف؛ لأن إرادته لو توافرت لكان قد بدأ جولته من أديس أبابا، المتعنتة في مواقفها، لا من القاهرة ولا من الخرطوم من بعدها، فالعاصمتان أظهرتا من المرونة في كل موقف ما يقول إنهما راغبتان في الحل، وفي تقديم كل ما من شأنه الوصول بالقضية إلى غايتها العادلة، وبمعنى آخر، فالمشكلة هناك في أديس أبابا، وليست هنا في القاهرة، ولا هي بالطبع في الخرطوم.

وقد قيل إنه قد جاء وفي يده مبادرة يطرحها، ولكنه لم يكشف عنها ولا عن شيء من محتواها، وهي مبادرة تحمل اسم الاتحاد الذي لا يزال يستطيع إخراج القضية من جمودها الحالي؛ لأنه يملك من الأوراق ما يجعله يستطيع إذا أراد!

ولا بد أن ياسر عباس، وزير الري السوداني، كان واضحاً بما يكفي حين قال، إن العودة إلى التفاوض على النهج الإثيوبي القديم نفسه ليست سوى شراء للوقت. كان على حق في ذلك تماماً؛ لأن فيلتمان إذا كان قد جاء يدعو إلى استئناف الجلسات بين الدول الثلاث على أساس ما فات، وكذلك إذا كان تشيسيكيدي قد جاء يدعو إلى الشيء نفسه، فمن قبيل تضييع الوقت أن تفعل الشيء ذاته ثم تتوقع أن تصل إلى شيء مختلف!


يتكلم الأطراف الثلاثة منذ بدأ التفاوض عن قضايا فنية مرة، وقانونية مرة، يجري الحديث حولها بين العواصم الثلاث على طاولة واحدة، والحقيقة التي يتبينها من يتابع حديث الطرف الإثيوبي بالذات، أن القضية سياسية لحماً ودماً، وأنها لا هي فنية، ولا هي قانونية!

تعرف الإدارة التي أرسلت المبعوث فيلتمان، ويعرف رئيس الكونغو معها، أن إنفاق كل هذا الوقت منذ البداية، وكل هذا الجهد، في مناقشة أشياء من نوع ملء السد، ومن نوع تشغيله، ومن نوع وقوع سنوات الجفاف أو عدمها، هو الوجه الآخر لغياب إرادة سياسية إثيوبية تجعل أديس أبابا تتملص من الأصول وتناقش الفروع، ولو حضرت هذه الإرادة لوجدت القضية حلها في ساعتها.

المصدر: جريدة الشرق الأوسط

 

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

أسعار صرف الدولار ترتفع في أسواق بغداد وأربيل

أسعار صرف الدولار ترتفع في أسواق بغداد وأربيل

2026-08-19 11:23 2579
​قاليباف من بغداد: العراق دولة مهمة بالمنطقة وزيارتنا لبحث التعاون

​قاليباف من بغداد: العراق دولة مهمة بالمنطقة وزيارتنا لبحث التعاون

2026-08-19 10:01 2579
رهانات تثبيت الفائدة تدعم الذهب الفوري فوق مستوى 4350 دولاراً للأونصة

رهانات تثبيت الفائدة تدعم الذهب الفوري فوق مستوى 4350 دولاراً للأونصة

2026-08-19 09:18 3018
أسعار النفط تواصل الارتفاع لليوم الرابع وسط ضبابية الملاحة في هرمز

أسعار النفط تواصل الارتفاع لليوم الرابع وسط ضبابية الملاحة في هرمز

2026-08-19 09:12 2804
رئيس مجلس الشورى الإيراني يصل العاصمة بغداد على رأس وفد رفيع

رئيس مجلس الشورى الإيراني يصل العاصمة بغداد على رأس وفد رفيع

2026-08-19 08:41 10499
"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

2026-08-19 00:24 24478
توقيف مسؤولين بوزارة النقل العراقية بقرار من القضاء

توقيف مسؤولين بوزارة النقل العراقية بقرار من القضاء

2026-08-18 22:40 18675
عراقجي: لا نقبل وقف إطلاق النار بل يجب إنهاء الحرب

عراقجي: لا نقبل وقف إطلاق النار بل يجب إنهاء الحرب

2026-08-18 21:45 6201
العراق يستنفر أمنياً إثر كشف مخطط لاغتيال القاضي زيدان.. وإدانات واسعة

العراق يستنفر أمنياً إثر كشف مخطط لاغتيال القاضي زيدان.. وإدانات واسعة

2026-08-18 21:11 6049
الإعلام الأمني عن ملف حصر السلاح: لا يستهدف فصيلاً أو جهة أو مكوناً بعينه

الإعلام الأمني عن ملف حصر السلاح: لا يستهدف فصيلاً أو جهة أو مكوناً بعينه

2026-08-18 20:30 6077
أسعار الدولار تغلق على ارتفاع في العراق

أسعار الدولار تغلق على ارتفاع في العراق

2026-08-18 18:03 5965
ترامب: لا توجد محادثات أو مناقشات جارية أو مقررة مع إيران

ترامب: لا توجد محادثات أو مناقشات جارية أو مقررة مع إيران

2026-08-18 16:51 5476
مستشار الزيدي: حصر السلاح إطار تنظيمي لحماية المقاتلين وليس للتفريط بتضحياتهم

مستشار الزيدي: حصر السلاح إطار تنظيمي لحماية المقاتلين وليس للتفريط بتضحياتهم

2026-08-18 14:59 5795
الزيدي يتابع اعتداءات أربيل مع بارزاني ويؤكد حماية أمن العراق

الزيدي يتابع اعتداءات أربيل مع بارزاني ويؤكد حماية أمن العراق

2026-08-18 14:18 6104
ضبط 21 متَهَماً بجباية أموال غير قانونية من صهاريج النفط بصلاح الدين

ضبط 21 متَهَماً بجباية أموال غير قانونية من صهاريج النفط بصلاح الدين

2026-08-18 12:38 24092
تباين أسعار صرف الدولار بين بغداد وأربيل

تباين أسعار صرف الدولار بين بغداد وأربيل

2026-08-18 12:14 5863
استكمال إجراءات الحسابات الختامية وموازين المراجعة للسنوات المالية 2023 و2024 و2025

استكمال إجراءات الحسابات الختامية وموازين المراجعة للسنوات المالية 2023 و2024 و2025

2026-08-18 10:44 5913
طقس العراق.. تصاعد للغبار وارتفاع في درجات الحرارة

طقس العراق.. تصاعد للغبار وارتفاع في درجات الحرارة

2026-08-18 09:42 25935