المطلع
عاجل

post-image

تونس: الأزمة الإقتصادية أولاً و السياسة تأتي لاحقاً

الكاتب: ادارة الموقع


23:02 مقالات عامة
2023-02-01
58376

يضع الرئيس التونسي قيس سعيد نصب عينيه مواجهة العناصر التي كانت فاعلة في العشرية الماضية ومحاسبتها، وهو يدعو المؤسسة العسكرية والأمنية إلى لعب دورها في خطوة تظهر أن المرحلة القادمة ستكون فيها السياسة هامشا وأن الأولوية ستكون للملف الاقتصادي.

بدأ الرئيس التونسي قيس سعيد، مباشرة بعد انتخاب البرلمان، في الكشف عن مقاربته لإدارة المرحلة القادمة، وخاصة ضبط العلاقة مع الطبقة السياسية المعارضة ومع اتحاد الشغل، وكلاهما صعّد في الفترة الماضية من حملته السياسية والإعلامية ضد الرئيس وحكومته.

من الواضح أن شعار الرئيس سعيد في المرحلة القادمة سيعتمد على فكرة أن تونس لا يضيرها أن تدخل السياسة غرفة الإنعاش، المهم هو إدارة الأزمة الاقتصادية وتحقيق انتظارات الناس ولو بالحد الأدنى.

الكلمة التي ألقاها سعيد بحضور قيادات عليا للحرس الوطني (قوات تابعة لوزارة الداخلية) في ثكنة العوينة بتونس العاصمة حملت علامة واضحة على المرحلة القادمة، فهو لا يريد تكرار لعبة الحوار الوطني التي يتمسك بها اتحاد الشغل، وهي لعبة تطيل الأزمات وتلتف عليها، وتعيد إنتاج منظومة 24 يوليو بكل مكوناتها السياسية والمؤسساتية.

وسعيد بذلك لا يريد تكرار تجربة التوازنات مع الأحزاب واتحاد الشغل والمنظمات التي اعتمدها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، والتي حملت عنوان التوافق، وهي إستراتيجية قامت على تعويم الخلافات وبناء تحالفات انتهازية سرعان ما تفجرت لاحقا، وخلفت وراءها تعقيدات كثيرة خاصة أنها غطت على لوبيات الفساد وسمحت لها بالتمدد في كل الاتجاهات، وظهرت نتائجها بصفة خاصة في الفترة الأخيرة من خلال ظاهرة الاحتكار التي طالت المواد الأساسية، ومن تحكم في السوق قاد إلى ارتفاع الأسعار والمس من قدرات الفئات المتوسطة والضعيفة.

ويبدو أن الرئيس التونسي لم يعد يتحمل الحملات التي تقوم ضده، بعد أن تحملها لأشهر عديدة، ويريد أن يضع لها حدا بمواجهة أصحابها، ولهذا وجه خطابا علنيا للتونسيين بحضور قادة المؤسسة العسكرية والأمنية ليضع الجميع في الصورة وتأكيد أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة وأنه لا يمكن لأحد أن يتجاوز عليه، وأن فترة سكوته عن الحملات كانت اختيارا منه وليس علامة ضعف أو خوف.

وحمّل سعيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وكذلك من أسماهم بالقضاة الشرفاء، مسؤوليتهم الواضحة في حماية مؤسسات الدولة، وهو يقصد توجيه رسالة للمعارضين ولاتحاد الشغل مفادها أنه ليس وحده، وأن المؤسسات السيادية تقف إلى جانبه، في رد مباشر على دعوات تحريض طالبت المؤسسة العسكرية والأمنية بالتزام الحياد والنأي بنفسها عن سعيد، في ظل حملة منظمة من المعارضة تطالب بالاستعداد لمرحلة ما بعد سعيد، وسط دعوات إلى انتخابات رئاسية مبكرة كان آخرها ما جاء على لسان رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي.

وتوجه سعيد إلى قيادات الحرس الوطني قائلا إن “الشعب يريد المحاسبة ومطلبه الأساسي المحاسبة ودوركم تاريخي في الاستجابة لمطالب الشعب”.

وأضاف سعيد “واجبكم المقدس أن تتم محاسبة كل من أجرم في حق الوطن (…) ولا يمكن أن يُترك مجرم واحد دون مساءلة.. اليوم نخوض معركة تحرير وطني للحفاظ على الدولة وكفى من يستخفون بالدولة ما اقترفوه من جرائم وما يدبرونه من جرائم في المستقبل”.

وتابع “عليكم (قيادات الحرس الوطني) وعلى القضاة الشرفاء أن تقوموا بدوركم كاملا حتى يتم التصدي لمن تآمر على الدولة في السنوات الماضية، وما زالوا إلى حد هذه الساعة يتآمرون على الدولة”.

ويظهر هذا الخطاب أن المرحلة القادمة، والتي قد تبدأ خلال أيام، سيتم فيها فتح ملفات الخصوم السياسيين، وخاصة ممن حكموا خلال العشرية الماضية، وتحميلهم وضعية ما وصلت إليه البلاد من أزمات.

ومن الواضح أن الاستنجاد بالمؤسسة العسكرية على وجه الخصوص الهدف منه أن تأخذ الملف القضائي بيدها في ظل ما يعتبره الرئيس تباطؤا للقضاء العادي في تسريع محاكمة من تحيلهم وزيرة العدل على المحكمة.

يشار إلى أن المعارضة لديها تقاليد كبيرة في إدارة المعركة مع السلطة على مستوى القضاء العادي، وأي إحالة لقيادي حزبي من أي جهة تقابل بتحشيد كبير مهنيا وإعلاميا، وتفتح الأعين على تفاصيل الملف والتهم الموجهة إليه، مع شبكة كبيرة من المحامين المتخصصين الذين يتسابقون للترافع من قضية إلى أخرى، وعادة ما ينجحون في تحويل القضية من بعدها القضائي إلى بعد سياسي يزعج السلطة أكثر مما يخدمها.

في المقابل، القضاء العسكري حاسم ولا يقرأ أي حساب لهذه التفاصيل ويصدر أحكامه بقطع النظر عن الاعتراضات والمرافعات التي تصدر على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يهمه هو الملفات التي أمامه.

والقضاء العسكري حل، ولكنه حل مكلف سياسيا محليا وخارجيا، مع وجود تقاليد لدى المعارضة، وخاصة حركة النهضة، في استثمار المحاكمات العسكرية خارجيا ضمن شبكات حقوقية وإعلامية جاهزة لتقف آليا ضد السلطة بقطع النظر عن مشروعية ما تقوله من عدمها.

ولا يقف التصعيد الذي ينوي سعيد البدء به عند السياسيين، فهناك مؤشرات على أنه سيواجه الإضرابات والاعتصامات بحزم أكبر.

وأكدت صحيفة ”الشعب نيوز” الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل الثلاثاء إيقاف كاتب عام نقابة الطرقات السيارة أنيس الكعبي على خلفية ما أشار إليه سعيد في اجتماع العوينة من غلق الطريق السيارة تحت غطاء ممارسة العمل النقابي، مشددا على أن هذا الحق وإن كان مكفولا ولكنه لا يجيز أبدا مثل هذه الممارسات.

وتقول أوساط سياسية تونسية إن مسار المحاكمات، خاصة العسكرية، قد يستدرج سعيد إلى المربع الحقوقي الذي تتقنه المعارضة ويحتاج إلى جهود وخطط ستأخذ الكثير من الاهتمام والوقت، فيما يريد الرئيس سعيد أن يقنع الشارع التونسي بأن لديه حلولا لأزماته، وأن مرحلة ما بعد استكمال بناء المؤسسات ستكون للملف الاقتصادي.

وترى هذه الأوساط أن استمرار الرئيس سعيد في التركيز على البعد السياسي، وردوده المستمرة على الخصوم في كل مناسبة، ليس في صالحه، وأن عليه أن يولي الملف الاقتصادي الأهمية اللازمة سواء استمر في التصعيد مع خصومه أم لا.

الآن سيكون الشارع التونسي متابعا وبدقة للخطوات التي تقطعها الحكومة في إدارة الأزمة الاقتصادية. صحيح أنه وقف مع الرئيس في معاركه مع المعارضة ومع اتحاد الشغل، وما يزال ميالا لمسار 25 يوليو، لكن الأزمة لا تنتظر.

وهذا يستدعي من حكومة نجلاء بودن أن تتحرك بقوة لإدارة مختلف الملفات، وعلى رأسها الإصلاحات الاقتصادية الضرورية من أجل تأمين دعم صندوق النقد، وفي نفس الوقت البحث عن بدائل أخرى تساعد على الاستفادة من قرض الصندوق بدل الاضطرار لإنفاقه في سد الفجوات الكثيرة في المالية العمومية.

وتحتاج الحكومة إلى أن تشعر بخطورة المرحلة، خاصة أن قانون المالية ستكون نتائجه قاسية على الناس، والأحرى أن تتحرك الحكومة للتحكم في الإنفاق العام، وأن يطال التقشف مختلف الوزارات، بما في ذلك رئاسة الوزراء والإدارات الحكومية المختلفة، وفرض تقشف حقيقي على السيارات الإدارية وكوبونات البنزين حتى يشعر التونسيون أن التقشف هو توجه رسمي حقيقي، وليس فقط تحميل المواطن أعباء إضافية، وكأنه هو الوحيد المعني بحل الأزمة.

الكاتب: مختار الدبابي
المصدر: صحيفة العرب

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

2026-10-03 10:29 2158
الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

2026-10-03 10:28 2218
الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

2026-10-03 00:01 7596
ترامب: قضية إيران ستنتهي قريباً وستنخفض أسعار النفط

ترامب: قضية إيران ستنتهي قريباً وستنخفض أسعار النفط

2026-10-02 23:16 4405
العراق يثمن التفهم الأمريكي ويؤكد حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة

العراق يثمن التفهم الأمريكي ويؤكد حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة

2026-10-02 21:44 8196
استئناف الرحلات الجوية لشركات الطيران الإيرانية من وإلى مطار النجف

استئناف الرحلات الجوية لشركات الطيران الإيرانية من وإلى مطار النجف

2026-10-02 21:01 7163
العراق يحذر من تجدد الصراع الأمريكي الإيراني ويعلن استعداده للوساطة بينهما

العراق يحذر من تجدد الصراع الأمريكي الإيراني ويعلن استعداده للوساطة بينهما

2026-10-02 18:22 4344
اجتماع مرتقب بالرياض لتفعيل التعاون العسكري بين السعودية وتركيا وباكستان

اجتماع مرتقب بالرياض لتفعيل التعاون العسكري بين السعودية وتركيا وباكستان

2026-10-02 18:12 3915
الأنواء: لا مؤشرات لعواصف ترابية خلال الموسم الشتوي

الأنواء: لا مؤشرات لعواصف ترابية خلال الموسم الشتوي

2026-10-02 16:05 7532
​تحديث أمني عاجل من آبل لسد ثغرة استهدفت أجهزة آيفون وآيباد

​تحديث أمني عاجل من آبل لسد ثغرة استهدفت أجهزة آيفون وآيباد

2026-10-02 14:11 4103
سباق النقاط يشتعل اليوم في الدوري العراقي الممتاز ودوري الصالات

سباق النقاط يشتعل اليوم في الدوري العراقي الممتاز ودوري الصالات

2026-10-02 13:00 5837
تراجع النفط بعد ارتفاع خاطف عقب وقف الصادرات الصينية

تراجع النفط بعد ارتفاع خاطف عقب وقف الصادرات الصينية

2026-10-02 08:58 5121
توصيات حاسمة من القائد العام بالتزامن مع طي صفحة التحالف الدولي

توصيات حاسمة من القائد العام بالتزامن مع طي صفحة التحالف الدولي

2026-10-02 11:56 5802
طقس العراق.. أمطار وانخفاض بدرجات الحرارة في الأيام المقبلة

طقس العراق.. أمطار وانخفاض بدرجات الحرارة في الأيام المقبلة

2026-10-02 11:52 8724
بين المستويين الأحمر والبرتقالي.. كندا تحدّث تحذيرات السفر لعدة دول

بين المستويين الأحمر والبرتقالي.. كندا تحدّث تحذيرات السفر لعدة دول

2026-10-01 23:57 6088
العراق يتفاوض على تسليم سلاح الفصائل ويستعد لفتح منافذ نفطية جديدة

العراق يتفاوض على تسليم سلاح الفصائل ويستعد لفتح منافذ نفطية جديدة

2026-10-01 21:33 13506
فصيل عراقي يعلن التزامه بوقف العمليات العسكرية واستكمال السيادة الوطنية

فصيل عراقي يعلن التزامه بوقف العمليات العسكرية واستكمال السيادة الوطنية

2026-10-01 20:28 6508
كتائب سيد الشهداء: نبارك إنهاء الوجود الأجنبي ونؤكد الالتزام بالاتفاق المبرم

كتائب سيد الشهداء: نبارك إنهاء الوجود الأجنبي ونؤكد الالتزام بالاتفاق المبرم

2026-10-01 19:30 5924