اتفاق فندق الرشيد يفجّر صراع تدوير المناصب ويهدد استقرار كركوك
تتصاعد حدّة السجال السياسي في محافظة كركوك، عقب تجدّد الخلافات مؤخرًا بشأن اتفاق مفترض يقضي بتدوير المناصب السيادية في المحافظة، وتحديدًا منصبي المحافظ ورئيس مجلس المحافظة، بين المكونات الرئيسية الثلاثة، العرب والكرد والتركمان، وسط تباين حاد في المواقف إزاء هذا الاتفاق ومشروعيته.
اتفاق فندق الرشيد وحدود ولايته الزمنية
بحسب تقرير نشره موقع ميدل إيست نيوز، وتابعته المطلع، فإن الاتفاق الذي عُرف إعلاميًا بـ"اتفاق فندق الرشيد" ينص على تدوير منصب محافظ كركوك بين المكونات الثلاثة، الكرد والعرب والتركمان، مع تحديد ولاية المحافظ الحالي ريبوار طه، المنتمي إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، لتنتهي بحلول 31 كانون الأول/ديسمبر الحالي، على أن ينتقل المنصب بعدها إلى مكون آخر وفق آلية التدوير المتفق عليها.
ريبوار طه يتمسك بالمنصب بعد فوزه بالنيابة
ومؤخرًا، صرّح المحافظ الحالي ريبوار طه، الذي فاز بعضوية مجلس النواب في الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرًا، بأنه سيبقى في منصبه محافظًا لكركوك، ولن يتوجه لأداء اليمين الدستورية نائبًا في البرلمان، ما فُسر على أنه تراجع عن الالتزام باتفاق التدوير.
الموقف التركماني ورفض اتفاق الرشيد
وفي هذا السياق، يقول نائب رئيس الحركة القومية التركمانية عباس بياتلي إن المكون التركماني لم يكن مشاركًا في اتفاق فندق الرشيد، واصفًا الاتفاق بأنه “باطل”، ومشيرًا إلى أنه تم الالتفاف من خلاله على استحقاقات المكونات وتقاسم المناصب خلال تلك الجلسة.
ورغم ذلك، شدد بياتلي على ضرورة احترام الاتفاق من قبل الأطراف التي وقعته، لإثبات حسن نواياها، مطالبًا بتسليم منصب المحافظ في 31 من الشهر الحالي إلى المكون التركماني، وبشكل حصري إلى الجبهة التركمانية، التي عدّها الممثل الحقيقي للتركمان في مجلس المحافظة والبرلمان، رافضًا تسليم المناصب المخصصة للمكون لشخصيات وصفها بـ"الكارتونية الهزيلة" التي تدّعي تمثيل التركمان.
رعاة الاتفاق والتحذير من التراجع
ويضيف بياتلي أن عدة شخصيات سياسية كانت راعية للاتفاق الذي عُقد في فندق الرشيد ببغداد، من بينها الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي، والأمين العام لحركة بابليون ريان الكلداني، مؤكدًا أن هؤلاء تعهدوا بتنفيذ الاتفاق حرفيًا.
ويعبّر نائب رئيس الحركة القومية التركمانية عن رفضه لأي تراجع من قبل القوى الكردية، ولا سيما الاتحاد الوطني الكردستاني، عن تنفيذ اتفاق تدوير المناصب، محذرًا من أن ذلك سيضر باستقرار كركوك ويؤثر على السلم المجتمعي، ويُعد تجاوزًا صريحًا على استحقاقات المكونات الأخرى.
دعوات للتدخل الحكومي ومواقف متباينة
وكان رئيس الجبهة التركمانية العراقية محمد سمعان آغا قد دعا، في الثاني من تموز/يوليو الماضي، رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، إلى التدخل المباشر لإعادة تشكيل الحكومة المحلية في كركوك، بما يضمن تمثيل المكون التركماني في إدارة شؤون المحافظة.
في المقابل، نفى عضو مجلس محافظة كركوك عن الاتحاد الوطني الكردستاني أحمد كركوكي، في تصريحات سابقة، وجود أي اتفاق بشأن تدوير المناصب، كاشفًا عن بيان سيصدر نهاية العام الحالي لتوضيح هذا الملف.
ردود متبادلة وتأكيد توقيع الاتفاق
وردّ وزير التخطيط والمرشح الفائز عن كركوك عن حزب "تقدم" محمد تميم على تصريحات كركوكي، مؤكدًا أن الاتفاق وقّعه زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، وأن ولاية المحافظ ريبوار طه تنتهي بنهاية العام الجاري، متهمًا كركوكي بـ"تجاهل الحقائق".
الموقف العربي وتحذيرات من التنازلات
من جانبه، دعا رئيس هيئة الرأي العربية في كركوك ناظم الشمري الأطراف الموقعة على اتفاق فندق الرشيد إلى الالتزام بتعهداتها بشأن تدوير منصب المحافظ والمناصب الأخرى بين المكونات العربية والتركمانية والكردية، تنفيذًا لما وصفه بـ"صفقة فندق الرشيد" التي اعترضت عليها الهيئة، وتمت بين حزبي الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب تقدم بمعزل عن بقية القوى الممثلة في مجلس المحافظة.
وأوضح الشمري أن هيئة الرأي العربية، وهي حزب يضم شخصيات عربية من كركوك من أكاديميين ووجهاء مدنيين وشيوخ عشائر، شاركت في الانتخابات الأخيرة ضمن التحالف العربي برئاسة راكان الجبوري، تُحمّل الأطراف السياسية العربية مسؤولية عدم تطبيق الاتفاق، وتحذر من تقديم مزيد من التنازلات مقابل مناصب هامشية.
مطالب بتوحيد الصف واستبدال الأعضاء
ويطالب الأعضاء العرب في مجلس المحافظة بالتوحد من أجل انتزاع الاستحقاقات التي انتُخبوا من أجلها، مقترحًا استبدال الأعضاء الذين لم يباشروا عملهم في المجلس حتى الآن، خاصة أولئك الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية تستوجب إسقاط عضويتهم.
خلفيات فكرة التدوير وتعقيدات المشهد
وجرى طرح فكرة تدوير المناصب في كركوك بعد تعثر تشكيل حكومتها المحلية الأخيرة، واستمرار الخلافات لأشهر عدة حول المناصب السيادية، في ظل انعدام الحلول. ويقوم الاتفاق على تناوب المكونات الثلاثة على منصبي المحافظ ورئيس مجلس المحافظة، مع ضمان تمثيل جميع القوى السياسية، وإعادة بناء الثقة بين المكونات.
حسابات بغداد والمصالح السياسية
ويرجّح الباحث في الشأن السياسي خليل الجبوري أن يكون حزب تقدم، بزعامة محمد الحلبوسي، والذي يمثل الأغلبية العربية حاليًا في كركوك، قد تنازل عن فكرة التدوير، بدافع مصالح سياسية مع الاتحاد الوطني الكردستاني في بغداد.
ويشير الجبوري إلى أن حزب تقدم يحتاج إلى دعم الاتحاد الوطني في ملف التصويت على رئاسة البرلمان، خصوصًا في حال دخول القوى السنية بأكثر من مرشح للمنصب، ما قد يدفعه للتخلي عن فكرة التدوير حفاظًا على مصالح سياسية أوسع.
مواقف كردية متباينة
ويلفت الجبوري إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يمتلك مقعدين في مجلس محافظة كركوك، لن يدعم فكرة تدوير المنصب لصالح مرشح عربي أو تركماني، حتى لو جاء ذلك على حساب خصمه الاتحاد الوطني، باعتبار أن المنصب يشغله حاليًا مرشح كردي، وأن الأمر يرتبط، من وجهة نظره، بمصلحة قومية.
الاتحاد الوطني يدافع عن بقاء المحافظ
من جهته، يؤكد القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني غياث سورجي أن مدينة كركوك تشهد حاليًا حالة من الاستقرار والهدوء، وأن المحافظ الحالي ريبوار طه يحظى بمقبولية لدى مختلف المكونات.
ويوضح سورجي أن المحافظ حصل خلال الانتخابات الأخيرة على ثقة 96 ألف ناخب من أبناء كركوك، بينهم آلاف من العرب والتركمان، نتيجة إدارته للمحافظة والعمل في جميع مناطقها دون استثناء.
ويضيف أن كركوك تنعم اليوم باستقرار أمني وسياسي وإداري، معتبرًا أن المساس بهذا الاستقرار لا يخدم أي طرف، ومشيرًا إلى أن أي كتلة سياسية لم تطرح رسميًا ملف التدوير حتى الآن.
تشكيل الحكومة المحلية وسياق المقاطعة
وتشكلت حكومة كركوك الحالية بعد خلافات عميقة بين مكوناتها، استمرت نحو عشرة أشهر عقب انتخابات نهاية عام 2023، وبعد تدخل مباشر من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. وعُقدت جلسة تشكيل الحكومة في منتصف آب/أغسطس 2024، حيث جرى انتخاب ريبوار طه محافظًا عن الاتحاد الوطني الكردستاني، ومحمد الحافظ عن المكون العربي رئيسًا لمجلس المحافظة، وإبراهيم تميم نائبًا للمحافظ، وإنجيل زيا عن حركة بابليون بزعامة ريان الكلداني مقررةً لمجلس المحافظة.
وقاطع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والقوى التركمانية، والتحالف العربي بزعامة المحافظ السابق راكان الجبوري، تلك الجلسة، وسط تأكيدات في حينها بوجود اتفاق يقضي بتدوير المناصب السيادية في المحافظة.
