أنقرة تتشدد وبغداد بلا حلول… خطر العطش يهدد الملايين
يواجه العراق واحدة من أخطر أزماته المائية في العقود الأخيرة، مع تعثر جديد في مفاوضاته مع تركيا بشأن تقاسم حصص المياه، وسط تحذيرات من منظمات بيئية وخبراء من "عطش كبير" يهدد الأمن المائي والغذائي للبلاد.
وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، أنه:"ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار متجهة إلى أنقرة أملاً في التوصل إلى اتفاق جديد، انتهت المباحثات العراقية – التركية دون أي نتائج تُذكر، ما يضع العراق أمام أزمة متصاعدة قد تتحول إلى كارثة مائية غير مسبوقة".
كارثة مائية تلوح في الأفق… المفاوضات العراقية
التركية تفشل مجدداً، ليظل العراق تحت تهديد أزمة عطش غير مسبوقة. وفد عراقي رفيع زار أنقرة أملاً في اتفاق جديد حول حصص المياه، لكن الجولة انتهت بلا نتائج ملموسة وسط تشدد تركي واضح، حيث نقلت منظمة بيئية قولها:"المباحثات فشلت تماماً وأنقرة ترفض منح العراق أي زيادة في إطلاقات المياه".
وأفاد مرصد العراق الأخضر بأن:"تركيا وإيران تنتجان غذاءً بمياه الأنهار العراقية المحتجزة، بينما يتحول العراق إلى سوق غذائي مستورد لمعظم احتياجاته".
ورغم حديث رئيس الوزراء العراقي عن اتفاق قريب لبناء سدود، يرى الخبراء أن هذه الحلول مؤجلة ولا تعالج العجز المائي الحالي. الجانب التركي برر موقفه بنقص الأمطار والتغير المناخي، لكنه تجنّب أي التزام واضح بزيادة الحصص المائية للعراق.
وقالت المنظمة العراقية المعنية بشؤون البيئة إن:"المفاوضات التي خاضها وفد عراقي في أنقرة لحل أزمة المياه وتراجع مستويات نهري دجلة والفرات "لم تفض إلى أي نتائج"، وذلك بعد يوم واحد من إجراء وفد حكومي عراقي مباحثات مع المسؤولين الأتراك في أنقرة لحل أزمة المياه المتفاقمة بالعراق.
وعقدت اللجنة المشتركة لملف المياه بين العراق وتركيا اجتماعاً رسمياً في العاصمة أنقرة، الجمعة الماضي، برئاسة وزيري خارجية البلدَين، لبحث ملف إدارة الموارد المائية، في ظل تفاقم أزمة المياه التي يعاني منها العراق.
وذكرت منظمة "العراق الأخضر"، المختصة في شؤون المياه والبيئة، مساء الأحد، أن:"محاولات العراق للحصول على حصة ثابتة من إطلاقات المياه (من المنبع التركي) فشلت بشكل ذريع كون تركيا تعد ولا تفي في كل الاجتماعات التي تجمع الطرفين على الدوام"، وفقاً لما جاء بالبيان".
وأضاف البيان:"تركيا تحاول أن تجعل العراق (يستجدي) الإطلاقات المائية، خصوصاً أن هنالك الكثير من المصالح التي تحققت لها بسبب نقص المياه في العراق وحصول مشكلة أكثر تعقيداً بقيام العراق ومنذ عقدين على الأقل، باستيراد مياهه افتراضياً من دول الجوار، أي أن المياه التي كانت تاريخياً تجري إلى العراق لينتج منها كفايته من الغذاء، أصبحت تُحجز في بلدان الجوار، وتستخدم في إنتاج محاصيل وثروة حيوانية تصدر منتجاتها إلى العراق لسد النقص الحاصل في السوق نتيجة لانحسار المياه، وهذه قضية غاية في الخطورة ولم تحظ للآن بانتباه الحكومة والمجتمع برغم التحذيرات المستمرة".
وبينت المنظمة أن، تركيا ترفض ومنذ عقود توقيع أي اتفاقية من أجل استحصال حقوق العراق المائية وإمكانية تقاسم الضرر معه.
ولم تعلق الحكومة على ما جاء في تفاصيل البيان للمنظمة واسعة الانتشار، لكن عضو لجنة المياه والزراعة في البرلمان العراقي، ثائر الجبوري، قال في تصريح صحافي، إن:"المفاوضات الأخيرة بين العراق وتركيا بشأن ملف المياه لم تحقق أي تقدم يذكر، كما أن غياب الشفافية الحكومية في الإعلان عن نتائج تلك المباحثات يُثير القلق والاستغراب".
وأوضح الجبوري أن:"الوفد العراقي الذي شارك مؤخراً في المفاوضات مع الجانب التركي لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق واضح أو تفاهم عملي يضمن حصة العراق المائية وفق الاتفاقيات الدولية والحقوق التاريخية، كما أن الجانب التركي ما زال يصر على سياساته الأحادية في إدارة المياه والتحكم بتدفقها نحو الأراضي العراقية".
وأضاف، المياه والزراعة النيابية تتابع بقلق بالغ هذا الملف الحساس الذي يمس الأمن المائي والغذائي للعراق، كما يجب أن تكون هناك مصارحة من الحكومة أمام البرلمان والشعب بشأن ما جرى في المفاوضات، وما إذا كانت هناك التزامات أو تفاهمات مكتوبة يمكن البناء عليها مستقبلاً.
وحذّر الجبوري من أن:"استمرار الغموض وعدم كشف النتائج يضعف الثقة الشعبية والمؤسساتية في إدارة هذا الملف الحيوي، وعلى الحكومة العراقية أن تبني موقفاً دبلوماسياً أكثر صرامة واستثمار أوراق القوة القانونية والاقتصادية لضمان حقوق العراق المائية".
ويعاني العراق منذ مدة أزمة جفاف خانقة، نتيجة تراجع مستويات نهري دجلة والفرات إلى مستويات قياسية، بعد إقامة تركيا عدداً من السدود الضخمة على مجرى الفرات، وتغيير إيران مجرى عدد من روافد نهر دجلة، ما حال دون دخولها الأراضي العراقية.
وتقول تركيا وإيران، وهما دولتا منبع لنهري الفرات ودجلة بالعراق، إنهما تعانيان من أزمة جفاف وشح أمطار أيضاً، لكن بغداد تطالب بما تسميه "تقاسم الضرر"، والالتزام بحصة ثابتة للعراق من المياه.
وفي أغسطس/ آب الماضي، عقدت اللجنة الفنية العراقية – التركية في أنقرة اجتماعاً موسعاً لمناقشة الإجراءات الفنية والإدارية المتعلقة بإدارة الموارد المائية المشتركة، وتنسيق الجهود لتقليل تأثيرات التغيّرات المناخية وشح المياه في المنطقة، من دون أي نتائج ملموسة للاجتماع حتى الآن.
ويحذر خبراء من أن:"فشل هذه المفاوضات مجدداً، في ظل تصاعد تأثيرات التغير المناخي وسوء الإدارة المائية الداخلية، قد يدفع العراق إلى واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والاقتصادية، إذا لم يتم التوصل إلى تسوية عادلة تضمن الحد الأدنى من حقوقه المائية".
وفي ظل هذا الجمود المقلق، يقف العراق اليوم على حافة العطش. فبين تشدد دول المنبع، وتراجع الأمطار، وغياب حلول عاجلة، تبدو أزمة المياه أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي للمساهمة في إيجاد مخرج عادل، فقد يشهد هذا البلد الغني بالأنهار تحولات بيئية واقتصادية واجتماعية خطيرة تهدد مستقبل أجياله القادمة.
