إنفاق الأسر العراقية على الغذاء يتراجع للنصف وسط كلفة معيشة مرتفعة
شهد العراق تحوّلاً كبيراً في نمط إنفاق الأسر، حيث تراجعت نسبة الإنفاق على المواد الغذائية إلى نحو 32 في المئة من مجمل الدخل، مقارنة بأكثر من 60 في المئة خلال السنوات الماضية، وفق بيانات وزارة التخطيط العراقية، في مؤشر يعكس إعادة توجيه الموارد نحو السكن والصحة والتعليم والخدمات الأساسية الأخرى.
وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة عبدالزهرة الهنداوي إن:"الأسرة العراقية كانت في السنوات الماضية تُنفق على الغذاء النسبة الأكبر من دخلها، إذ تجاوزت 60 في المئة، لكن اليوم باتت هذه النسبة لا تتعدى الثلث، وهو ما ينسجم مع أولويات المعيشة وتوزيع الإنفاق على مختلف الحاجات الحياتية".
وأشار إلى أن:"الإجراءات الحكومية الأخيرة أسهمت في تحقيق استقرار نسبي في أسعار المواد الغذائية، رغم تسجيل بعض الارتفاعات الطفيفة في أسعار سلع محددة تراوحت بين 0.5 في المئة و3 في المئة فقط".
وبيّن الهنداوي أن، تقارير الوزارة أظهرت انخفاضاً في معدل التضخم خلال شهر يوليو الماضي بنسبة 0.1 في المئة على المستوى الشهري، وهو ما يعكس تحسناً محدوداً لكنه مهم في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وكانت وزارة التخطيط قد أعلنت في فبراير المنقضي عن نتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة في العراق، مؤكدة تراجع نسبة الفقر في البلد إلى 17.5 في المئة عما كانت عليه عام 2018.، وفق وكالة الأنباء العراقية.
وذكرت الوكالة أن:"متوسط حجم الأسرة في العراق بلغ 5.9 فرد، فيما بلغت نسبة اكتظاظ الوحدات السكنية حسب المعيار وجود أكثر من ثلاثة أشخاص في الغرفة الواحدة بنسبة 29 في المئة، في حين بلغ متوسط إنفاق الفرد الشهري 248.6 ألف دينار عراقي، كما بلغ متوسط إنفاق الأسرة الشهري 1.467 مليون دينار عراقي".
وأشارت إلى أن:"متوسط دخل الفرد بلغ 201.3 ألف دينار عراقي، فيما بلغ متوسط الدخل الشهري للأسرة 1.188 مليون دينار عراقي، في حين بلغ معدل البطالة للبالغين للفئة العمرية 15 سنة فأكثر 13.5 في المئة، كما بلغ معدل السكان النشطين اقتصادياً للفئة العمرية 15 سنة فأكثر 38.1 في المئة، أما نسبة الأسر التي تمتلك البطاقة التموينية فبلغت 96.4 في المئة".
وأكدت أن:"نتائج المسح أظهرت أن 15.2 في المئة من الأفراد في العراق مصابون بأمراض مزمنة، فيما بلغت نسبة الأسر التي تمتلك المساكن التي تعيش فيها 77.6 في المئة، أما نسبة الأسر التي ترتبط وحداتها السكنية بشبكة الماء العمومية فبلغت 86.48 في المئة".
ويرى الباحثون في الشأن الاقتصادي أن، التحول في إنفاق الأسرة العراقية من الغذاء إلى قطاعات أخرى مثل السكن والخدمات والتعليم، يشير إلى تغير في نمط الاستهلاك لكنه لا يعني بالضرورة تحسناً في القدرة الشرائية.
والأسر تواجه تحديات معيشية مركّبة؛ فبينما انخفضت نسبة الإنفاق على الغذاء بقيت كلفة المعيشة مرتفعة
وقال علي عبدالله، الخبير الاقتصادي، عندما كان 60 في المئة من الدخل يُنفق على الطعام كان ذلك علامة على هشاشة الوضع المعيشي، واليوم رغم انخفاض النسبة إلى نحو 30 في المئة، إلا أن ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والنقل جعل الكلفة النهائية للحياة أثقل على كاهل المواطن؛ بمعنى أن المواطن لم يشعر فعلياً بانخفاض العبء، وإنما تغيّر موقع هذا العبء من الغذاء إلى عناصر أخرى.
وتُعد كلفة المعيشة أحد أبرز المؤشرات الاقتصادية التي تحدد قدرة المواطن على تلبية احتياجاته، خاصة مع ارتفاع إيجار السكن والأخذ بعين الاعتبار التفاوت الكبير في رواتب الموظفين بين وزارة وأخرى، فهناك دوائر راتب الموظف فيها لا يزيد على 600 ألف دينار شهرياً (نحو 430 دولاراً).
وتبلغ كلفة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والإنترنت لشقة صغيرة نحو 150 ألف دينار شهرياً (103 دولارات)، فيما ترتفع الفاتورة خلال الصيف بسبب استخدام أجهزة التبريد. وتطالب الأسر الحكومة بدعم أسعار الكهرباء والوقود لتقليل الضغط على ميزانياتها.
ويبلغ سعر لتر البنزين العادي 450 دينارا (نحو 0.40 دولار)، بينما تتراوح كلفة المواصلات العامة الشهرية للفرد بين 40 و50 ألف دينار (نحو 30 – 40 دولاراً)، وهو ما يمثل عبئاً إضافياً على دخل الأسر، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى خدمات نقل عامة منتظمة.
وتشير الأرقام إلى تفاوت واضح في تكاليف المعيشة بين المدن العراقية، إذ تُعد بغداد الأعلى كلفة للفرد شهرياً، تليها أربيل عاصمة إقليم كردستان، ثم محافظة كركوك، فيما تعتبر محافظة نينوى الأقل كلفة. هذا التفاوت يعكس الفوارق الاقتصادية وتفاوت القدرات الشرائية للمواطنين بين المحافظات.
وتواجه الأسر العراقية اليوم تحديات معيشية مركبة؛ فبينما انخفضت نسبة الإنفاق على الغذاء إلى الثلث بقيت كلفة المعيشة الكلية مرتفعة نتيجة الزيادات في السكن والطاقة والخدمات.
ويؤكد خبراء أن:"الاستقرار في أسعار بعض السلع لا يكفي لتحقيق الراحة الاقتصادية، ما لم ترافقه سياسات حكومية تعزز القدرة الشرائية وتحسن مستوى الخدمات".
وبحسب علي عبدالله يحتاج العراق إلى إصلاحات أعمق في السياسة المالية ودعم مباشر للفئات محدودة الدخل حتى يشعر المواطن بتغير ملموس.
