إيران على مفترق العقوبات الأممية… الأمن الإقليمي في قلب التداعيات
مع اقتراب ساعة الصفر لعودة جزء كبير من عقوبات مجلس الأمن الدولي على إيران، فإن ما كان في الأصل نزاعاً فنياً حول تنفيذ بنود اتفاق 2015 تحول إلى لحظة محورية ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية واسعة.
ويعيد إطلاق بريطانيا وفرنسا وألمانيا آلية “إعادة العقوبات” في أواخر أغسطس وما تلاه من تصويت متعثّر في مجلس الأمن، إيران بسرعة إلى مركز لعبة فرض النفوذ الدولي، ويضع دول المنطقة أمام سيناريوهات شديدة التعقيد.
وفي جوهر تأثيرات إعادة العقوبات يقف النفط والتمويل الدولي، حيث ستشمل العقوبات الأممية التي ستُعاد، قيودا أساسية على صادرات الطاقة وقيودا على تكنولوجيا التكرير والنقل البحري والتمويل، ما يعني أن الشركات والمؤسسات المالية الغربية ستُمنع عمليا من التعامل مع أطراف إيرانية مدرجة، وستخشى بنوك أخرى تبني روابط تجارية مباشرة مع طهران العقوبات الثانوية أو الفوضى المصرفية.
وسينعكس هذا فوريا على قدرة إيران على تسويق نفطها بأسعار وشروط تنافسية، وربما يفرض عليها تسويق حصص بأحجام أقل أو عبر صفقات اغتنامية مع وسطاء أو عبر أسواق محددة كالصين، لكن ذلك سيبقيها خارج المنظومة المالية العالمية الفاعلة.
وسيكون تأثير هذه القيود على الإيرادات الحكومية كبيرا؛ فالميزانية الإيرانية لا تزال تعتمد بدرجة عالية على إيرادات النفط والغاز لتمويل الإنفاق الاجتماعي والأمني.
ويشير خبراء اقتصاديون في شؤون إيران إلى أن مثل هذا الضغط يزيد من خفض قدرة الدولة على تمويل مشاريع البنية التحتية والدعم الاجتماعي، ما قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط المعيشية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة.
وفي تجربة ما بعد 2018، حين أعادت واشنطن عقوباتها بعد انسحابها من الاتفاق النووي، ظهرت قدرة إيران على التكيّف عبر أساليب التهرب وتحويلات تجارية مع دول بعينها، لكن الاستنزاف كان واضحاً على المدى المتوسط.
ومع ذلك لا يمكن تقييم التأثير الاقتصادي بمعزل عن عاملين رئيسيين: مدى التزام الصين (وإلى حدّ ما روسيا) بتطبيق العقوبات، وقدرة طهران على إيجاد بدائل لأسواقها المالية والنفطية.
وإذا اختارت بكين المواصلة في استيراد نفط إيراني بتعقُّد مرافق (كما تتكرر في تحليلات عدة)، فإن صدمة الإيرادات ستكون أقل حدة من السيناريو الأحادي.
وهذا ما تلاحظه دراسات مراكز فكرية غربية تحذر من أن إعادة عقوبات الأمم المتحدة قد لا تكون بالضرورة قاطعة ما لم تترافق مع آليات تطبيق صارمة على مسارات التجارة مع الصين وروسيا.
وستدفع عودة العقوبات إيران لعزف أكثر وضوحا على وتر الانفتاح على قوى غير غربية لتعويض العزلة: موسكو وبكين سوف تصبحان شريكين حرجين لاستيعاب تبعات الخسارة في أسواق الغرب.
وستكون اتفاقات طويلة الأمد في قطاعات الطاقة والبنى التحتية، وتوسع في استخدام عملات بديلة وخطوط ائتمان ثنائية، أدوات طهران لتقليل التأثير.
وسيقوي هذا التقارب مناخ الاستقطاب الدولي في الشرق الأوسط، ويزيد من صعوبة قيام تسوية متعددة الأطراف إن لم تتخذ واشنطن ومصالح أوروبية خطوات دبلوماسية متزامنة وحسّاسة.
الملف النووي الإيراني يدخل مرحلة أكثر تعقيدا
ومن زاوية الأمن الإقليمي، تزيد احتمالات التعاظم في عدة مسارات رئيسية: أولاً، المزيد من النشاط الاستخباري والعسكري المباشر وغير المباشر بين إيران وإسرائيل، لاسيما إذا شعرت طهران بأن خياراتها تتقلّص.
وثانيا، تكثيف دعم طهران لحزب الله في لبنان، وبعض الفصائل الاخرى، كوسيلة ضغط إقليمية تتجاوز الحدود الدبلوماسية.
وثالثا، تزايد احتمالات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو خنقها جزئياً كرد انتقامي، ما قد يرفع أسعار النفط عالمياً على نحو حاد.
ورابعا، تصاعد العمليات السيبرانية أو الاستهدافات المحدودة التي قد تتطور إلى حوادث أكبر.
وأخيرا، ضغوط داخلية قد تتحول إلى احتجاجات تطالب بتغيير التوجهات الاقتصادية أو السياسية.
ويضع كل ذلك الفاعلين الدوليين أمام خيارات محدودة ومعقّدة: أوروبا (الترويكا) تراوح بين رغبتها في الحفاظ على الاتفاق النووي كإنجاز دبلوماسي وبين ضرورة الاستجابة لمخاوف حلفائها ولقواعدها الداخلية، لذلك اقترحت الترويكا تمديداً مؤقتاً للمهلة لفسح المجال للمفاوضات، في حين اتخذت خطوة تفعيل الآلية باعتبارها ورقة ضغط.
وتمثل الولايات المتحدة، حتى عند تباينها السياسي الداخلي حول سياسة إيران، مفتاحا عمليا بالنسبة إلى إجراءات تعقب تطبيق العقوبات الثانوية.
أما روسيا والصين، اللتان تملكان موقفا نقديا تجاه الخطوات الأوروبية وتتمتعان بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، فقد تختاران مسارات مدروسة للالتفاف على العقوبات بدل المواجهة الصريحة، التي يمكن أن تُعقّد أكثر العلاقة مع باقي أعضاء المجتمع الدولي.
ويرى باحثون في مراكز غربية أن إعادة العقوبات قد تُعيد طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط مفروضة، لكنها قد لا تضمن بالضرورة تحولاً جذرياً في السلوك النووي ما لم تُصاحب بحزمة دبلوماسية شاملة تتضمن حوافز اقتصادية قابلة للقياس.
ويحذر آخرون من أن الاقتصادات المعولمة اليوم -ولاسيما وجود وسطاء وبنى تجارية بديلة- تُمكّن طهران من الاستمرار على مستوى معيشي متفاوت، ما يقلّل من فاعلية العقوبات وحدها كأداة لإحداث تغيير إستراتيجي سريع.
هل هذا التحالف يخدم مصالح إيران؟
وعلى مستوى الساحة الإيرانية ستعطي إعادة العقوبات الأغلبيةَ المحافظة في السلطة أدوات لتبرير سياسات أكثر صرامة تجاه المعارضة والقطاع الخاص، بحجة الحاجة إلى الصمود.
ويضع هذا الإصلاحيين والقطاع المدني في مأزق: خطْوَتهما نحو الانفتاح الاقتصادي قد تُقوَض إذا بدت ثمارها أمام الجمهور غير كافية في ظل عزلة متجددة.
وفي الوقت نفسه قد تستغل الفئات الاقتصادية المتضررة شبكاتها للضغط على النظام من أجل حلول، ما يفتح هامش مفاوضات داخليّة حول توزيع الخسائر.
وتشير تحليلات إقليمية إلى أن هذا المزيج قد يزيد من فرص عدم الاستقرار طويل الأمد إذا استمرت القيود دون خطة واضحة للتخفيف الاجتماعي.
وفي الأشهر القريبة تبدو أمام الأزمة ثلاثة مسارات محتملة قد تتبلور وفق موازين القوى والتفاعلات الدولية.
المسار الأول هو سيناريو التصعيد، حيث تُعاد العقوبات بشكل كامل وتجد إيران نفسها أمام ضغوط اقتصادية خانقة، الأمر الذي قد يدفعها إلى تكثيف نشاطها الإقليمي عبر دعم حلفائها في المنطقة، وهو ما يستدعي بدوره ردوداً إسرائيلية وأميركية تزيد من احتمالات المواجهة.
أما المسار الثاني فيتجسد في خيار التجميد الدبلوماسي، أي التوصل إلى تمديد مهلة تفاوضية مؤقتة تسمح ببلورة اتفاق مرحلي يفرض قيوداً محدودة على بعض أنشطة إيران النووية والعسكرية مقابل رفع جزئي للعقوبات، وهو سيناريو يمنح الجميع فسحة لتجنب التصعيد المباشر.
وأما الثالث فهو سيناريو الالتفاف، حيث تستمر إيران في الاستفادة من قنوات اقتصادية وتجارية غير غربية تتيح لها تقليص الأثر الكامل للعقوبات، ما يؤدي إلى إطالة أمد التفاوض من دون تقدم جوهري.
وكل خيار من هذه الخيارات يحمل انعكاسات متفاوتة على استقرار الأسواق العالمية، وعلى مستوى التوترات الأمنية في المنطقة، كما يؤثر في توازنات السلطة داخل إيران بين التيارات المحافظة والتيارات الإصلاحية.
كلمات مفتاحية
- ايران
- طهران
- النووي الايراني
- العقوبات على ايران
- مجلس الامن
- الترويكا الاوروبية
- سناب باك
- النفط الايىاني
- امريكا
- واشنطن
- روسيا
- الصين
