الإحترار العالمي يقرب الأرض من سيناريو يهدد استقرار المناخ
تشير دراسة تحليلية حديثة إلى أن وتيرة الاحترار العالمي تتسارع بوتيرة تفوق التقديرات السابقة، ما يرفع احتمالات تجاوز نظام المناخ حدود الاستقرار التي استمرت آلاف السنين، والدخول في مرحلة تُعرف بـ “أرض الدفيئة”، وهي حالة مناخية تتسم بارتفاع شديد ومستدام في درجات الحرارة، قد يصعب عكسه حتى مع اتخاذ إجراءات لاحقة للحد من الانبعاثات.
ووفقاً للدراسة المنشورة في دورية “ون إيرث”، فإن الأرض شهدت منذ نهاية العصر الجليدي الأخير قبل نحو 11 ألف عام مناخاً مستقراً نسبياً، ما أتاح ازدهار الزراعة ونشوء الحضارات البشرية.
إلا أن المؤشرات الحديثة تُظهر أن درجات الحرارة العالمية تقترب من تجاوز سقف 1.5 درجة مئوية الذي حددته اتفاقية باريس للمناخ كحد آمن، فيما سجلت السنوات الثلاث الأخيرة متوسطات حرارة تجاوزت هذا المستوى، في مؤشر واضح على تسارع ظاهرة الاحترار.
ويحذر الباحثون من أن قدرة الأنظمة الطبيعية على امتصاص الانبعاثات الكربونية بدأت تتراجع، إذ تحولت بعض الغابات، التي كانت تمثل مصارف طبيعية للكربون، إلى مصادر انبعاث نتيجة حرائق الجفاف، كما انخفضت كفاءة المحيطات في امتصاص ثاني أكسيد الكربون، ما يعزز تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
الدراسة نبهت إلى أن تجاوز حد 1.5 درجة مئوية قد يدفع نظام الأرض نحو عبور ما يُعرف بـ “نقاط التحول الحرجة”، مثل تدهور غابات الأمازون، وذوبان التربة الصقيعية، وعدم استقرار الصفائح الجليدية في غرينلاند والقطب الجنوبي الغربي.
وتمثل هذه الظواهر عناصر مترابطة، إذ يمكن أن يؤدي تفعيل أحدها إلى تسريع الأخرى ضمن سلسلة تأثيرات متتابعة، ما يزيد من حدة التغير المناخي وتسارع تداعياته.
وقال عالم المناخ ويليام ريبل، أحد المشاركين في إعداد الدراسة، إن العالم يبتعد تدريجياً عن مناخ مستقر استمر لأكثر من 11 ألف عام، متجهاً نحو مرحلة من التغيرات المناخية غير المسبوقة في تاريخ البشرية.
ويشير مفهوم “أرض الدفيئة” إلى حالة مناخية تتعزز فيها ظاهرة الاحترار نتيجة ما يُعرف بالتغذية الراجعة الإيجابية، حيث تؤدي التغيرات المناخية إلى إطلاق المزيد من الغازات الدفيئة، ما يفاقم ارتفاع درجات الحرارة بشكل ذاتي ومستمر.
وفي مثل هذا السيناريو، تصبح عملية استعادة التوازن المناخي أكثر صعوبة، حتى مع خفض الانبعاثات لاحقاً.
ورغم أن العلماء يؤكدون أن الأرض لم تصل بعد إلى هذه المرحلة الحرجة، إلا أن المؤشرات الحالية تُظهر اقتراب النظام المناخي من حدود خطرة، ما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لتجنب أسوأ السيناريوهات.
وتخلص الدراسة إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تسريع الجهود العالمية لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وتعزيز التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة، إلى جانب حماية النظم البيئية الطبيعية التي تمثل خط الدفاع الأول في امتصاص الكربون.
كما شددت على أهمية تطوير أنظمة مراقبة دقيقة لرصد مؤشرات التحول المناخي، بما يتيح لصناع القرار تبني سياسات بيئية فعالة قادرة على الحد من المخاطر المتصاعدة وضمان استقرار المناخ للأجيال القادمة.
