السويداء والحكم الذاتي: استجابة مؤقتة أم انفصال نهائي عن دمشق
في تطور لافت يعكس التحولات السياسية في سوريا، أطلقت فعاليات درزية في محافظة السويداء إعلاناً يدعو إلى "تأسيس الإدارة الذاتية لإقليم جبل العرب"، معتبرةً ذلك "خطوة ثورية لاستعادة القرار المحلي"، وتأتي هذه الخطوة وسط مشهد إقليمي معقد، يسعى فيه الفاعلون المحليون للاستفادة من المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، ما يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل النظام الإداري والسياسي في سوريا.
وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أنه:"قد تكون الاندفاعة نحو المطالبة بالحكم الذاتي مشروعة بعد التدخل الأخير للقوات الحكومية في المحافظة، وما رافقه من عنف واستهداف على الهوية، لكنها اندفاعة ظرفية تعبر عن ردة فعل غاضبة أكثر منها رغبة في إنشاء حكم ذاتي منعزل كليا عن الدولة السورية في غياب شروط الحكم الذاتي للمحافظة".
وإذا تمت مقارنة السويداء بالمناطق الكردية، فإن الوضع يختلف كليا بشأن الحكم الذاتي. وإذا كان الأكراد يقدرون على تشكيل حكم ذاتي ولو بصعوبة، فإن الدروز لا يقدرون على ذلك لغياب مقومات الحكم الذاتي.
واضاف التقرير:"يمتلك الأكراد النفط والمياه ولديهم خبرات في الحكم الذاتي تشكلت منذ ما قبل ثورة 2011، ويجدون دعما خارجيا متعددا من أكراد العراق وأكراد تركيا ومن الولايات المتحدة وفرنسا، فإن الدروز لا يمتلكون قدرات ذات قيمة تمكن الإقليم من الاعتماد على الذات لتأمين الرواتب والخدمات والأمن ولا يمتلكون مسارب للحصول على الدعم الخارجي الفعلي ولا العمق الإقليمي باستثناء دعم إسرائيلي مؤقت ولحسابات ظرفية يمكن أن تختفي لو قبل نظام الرئيس أحمد الشرع بخيار التطبيع وبناء علاقات وثيقة مع تل أبيب".
ويعتقد المراقبون أن:"الحكم الذاتي لا يمكن أن يتم بناؤه على معطيات الدعم الخارجي لأن هذا الدعم يمكن أن يتغير في أيّ وقت. كما لا يمكن أن يركز على جانب البعد العسكري والأمني بتكوين مجموعات مقاتلة ومدربة، فهذه تفيد في صد التدخلات الخارجية بما في ذلك الحكومية ومسلحي العشائر، لكنها لا تكفي لتمكين السكان من ظروف العيش حتى وإن كانوا يتحمسون لخيار الحكم الذاتي".
ورغم أن المحافظة تعتمد على الزراعات التقليدية ويمكن أن توفر الاكتفاء الذاتي، لكن المعطى الجغرافي يجعلها تحت رحمة العشائر المحيطة بها، وهو ما عكسته الأزمة الأخيرة، حين قطع مسلحو العشائر وصول المساعدات عن المحافظة ما خلق وضعا إنسانيا صعبا لم يتم تداركه سوى بعد الاتفاق الذي جرى برعاية أميركية وتركية.
ويرفض المقاتلون التابعون للمحافظة دخول المساعدات الآتية من مناطق سيطرة الحكومة، في مؤشر على رفض التعامل مع النظام في دمشق، وتأسيس قطيعة فعلية تمهد لإعلان الحكم الذاتي.
وقال مسؤول حكومي سوري، الأحد، إن:"حكمت الهجري، أحد مشايخ الدروز في محافظة السويداء يطالب بـ"منطقة حكم ذاتي".
وأفاد أن، الهجري في السويداء منع كافة الفرق الخدمية التابعة لدمشق من دخول المدينة.
وإذا كانت فكرة الحكم الذاتي تجد رواجا كبيرا لدى النشطاء الدروز ودعما من الأكراد والعلويين ضمن مسار إضعاف النظام الجديد، إلا أنها قد تخلق أزمة مستقبلية لأبناء الطائفة، وهو ما سبق أن أشار إليه الزعيم الدرزي في لبنان وليد جنبلاط حين قال إن:"أحداث محافظة السويداء بدأت عندما دعا البعض إلى الحكم المحلي، ما تسبب في تفاقم الأوضاع الأمنية، ودفع الحكومة السورية إلى إرسال قوات الأمن إلى المحافظة.".
وقال جنبلاط إن:"الهجري، حاول أن يستفرد بالقرار في السويداء".
كما حذر الزعيم الدرزي اللبناني من أن إسرائيل تسعى، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى تفتيت دول المنطقة.
ودخلت قافلة مساعدات جديدة إلى محافظة السويداء في جنوب سوريا ،الاثنين، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من أن:"المنطقة تعاني من وضع إنساني صعب وشح في المواد الرئيسية بُعيد أعمال عنف دامية".
وأفاد التلفزيون السوري الرسمي عن وصول القافلة، وهي الثالثة من نوعها، إلى المحافظة، وبثّ صورا لعبور الشاحنات التي تحمل شعار الهلال الأحمر السوري إلى المحافظة.
وتتألف القافلة، وفق وكالة الأنباء الرسمية السورية "سانا، من 27 شاحنة تحوي 200 طن من الدقيق، و2000 سلة إيواء، و1000 سلة غذائية، ومواد طبية وغذائية متنوعة. وذلك بتعاون بين المنظمات الدولية والحكومة السورية والمجتمع المحلي.
وشهدت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية بدءا من 13 يوليو ولمدة أسبوع اشتباكات اندلعت بين مسلحين من البدو ومقاتلين دروز، قبل أن تتوسع مع تدخل القوات الحكومية ومسلحي العشائر إلى جانب البدو.
وأسفرت الاشتباكات عن مقتل أكثر من "1400" شخص، الجزء الأكبر منهم دروز، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، قبل أن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
ورغم صمود وقف إطلاق النار إلى حد كبير، قال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في تقرير الاثنين إن:"الوضع الإنساني في المحافظة لا يزال حرجا في ظل حالة عدم الاستقرار المستمرة والأعمال العدائية المتقطعة".
ولفت التقرير إلى أن:"الوصول الإنساني إلى السويداء ما زال مقيدا بشدة بسبب الحواجز الأمنية وانعدام الأمان وغيرها من العراقيل، ما يحدّ من القدرة على تقييم الاحتياجات وإيصال المساعدات الأساسية المنقذة للحياة".
وأدّت أعمال العنف إلى نزوح "176" ألف شخص من منازلهم، وفق المصدر ذاته.
وأسفرت الاشتباكات عن انقطاع خدمات الماء والكهرباء، عدا عن الشح في المواد الغذائية والأدوية والمحروقات. وقال شهود عيان في السويداء إن السكان يقفون في طوابير طويلة أمام الأفران التي ما زالت تفتح أبوابها للحصول على الخبز.
وأفادت منصة "السويداء 24" الإخبارية المحلية أن:"الاحتياجات الإنسانية في محافظة السويداء فائقة، وتحتاج أضعافا مضاعفة من هذه القوافل، نتيجة الكارثة الإنسانية التي حلت بالمحافظة وطالت مدينة السويداء و36 قرية تعرضت لأضرار كلية أو جزئية".
