الصحافة العربية: شريان مياه تركي ينعش أراضي عراقية مهددة بالعطش
جاء إعلان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، عن موافقة تركيا على زيادة منسوب مياه نهري دجلة والفرات المتجهة إلى العراق ليشكل بارقة أمل لسكان مناطق عراقية كانت على وشك مواجهة أزمة عطش حادة خلال صيف جاف وقاسي، أعقب أشهرًا من الجفاف وقلة الأمطار.
وذكر تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع" أنه:"لم يكن من الصدفة أن يعلن السوداني ذلك من محافظة البصرة، إحدى أكثر مناطق العراق تضرّرا من أزمة المياه وظاهرة الملوحة والتلوث البيئي الذي يطال أيضا الروافد والمخزونات المائية المتناقصة".
وقال رئيس الوزراء في تصريح صحفي أدلى به خلال زيارته للبصرة “حصلت موافقة الحكومة التركية من خلال الرئيس رجب طيب أردوغان على إطلاق حصة مائية تصل بحدود 320 مترا مكعبا في الثانية إلى سد الموصل، و350 مترا مكعبا في الثانية من خلال حدودنا مع سوريا،” معربا عن أمله في “أن تسهم كمية المياه الواصلة إلى العراق في معالجة شحة المياه في عمودي دجلة والفرات.”
ولا يمثّل القرار التركي سوى حلّ ظرفي لأزمة المياه المهدّدة لمختلف مظاهر الحياة في العراق من اقتصادية واجتماعية، وحتى سياسية وأمنية في حال واصلت على نفس الوتيرة من التعقيد والتفاقم.
ويتميّز مزاج تركيا إزاء العراق في الفترة الراهنة بحالة من الإيجابية مصدرها المصالح الكبيرة التي تؤمنها لأنقرة علاقاتها الجيدة مع بغداد، وعلى رأسها المصلحة الأمنية المتمثّلة في الدعم الذي باتت تركيا تحظى به من قبل العراق في المواجهة ضدّ حزب العمال الكردستاني بشكل بات يهدّد الحزب بخسارة ملاذاته داخل الأراضي العراقية ما دفعه إلى الدخول في مسار سلمي يشمل نزع سلاحه وتخليه عن العمل المسلح ضدّ القوات التركية.
ومثّل قرار زيادة إطلاقات مياه دجلة والفرات هدية للسوداني في مرحلة المسير نحو الانتخابات البرلمانية المقررة في بلاده لشهر نوفمبر القادم، وهي مرحلة تتميز عادة بحساسية عالية لمزاج الجمهور الانتخابي ومطالباته والتي من ضمنها توفير الخدمات من كهرباء وماء وغيرهما.
وتجد أنقرة مصلحة في تشجيع السوداني وحكومته على المضي في التعاون الأمني معها لاستكمال حسم ملف حزب العمال، وكذلك في التعاون الاقتصادي الذي أصبح مشروع طريق التنمية المشترك المزمع مده من أقصى جنوب العراق إلى الحدود مع تركيا وصولا إلى ضفة البحر المتوسّط، عنوانا بارزا له.
وقال السوداني في تصريح إنّ :"حكومته باشرت إجراءات مواجهة شحة المياه بدءا من الحلول الدبلوماسية مع دول الجوار، وبالخصوص مع دولة تركيا من خلال الاتصالات التي جرت خلال الفترة الماضية".
وفي السياق ذاته أعلن الأربعاء عن تلقي رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني اتصالا هاتفيا من رئيس مجلس الأمة التركي نعمان قورتولموش أخبره من خلاله ببدء إطلاق أولى الدفعات المائية الإضافية لنهري دجلة والفرات.
وقال مكتب المشهداني في بيان:"إن هذه الخطوة تأتي في إطار تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال اللقاء الذي جمع المشهداني بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث تم التفاهم على زيادة الإطلاقات المائية لتبلغ 420 مترا مكعبا في الثانية".
وأعرب المشهداني بحسب البيان ذاته عن شكره لأردوغان ولرئيس مجلس الأمة التركي “على سرعة الاستجابة”، واصفا تركيا بالجار المهم ومثنيا على “آفاق التعاون بين البلدين والتي تنبئ بمزيد من فرص التنسيق المشترك لما فيه مصلحة الشعبين.”
وتعاني غالبية مناطق البصرة، على غرار مناطق عراقية كثيرة، منذ أشهر من نقص شديد في مياه الشرب الأمر الذي أجبر الأهالي على الوقوف في طوابير طويلة للحصول على المياه التي توزعها عليهم السلطات.
وعلى هذه الخلفية مثلت أزمة المياه البند الرئيسي لزيارة السوداني إلى المحافظة،حيث عقد الأربعاء اجتماعا موسعا في ديوان المحافظة لمتابعة الإجراءات الخاصة بمعالجة الأزمة.
وتمّ خلال الاجتماع استعراض التحديات الناجمة عن شح المياه، والمعالجات المطلوبة لظاهرة زيادة نسب الملوحة المؤثرة سلبا على مستوى تأمين مياه الشرب للسكان.
وأكّد رئيس الوزراء مجددّا أن “مشكلة شح المياه مزمنة تتجدد في كل موسم نواجه فيه قلة مياه الأمطار، ما يؤثر على حجم الخزين المائي وحجم الإطلاقات من الحصص المائية، وبشكل أساسي من الجارة تركيا،” معتبرا أن “المعالجة لا تقتصر على إجراءات آنية، ويجب التعاون لمواجهة الأزمة والعمل بروح الفريق الواحد،” ومشددا على وجوب “اتخاذ إجراءات حازمة بحق المتجاوزين على الحصص المائية، وعلى ضفاف الأنهر.”
كما ذكّر بأن حكومته “وقّعت اتفاقا إستراتيجيا مع تركيا بشأن إدارة الثروة المائية، باعتبار أنّ تسعين في المئة من مصادر المياه للعراق تعتمد على الجانب التركي، وينص الاتّفاق على نقل أسلوب إدارة المياه الى العراق من خلال التجربة الناجحة لتركيا في تنفيذ مشاريع السدود ومحطات المياه.”
ويعاني العراق منذ سنوات من انخفاض متواصل في كميات المياه الواردة عبر نهري دجلة والفرات، اللذين يعتمد عليهما وعلى روافد أخرى أقل أهمية تنبع جميعها من تركيا وإيران في تأمين المياه بشكل أساسي.
وبدأ العراق بمواجهة معضلة شحّ المياه، مع مضاعفة البلدين المذكورين لاستغلال الثروة المائية وتعبئتها في السدود، وأكبرها سدّ أليسو الذي أقامته تركيا في المنطقة التي تحمل الإسم نفسه على الحدود بين محافظتي ماردين وشرناق.
وتعرقل مشكلة شحّ المياه تحقيق طموحات البلد للاستقرار وتحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما لا يمكن أن يتمّ في ظلّ ندرة المياه الضرورية للزراعة والصناعة.
