العراق... القوى الكردية على صفيح ساخن قبل انتخاب رئيس الجمهورية
يواجه العراق اختباراً سياسياً جديداً مع اقتراب موعد انتخاب رئيس الجمهورية، في ظل تصاعد الخلافات داخل البيت الكردي، الذي جرى العرف السياسي على أن يكون هذا المنصب من حصته منذ عام 2003.
ومع أن باب الترشيح قد فُتح رسمياً، إلا أن المشهد البرلماني المعقد والانقسامات الكردية العميقة يجعلان من حسم هذا الاستحقاق أمراً بالغ الصعوبة، ما لم تتوافر تسوية سياسية شاملة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
وتشير القراءة البرلمانية إلى أن:"انتخاب رئيس الجمهورية لا يرتبط بمجرد طرح أسماء أو فتح باب الترشح، بل يتطلب قدرة حقيقية على بناء توافقات عابرة للتحالفات، خاصة أن الدستور العراقي يشترط حصول المرشح على أغلبية الثلثين، أي 220 صوتاً من أصل 329 نائباً. هذا الشرط الدستوري الصارم جعل الخلافات السياسية عاملاً حاسماً في تعطيل الجلسات أو تأجيلها، وأبقى المنصب الرئاسي في دائرة التجاذب المفتوح".
وكان مجلس النواب العراقي قد أعلن، الخميس الماضي، بدء استقبال طلبات الترشح لمنصب رئيس الجمهورية.
ووفقاً للقانون، يشترط في المرشح أن يكون عراقياً بالولادة ومن أبوين عراقيين، كامل الأهلية، قد أتم الأربعين من عمره، ويتمتع بسمعة حسنة وخبرة سياسية، ومن المشهود له بالنزاهة والاستقامة، وحاصلاً على شهادة جامعية أولية معترف بها رسمياً، وغير مدان بجريمة مخلة بالشرف، ولا يخضع لإجراءات المساءلة والعدالة أو ما يماثلها.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر سياسية كردية مطلعة أن:"الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البارزاني، يعقد اجتماعاً مهماً اليوم السبت لحسم موقفه من ملف رئاسة الجمهورية".
وأوضحت المصادر أن:"الحزب يدرس ترشيح عدة أسماء بارزة، من بينها فاضل ميراني، فؤاد حسين، وريبر أحمد، متوقعة أن يخرج الاجتماع بقرار نهائي حول المرشح الذي سيمثله".
وفي المقابل، يعقد الاتحاد الوطني الكردستاني، برئاسة بافل طالباني، اجتماعاً مماثلاً في اليوم ذاته، بهدف تقليص قائمة مرشحيه واختيار اسم واحد من بين أربعة مطروحين، هم نزار آميدي، آسو فريدون، عبد اللطيف رشيد، وخالد شواني.
ويسعى الحزب، بحسب المصادر، إلى توحيد موقفه الداخلي قبل الدخول في أي مفاوضات أوسع.
وأكدت المصادر أن:"الخطوة التالية بعد اجتماعات الحزبين ستكون عقد لقاء مشترك بين قيادتيهما، في محاولة للتوصل إلى اتفاق يقضي بتقديم مرشح كردي واحد إلى مجلس النواب، يمثل الموقف الكردي الموحد".
وشددت على أن، جميع الأطراف تدرك أن تمرير أي مرشح دون إجماع كردي سيكون شبه مستحيل في ظل المعادلة البرلمانية الحالية.
وفي تطور لافت، دخل الاتحاد الإسلامي الكردستاني على خط المنافسة، معلناً عزمه ترشيح النائب السابق مثنى أمين لمنصب رئيس الجمهورية، مع انخراطه في اتصالات جانبية مع قوى سياسية في بغداد وإقليم كردستان، سعياً لتوسيع قاعدة الدعم.
من جهته، قال عضو الاتحاد الوطني الكردستاني غياث السورجي إن:"الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير هذا الاستحقاق".
وأوضح أن:"هناك توجهاً واضحاً داخل القوى الكردية للتوصل إلى توافق حول مرشح واحد، باعتباره خطوة ضرورية لتعزيز وحدة الصف الكردي في بغداد".
وأضاف أن، اجتماعات مكثفة تُعقد في أربيل والسليمانية لمناقشة اسم المرشح وآلية تقديمه رسمياً، مع استمرار التواصل مع مختلف الأحزاب الكردية للوصول إلى صيغة نهائية، مؤكداً في الوقت نفسه أن حزبه يرى المنصب استحقاقاً سياسياً للاتحاد الوطني الكردستاني.
في المقابل، رأى المحلل السياسي أحمد الأنصاري أن:"فرص الحسم ما تزال محدودة، في ظل احتدام غير مسبوق في الصراع داخل المكونات الكردية".
واعتبر أن:"منصب رئاسة الجمهورية تحول إلى ساحة مواجهة سياسية داخلية"، مشيراً إلى أن:"أي مرشح لا يحظى بدعم كامل من القوى الكردية سيصطدم بعقبة الثلثين داخل البرلمان، ما يفتح الباب أمام مأزق دستوري محتمل".
وأضاف الأنصاري أن:"التركيز الحالي ينصب على بناء تحالفات قوية داخل مجلس النواب"، لافتاً إلى أن الطرف الذي سينجح في فرض مرشح توافقي سيحصل على أوراق تفاوضية مهمة في المراحل اللاحقة، لا سيما في ما يتعلق بتشكيل الحكومة والصفقات السياسية المصاحبة.
ورجح استمرار المشاورات حتى اللحظات الأخيرة، في محاولة لتفادي صدام سياسي قد يؤدي إلى شلل العملية السياسية.
ويأتي هذا الاستحقاق بعد أن نجح البرلمان العراقي، مطلع الأسبوع الجاري، في انتخاب رئيسه الجديد، ليدخل بعدها في المرحلة الدستورية الثانية المتمثلة بانتخاب رئيس الجمهورية، وهو منصب فخري في نظام سياسي تتركز فيه السلطات التنفيذية بيد رئيس الوزراء. وعلى الرغم من الطابع البروتوكولي للمنصب، إلا أن الصراع عليه يعكس عمق الخلافات السياسية، خصوصاً داخل الساحة الكردية.
وتتركز هذه الخلافات بشكل أساسي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني المسيطر على أربيل، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يدير السليمانية. ووفق الدستور، تبدأ عملية تشكيل الحكومة بعد مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات، ثم عقد الجلسة الأولى للبرلمان، وانتخاب رئاسته، يلي ذلك فتح باب الترشيح لرئاسة الجمهورية، على أن يتم انتخاب الرئيس خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً.
وبعد انتخاب رئيس الجمهورية، يكلف الرئيس مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة، على أن يقدم برنامجه الوزاري خلال 30 يوماً لنيل ثقة البرلمان، لتبدأ بعدها الحكومة ممارسة صلاحياتها الدستورية الكاملة، فيما يباشر مجلس النواب دوره التشريعي والرقابي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى استحقاق رئاسة الجمهورية معلقاً على قدرة القوى الكردية على تجاوز خلافاتها الداخلية وتقديم مرشح توافقي، وسط ترقب سياسي واسع لما ستسفر عنه الأيام القليلة المقبلة، التي قد تحدد ليس فقط اسم الرئيس المقبل، بل أيضاً ملامح المرحلة السياسية القادمة في العراق.
المصدر: موقع العربي الجديد + المطلع.
كلمات مفتاحية
- العراق
- بغداد
- رئاسة الجمهورية في العراق
- الشارع العراقي
- تقارير عربية ودولية
- البيت الكردي بالعراق
- مجلس النواب العراقي
