العراق تحت وطأة الجفاف: أكثر من مليون دونم من البساتين بخطر
يشهد العراق أزمة مائية غير مسبوقة تهدد مستقبله الزراعي والبيئي، لتدخل البلاد مرحلة حرجة تهدد سكانها ومواردها الطبيعية، ومع انخفاض كميات المياه الواردة من إيران وتركيا، وتصاعد آثار الجفاف وتغير المناخ، باتت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خصوصًا البساتين المثمرة، على شفا الانهيار، ما يضع الأمن الغذائي والمعيشي أمام تحديات جسيمة لم تعرفها البلاد منذ عقود.
وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، أنه:"تتصدر أزمة المياه جدول الاهتمام السياسي في العراق بعد سنوات من الإهمال، حيث عكست التحركات الأخيرة للحكومة والأحزاب السياسية حجم الخطر المحدق بالمجتمع العراقي في مختلف مناطقه، بما في ذلك مدن إقليم كردستان شمالي البلاد".
فقد حذر رئيس التيار الصدري، مقتدى الصدر، من نفاد المخزون المائي، داعياً الحكومة إلى فتح باب الحوار مع تركيا لزيادة الإطلاقات المائية، في ظل شح مياه الأمطار وانحسار الأنهار.
وللمرة الأولى، أبدى تحالف "الإطار التنسيقي" اهتمامًا بالأزمة، وهو التحالف الذي يضم الكيانات السياسية الشيعية وممثلي الفصائل المسلحة في الحكومة، مؤكدًا على ضرورة زيادة الإطلاقات المائية وفق الاتفاقيات الدولية.
ويشير هذا التحرك السياسي إلى حجم المخاطر التي يواجهها العراق، الذي يمتلك نهرَي دجلة والفرات وعدداً من الروافد والبحيرات، إلا أن شح المياه أصاب البلاد بأكملها، ودفعت هذه الأزمة عشرات الآلاف من العائلات إلى النزوح من مناطق البساتين والأهوار والحقول إلى مراكز المدن، بعد نفوق الماشية وفقدان وسائل الرزق.
وكشف مرصد "العراق الأخضر"، المتخصص بشؤون المياه والبيئة، انخفاض منسوب المخزون المائي الحالي إلى 4% من الإجمالي الكلي بعد أن كان 8%، واصفًا الوضع بـ "الأشد خطورة" منذ سنوات.
ولفت المرصد إلى أن:"هذا الانخفاض قد يؤدي إلى نقص مياه الشرب حتى في العاصمة بغداد، بعد أن ضربت الأزمة المحافظات الجنوبية، وخصوصًا البصرة وذي قار، ما تسبب في احتجاجات شعبية نتيجة شح مياه الشرب وتأثر سبل العيش".
ومن جانبها، طالبت الحكومة العراقية تركيا بزيادة الإطلاقات المائية من نهري دجلة والفرات خلال شهري أكتوبر ونوفمبر بمقدار مليار متر مكعب لكل شهر، في محاولة لإنقاذ الوضع المتدهور، إلا أن المسؤولين العراقيين أقروا بأن الواردات الأخيرة لم تكن على مستوى الطموح، متوقعين رفض تركيا تلبية كامل الطلبات لمرورها بأزمة مائية مشابهة.
وأكد عضو لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي، ثائر الجبوري في تصريح، أن:"الاهتمام السياسي المكثف جاء متأخرًا، لكنه يعكس إدراك الجهات المعنية لخطورة الوضع"، مضيفًا أن:"أكثر من مليون دونم من البساتين المثمرة باتت مهددة، وأن استمرار الأزمة دون اتفاقات واضحة مع تركيا قد يقود العراق إلى كارثة بيئية وزراعية حقيقية".
ومن جهته، أشار الناشط البيئي حميد العراقي إلى أن:"الأزمة تجمع بين شح المياه الواردة من الدول المجاورة وسوء الإدارة الداخلية للموارد المائية"، مؤكدًا أن:"الخطر يطال جميع المدن العراقية، بما فيها إقليم كردستان، وأن الخطط الحكومية لإدارة المخزون المائي لم تحقق النتائج المرجوة، وهو ما يهدد بانقطاع مياه الشرب في المحافظات الجنوبية والوسطى خلال الصيف المقبل".
ويذكر أن:"العراق يعاني من أزمة جفاف حادة نتيجة تراجع مستويات نهري دجلة والفرات إلى مستويات قياسية، بعد بناء تركيا لسدود ضخمة على مجرى الفرات، وتغيير إيران لمجرى عدد من روافد نهر دجلة".
وفي الوقت الذي تقول فيه تركيا وإيران إنهما تعانيان أيضًا من شح الأمطار، تصر بغداد على ما تسميه "تقاسم الضرر" والالتزام بحصة ثابتة من المياه، معتبرة أن الأمن المائي أصبح قضية مصيرية تتطلب تدخلًا عاجلًا على كافة المستويات.
وأمام هذا الواقع، يبدو العراق على مفترق طرق حرج، بين تصاعد الجفاف وفقدان البساتين والمزارع، وبين إمكانية الوصول إلى حلول حقيقية عبر التعاون الإقليمي والإدارة الفاعلة للموارد المائية. الأزمة الحالية ليست مجرد تحدٍ بيئي، بل تهديد وجودي يطال حياة الملايين، ويستلزم تحركًا عاجلًا وحكيمًا قبل أن يتحول شح المياه إلى كارثة لا تعوض.
