العراق يدخل عصر الذكاء الاصطناعي في الطاقة وسط تحولات عالمية متسارعة
في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة العالمي تحولات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، يبرز العراق كأحد الدول التي بدأت توظيف هذه التقنيات المتقدمة لتعزيز أمن الطاقة، وحماية البنية التحتية النفطية، ورفع كفاءة التشغيل، بالتوازي مع موجة عالمية واسعة تشمل الصيانة الاستباقية، والأمن السيبراني، وتحسين الإنتاج، وإدارة الطلب على الكهرباء. ويأتي هذا التوجه العراقي ضمن سياق دولي تشير فيه تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب المتزايد من مراكز البيانات قد يرفع حصة الذكاء الاصطناعي من استهلاك الكهرباء عالميًا إلى 3% بحلول عام 2030، بما يعادل 945 تيراواط/ساعة.
الذكاء الاصطناعي محرّك الكفاءة في قطاع الطاقة العالمي
وقالت مواقع متخصصة بالطاقة، ومواقع اقتصادية، في تقارير متعددة، تابعتها المطلع، وصاغتها في هذا التقرير، أن تأثير الذكاء الاصطناعي بات في قطاع الطاقة خلال عام 2025 محوريًا لكل من شركات الطاقة التقليدية والمتجددة، إذ أتاح أتمتة العمليات الحيوية، وتقليل الهدر، وتحسين الأداء، وخفض التكاليف التشغيلية.
وعلى الرغم من اعتماد هذا القطاع على الأتمتة منذ عقود، فإن التطورات الأخيرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي مكّنت الشركات من بلوغ مستويات غير مسبوقة من الكفاءة والربحية، وفق ما أظهره ملف الحصاد السنوي لعام 2025 الصادر عن وحدة أبحاث الطاقة في واشنطن.
الصيانة الاستباقية: من الأعطال المفاجئة إلى التنبؤ الذكي
تُعد الصيانة الاستباقية من أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، لا سيما في الشركات التي تعتمد على معدات معقّدة مثل التوربينات، والمحولات، وخطوط الأنابيب.
فبعد أن كانت الأعطال المفاجئة تمثل خسائر كبيرة، أصبحت نماذج التعلم الآلي قادرة على تحليل بيانات أجهزة الاستشعار، وتقلبات الحرارة، والسجلات التاريخية، مدعومة بتقنيات الرؤية الحاسوبية التي تكشف الشقوق والتآكل والأضرار الهيكلية تلقائيًا، ما يقلل الأعطال ويطيل عمر الأصول ويحسّن بيئة العمل.
وتبرز شركة شنايدر إلكتريك مثالًا على ذلك، إذ أسهمت حلولها الذكية في خفض أوقات توقف المعدات بنسبة تصل إلى 30%، وتقليص تكاليف الصيانة بنحو 40%، مع تعزيز السلامة والاستدامة البيئية.
الأمن السيبراني: خط الدفاع الأول لشركات الطاقة
مع توسّع الرقمنة، أصبح الأمن السيبراني عنصرًا حاسمًا في حماية شبكات الطاقة من هجمات الفدية وسرقة البيانات.
وتمكّن خوارزميات التعلم الآلي والتعلم العميق الشركات من مراقبة الشبكات واكتشاف الأنماط المشبوهة لحظيًا. وتُظهر تجربة شركة “ديوك إنرجي” الأميركية كيف يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي رصد التهديدات وإطلاق استجابات فورية تحدّ من المخاطر.
الأتمتة وخدمة العملاء: إدارة ذكية للعمليات
في عام 2025، أصبحت المساعدات الافتراضية والأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من إدارة خدمات العملاء والعمليات الداخلية، مع تسريع معالجة الفواتير وتوفير تحديثات فورية عن استهلاك الطاقة. وأسهم التعرف الضوئي على الحروف في تحويل الوثائق إلى بيانات دقيقة منخفضة الأخطاء، فيما تعتمد شركة “إي دي إف إنرجي” على روبوتات دردشة ذكية لتحسين التواصل مع العملاء.
سلاسل التوريد وتحسين المسارات
يدعم الذكاء الاصطناعي إدارة سلاسل التوريد عبر تنظيم فرق العمل وتنسيق الموارد، كما في تجربة جنرال إلكتريك التي خفضت تكاليف المخزون بنحو 20%.
وتُسهم أنظمة تحسين المسارات الذكية في خفض الانبعاثات الكربونية عبر تخطيط أكثر كفاءة للأساطيل.
الطاقة المتجددة: تعزيز الموثوقية والإنتاج
عملت غوغل بالتعاون مع “ديب مايند” على تحسين موثوقية طاقة الرياح عبر التنبؤ بالإنتاج قبل 36 ساعة، ما زاد من قيمة طاقة الرياح بنحو 20%.
كما تعتمد شركات مثل “نيكست إنرجي” على الذكاء الاصطناعي لضبط زوايا الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، محققة خفضًا كبيرًا في التكاليف والأعطال.
كشف التسربات وحماية البنية التحتية
من أبرز التطبيقات في 2025 استخدام الرؤية الحاسوبية بالأشعة تحت الحمراء لكشف تسربات خطوط الأنابيب.
وتعكس تجربة إكسون موبيل كيف يمكن للذكاء الاصطناعي مراقبة البنية التحتية بدقة، عبر دمج أجهزة استشعار الألياف الضوئية مع تحليل البيانات التاريخية للتنبؤ بالمخاطر.
الطائرات المسيّرة والعمليات الميدانية الذكية
اعتمدت شركات الطاقة على طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمراقبة المنشآت في المناطق النائية، حيث تنفذ عمليات مسح حراري وبصري للبنية التحتية، وتساعد في ترتيب أولويات الصيانة وتقليل المخاطر البشرية.
التنبؤ بالطلب وإدارة الأحمال
أصبح التنبؤ بالطلب على الكهرباء أحد أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، عبر تحليل بيانات الاستهلاك والطقس ونشاط الشبكة لحظيًا، ما يتيح تحقيق توازن أدق بين العرض والطلب، وتقليل الهدر وتجنب أزمات العجز أو فائض الإنتاج.
الذكاء الاصطناعي ومعركة خفض الانبعاثات
دخل الذكاء الاصطناعي بقوة في تتبع الانبعاثات الكربونية، من خلال أجهزة استشعار ونماذج رؤية حاسوبية توفر بيانات دقيقة للامتثال التنظيمي، وتحسين حلول التخزين، وتعزيز ثقة المستثمرين.
العراق: الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتعزيز أمن النفط
في هذا المشهد العالمي، برز العراق خلال عام 2025 كحالة لافتة عبر إدخال الروبوتات المتطورة في صناعة النفط. فقد نجحت شركة نفط الوسط، بالتعاون مع شركة “إي بي إس” الصينية، في توظيف روبوتات قادرة على فحص خطوط الأنابيب من الداخل، وتحديد مواقع التآكل، وتنظيف الخطوط، وقياس سماكة الطلاء، والتحقق من العزل الكهربائي، ما يقلل الأعطال المفاجئة ويطيل العمر التشغيلي للبنية التحتية النفطية.
شراكات عراقية لتطوير الطاقة الذكية
وفي إطار سعيه لتعزيز البنية التحتية لقطاع الطاقة، وقّع العراق اتفاقية مع مجموعة “زياد خلف” الإماراتية وشركة “إيسياسوفت” المتخصصة في التقنيات الذكية، لتطوير مشروعات في الطاقة الشمسية، والشبكات الذكية، وتخزين الكهرباء، مع دمج خبرات السوق العراقية بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز الكفاءة التشغيلية والاستدامة.
تجارب عربية موازية: الإمارات ومصر والبحرين والأردن
على مستوى المنطقة، تبرز “أدنوك” كنموذج رائد في خفض الانبعاثات، فيما تستفيد مصر من الذكاء الاصطناعي لتعزيز إنتاج الحقول المتقادمة، وتعمل البحرين عبر شراكات مع “إس إل بي” على رقمنة قطاع النفط، بينما يراهن الأردن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة تحديات تغير المناخ وضمان الأمن الغذائي.
خلاصة
يعكس دخول العراق مجال الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة تحولًا استراتيجيًا يواكب الاتجاهات العالمية، ويضع البلاد على مسار تعزيز أمن الطاقة، وحماية البنية التحتية، ورفع الكفاءة التشغيلية، في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي عنصرًا حاسمًا في رسم مستقبل الطاقة عالميًا.
