المال السياسي يهيمن على الانتخابات العراقية ويهدد نزاهة العملية الديمقراطية
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقرّر إجراؤها في 11 نوفمبر 2025، تبرز أسئلة جوهرية حول مصادر التمويل الضخمة للحملات الانتخابية وأثرها على نزاهة العملية الديمقراطية في البلاد.
إذ تؤكد غالبية الأحزاب العراقية أن الأموال المستخدمة في الدعاية الانتخابية تأتي من متبرعين ناشطين في مجالات التجارة والاستثمار، وليس من خزائن الأحزاب نفسها، ما يفتح الباب أمام التساؤلات حول العلاقة بين المال والسياسة في العراق، بحسب تقرير لصحيفة العربي الجديد، وتابعته المطلع.
تبرعات رجال الأعمال: دعم أم شراء نفوذ؟
في مقابلات إعلامية، أكد السياسي والمرشح محمد الكربولي، أن "أموال دعاية الانتخابات لتحالف العزم جاءت من المتبرعين، وهم أشخاص يؤمنون بالعمل السياسي للتحالف، ويريدون أن يمكّنوا التحالف من الفوز بالانتخابات".
وأضاف أن هؤلاء المتبرعين يسعون للتغيير، مطالبين بعرض صور المرشحين في الشوارع كجزء من الدعاية، وسط غياب برامج سياسية أو اقتصادية واضحة تقدم حلولاً للمواطنين.
بدوره، أوضح بهاء الأعرجي، عضو ائتلاف الإعمار والتنمية، أن "الائتلاف حصل على تبرعات من متبرعين عراقيين متنوعين، مؤمنين بقيادة الحكومة الحالية، وهذه التبرعات قانونية ولا تعكس أي التزامات مستقبلية".
انسحاب الأحزاب الشيعية: رفض المال السياسي
على النقيض، انسحب ائتلاف "النصر" بزعامة حيدر العبادي من المشاركة في الانتخابات، بعد التيار الوطني الشيعي الذي يقوده مقتدى الصدر، احتجاجاً على ما وصفوه بـ"استغلال المال السياسي وعدم وجود ضوابط قانونية تمنع التلاعب وشراء الأصوات".
وأكد الائتلاف أن مصداقيته مرتبطة بسلوكه السياسي وأخلاقياته، وهو ما ينعكس على وزن تأثيره في العملية السياسية.
غياب برامج انتخابية واستفحال المحاصصة
تواجه الانتخابات المقبلة انتقادات واسعة بسبب غياب البرامج الانتخابية الفعلية، إذ يتحوّل السباق السياسي إلى منافسة على المال والصور واللافتات في الشوارع، دون تقديم حلول للأزمات السياسية والخدمية والاقتصادية. ويشير الناشط علي الحجيمي إلى أن "العملية الانتخابية مفرغة من محتواها، فالفائز غالباً من يملك المال، بينما يغيب الإصلاح البنيوي، ما يدفع نحو مقاطعة واسعة تصل إلى 80% من العراقيين".
أوجه تأثير المال السياسي
ويقول الباحث عبد الله الركابي إن "التبرعات التي تتلقاها الأحزاب من التجار والمستثمرين تهدف لدعم الحزب في مرحلة الترشح والانتقال إلى السلطة، ثم تعود بالمقابل بفوائد للمتبرعين على شكل عقود وفرص استثمارية".
ويضيف أن هذا المال يستخدم لشراء الذمم والتحكم بسير العملية الديمقراطية، في حين تتلقى بعض الأحزاب دعماً مالياً من الخارج، من دول قريبة من العراق.
أرقام المنافسة الانتخابية
يتنافس في الانتخابات التشريعية المقبلة أكثر من 300 حزب وكيان سياسي على 329 مقعداً نيابياً، مع السماح لأكثر من 25 مليون ناخب بالمشاركة من أصل 46 مليون مواطن. ويأتي هذا في سياق تاريخي من التجربة الديمقراطية العراقية منذ 2003، التي شهدت خمس عمليات انتخابية كبرى، مع تغييرات متكررة في قوانين الانتخابات بين نظام الدائرة الواحدة والمتعددة، وصولاً إلى تعديل مارس 2023 الذي أعاد اعتماد نظام الدائرة الواحدة لكل محافظة.
الانتخابات بين المال والديمقراطية
في ظل هيمنة المال السياسي على العملية الانتخابية، تواجه الديمقراطية العراقية اختباراً حقيقياً، إذ تتحول الانتخابات إلى سباق للمال أكثر من كونها أداة لتمثيل إرادة الشعب.
ويظل التحدي الأكبر في ضمان نزاهة العملية الانتخابية، وتعزيز الشفافية، وتمكين الناخبين من اختيار ممثليهم بحرية بعيداً عن تأثير المال والأعمال والسياسات المصلحية.
