المطلع
عاجل

post-image

انتقادات "بلقيس شرارة" تشعل الغضب العراقي حول إرث الشاعر "بدر شاكر السياب" + فيديو


01:59 تقارير عربية ودولية
2025-12-28
51105

أثار حديث الكاتبة والروائية بلقيس شرارة عن الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب موجة جدل واسعة داخل الوسط الثقافي العراقي وخارجه، بعد أن تحوّل النقاش من قراءة نقدية للإرث الشعري لأحد أهم رموز الشعر العربي الحديث إلى مادة للسجال الشخصي، والتوصيف الجسدي، والتأويل النفسي، في لقاء إعلامي أثار عاصفة من الاستنكار داخل الوسط الثقافي العراقي وخارجه. 

تصريحات الكاتبة والروائية بلقيس شرارة أعادت فتح جراح قديمة تتعلق بحدود النقد، وأخلاقيات الحديث عن الراحلين، وحق الرموز الثقافية في الحماية من “التنمر المتأخر”، لتتحول القضية إلى اختبار حقيقي لقيم المثقف ودوره في صيانة الذاكرة الوطنية.

وتنشر المطلع ميديا فيديو عن التفاصيل: للمشاهدة اضغط هنا

رواية بلقيس شرارة.. حين يتحوّل السرد إلى اتهام

في لقاء إعلامي تابعته "المطلع"، خرجت الكاتبة والروائية بلقيس شرارة، المولودة في النجف عام 1933، وزوجة المعماري العراقي الراحل رفعت الجادرجي، لتدلي بتصريحات وصفت بـ”المثيرة” عن شخصية الشاعر بدر شاكر السياب، متجاوزة الحديث عن منجزه الأدبي إلى الغوص في تفاصيل شكلية ونفسية في حياته الخاصة.

شرارة تحدثت عن علاقة الشاعر بالشاعرة لميعة عباس عمارة، مشيرة إلى أن قصيدة “ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطار” لم تكن النص الوحيد الذي جمع السياب بلميعة، بل زعمت وجود قصيدة أخرى كتبها في هجائها بعد رفضها خطبته.

وأكدت أن هذا الرفض ترك أثراً نفسياً بالغاً في الشاعر، دفعه – بحسب روايتها – إلى الرد بقصيدة هجائية أثارت اعتراض والدها بسبب تضمّنها كلمة “ثوبك”، ما دفعه للمطالبة بحذفها.

وربطت شرارة هذا السلوك بما وصفته بـ”العوامل الشكلية” في شخصية السياب، متحدثة عن قصر قامته، وضعف بنيته الجسدية، وحجم أُذنيه، معتبرة أن هذه الصفات، التي رأت أنها لا تنتمي إلى “معايير الجمال”، أسهمت في تشكيل شخصية ضعيفة، على النقيض من شخصيات نسوية قوية مثل نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة.

وذهبت شرارة أبعد من ذلك حين وصفت السياب بالعبقري “المحروم”، معتبرة أن حرمانه العاطفي، الناتج عن فقدان والدته في سن مبكرة، جعله يبحث عن صورة الأم في جميع النساء، وأنه كان ينظم الشعر لكل امرأة جميلة يراها، دون أن تكون أياً منهن، بمن فيهن لميعة عباس عمارة، ملهمة حقيقية له.

خطبة لم تكتمل... الدين بوصفه عقدة سردية

ضمن سردها، كشفت بلقيس شرارة عن تفاصيل قالت إنها تتعلق بمحاولة إكمال خطبة السياب من لميعة عباس عمارة، موضحة أن الاختلاف الديني بين الطرفين كان سبباً رئيسياً في عدم إتمام الزواج.

وأشارت إلى أن والدها حاول التدخل لإتمام الخطبة، إلا أن هذا الاختلاف حال دون موافقة عمارة.

بحسب شرارة، لم يتقبل السياب هذا الرفض، فكان رد فعله قاسياً، وانعكس في قصيدة هجائية أثارت استياء والدها، الذي رأى في بعض مفرداتها تجاوزاً أخلاقياً.

هذه الرواية التي قُدمت بعد عقود طويلة من رحيل أطرافها، فجّرت أسئلة واسعة حول موثوقية الذاكرة الفردية، وحدود إعادة سرد العلاقات الشخصية خارج سياقها الزمني والاجتماعي.

ابنة السياب ترد... “تشويه متعمد وإساءة أخلاقية”

ردّ الفعل الأشد جاء من آلاء السياب، ابنة الشاعر الراحل، التي أصدرت بياناً شديد اللهجة استنكرت فيه ما وصفته بـ”الافتراءات” التي أطلقتها بلقيس شرارة.

واعتبرت ابنة السياب أن ما قيل لا يرقى إلى رأي أو قراءة نقدية، بل يمثل إساءة أخلاقية وفكرية وتشويهاً متعمداً لإرث أحد أبرز رموز الشعر العربي الحديث.

وأكدت آلاء السياب أن تصريحات شرارة لا تستند إلى حقيقة، ولا وثيقة، ولا شهادة موثوقة، مشددة على أن الحديث عن حياة والدها وشخصيته جاء في إطار كلام مرسل يفتقر إلى الصدق، ويكشف – بحسب وصفها – عن جهل أو تحامل لا يليق بمن يتصدى للحديث عن الرموز الثقافية.

وأضافت أن والدها لم يكن بحاجة إلى تزكية أحد، وأن مكانته لم تُصنع عبر العلاقات أو الادعاءات، بل عبر الكلمة الصادقة، والموقف الشجاع، والسيرة التي لم تتلوّن.

وذهبت إلى القول إن من يحاول النيل من سمعته اليوم إنما يسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إليه، لأن القامات الحقيقية لا تُمسّ بالأكاذيب، ولا تُهزم بالافتراء بعد الغياب.

وحذّرت من خطورة تحويل الحديث عن الثقافة إلى تصفية حسابات شخصية، معتبرة أن استباحة تاريخ إنسان لا يستطيع الرد تمثل سلوكاً مرفوضاً جملة وتفصيلاً، لما تحمله من إساءة ليس فقط لفرد بعينه، بل لفكرة النزاهة الثقافية نفسها.

حين يغيب النقد وتحضر “أخلاق التنمر”

بالتوازي مع بيان عائلة السياب، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الانتقادات لتصريحات بلقيس شرارة، معتبرة أن ما قيل لا يدخل في إطار النقد الأدبي، بل يندرج ضمن “التنمر العلني” على ملامح شاعر راحل، تحت غطاء زائف من التعاطف.

عدد من المثقفين والمدونين رأوا أن محاكمة المبدع وفق معايير الشكل والجسد تمثل سقطة معرفية تعيد الخطاب الثقافي إلى عصور ما قبل الوعي الإنساني. فالسياب، الذي وُصف بالقبح وضعف الشخصية، هو ذاته الذي منح الشعر العربي الحديث واحدة من أعذب موسيقاه، وجعل من جسده العليل مسرحاً لألم العراق، ومن صوته الشعري مرآة لجوع الفقراء وأنين الأرض.

واعتبر منتقدو شرارة أن “التعاطف” القائم على الشفقة من الشكل هو تعاطف مهين، ينطوي على استعلاء نفسي، لأن التعاطف الحقيقي يكون مع المحنة، والمرض، والظلم الاجتماعي، لا مع ملامح الجسد. فالسياب، بحسبهم، لم يكن بحاجة إلى شفقة، بل كان يمتلك قوة إبداعية مكّنته من كسر قوالب الشعر التقليدي وتأسيس مدرسة جديدة هزت أركان القصيدة العربية.

السياب... سيرة شاعر لا تختصرها الملامح

في خضم هذا الجدل، عاد السؤال الجوهري إلى الواجهة: من هو بدر شاكر السياب؟ والجواب هو شاعر الرافدين، كان صوتًا فريدًا في الشعر العربي الحديث، حيث لم يكن مجرد شاعر بل مرآة لوجع الأرض وصوتًا في وجه الصمت.

نشأ السياب في قرية جيكور في البصرة، حيث تأثر ببيئته الريفية البسيطة، وفقد والدته في سن مبكرة مما جعله يحمل الحنين كأول معلَم له. كان شعره نافذة على الذات، لكنه تجاوز حدودها ليجعل من القصيدة ساحة للصراع بين الحياة والموت والحب والخيانة والوطن والمنفى، مستخدمًا لغة تجمع بين البلاغة التقليدية والحداثة.

السياب لم يسعَ إلى مجد شعري بل كان يبحث عن لغة تشبهه وتشبه العراق، وطنه الذي كان يتأرجح بين المجد والخراب. تأثر في بداياته بالشعر الكلاسيكي لكنه سرعان ما تمرد عليه، ليكون من أوائل من أدخل الشعر الحر إلى العالم العربي. لم يكن المطر في قصائده مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان رمزًا للخلاص والحزن والوعد الذي لم يتحقق، بينما كان الوطن جسدًا مريضًا يَئِنُّ كما يَئنّ هو، فبحث له عن دواء في القصيدة.

في أيامه الأخيرة، لم يمنعه المرض من الكتابة، بل كانت القصيدة وصيته الأخيرة. تنقل بين مشافي بغداد وبيروت وباريس ولندن والكويت بحثًا عن علاج، لكنه ظل يكتب ويستقبل زواره بابتسامة خافتة.

رحل السياب عام 1964 عن عمر يناهز الثامنة والثلاثين، لكنه ترك إرثًا شعريًا حيًا في كل قصيدة تنطق بالحنين وفي كل قطرة مطر تسقط على الأرض، باحثة عن الخلاص، وفي كل بيت شعر يهمس باسم العراق.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

أسود الرافدين بوجه الكويت اليوم في "خليجي 27" وعينهم على الفوز الأول

أسود الرافدين بوجه الكويت اليوم في "خليجي 27" وعينهم على الفوز الأول

2026-09-26 11:23 3478
تباين أسعار الدولار بين بغداد وأربيل

تباين أسعار الدولار بين بغداد وأربيل

2026-09-26 11:04 3579
الخارجية: أبلغنا إيران بحظر طيرانها ونصدر النفط عبر هرمز بالتعاون مع واشنطن

الخارجية: أبلغنا إيران بحظر طيرانها ونصدر النفط عبر هرمز بالتعاون مع واشنطن

2026-09-25 20:24 6563
"المطلع" تنشر نص كلمة رئيس الوزراء أمام اجتماع الجمعية العامة بدورتها الـ81

"المطلع" تنشر نص كلمة رئيس الوزراء أمام اجتماع الجمعية العامة بدورتها الـ81

2026-09-25 17:28 7524
ذكاء "أوبن إيه آي" يخترق موقعاً حكومياً أسترالياً ويثير الفزع

ذكاء "أوبن إيه آي" يخترق موقعاً حكومياً أسترالياً ويثير الفزع

2026-09-25 17:25 6151
مستشار خامنئي محذراً: منع الرحلات الإيرانية سيقابله منع الطيران بدول المنطقة

مستشار خامنئي محذراً: منع الرحلات الإيرانية سيقابله منع الطيران بدول المنطقة

2026-09-25 16:35 7259
تفكيك شبكة إجرامية لسرقة وتهريب النفط الخام في المثنى

تفكيك شبكة إجرامية لسرقة وتهريب النفط الخام في المثنى

2026-09-25 14:10 7013
جدول مواجهات الجولة الثانية من كأس الخليج العربي 27 وترتيب الهدافين

جدول مواجهات الجولة الثانية من كأس الخليج العربي 27 وترتيب الهدافين

2026-09-25 13:21 8665
مطار النجف يعلن إيقاف جميع الرحلات الجوية مع إيران حتى إشعار آخر

مطار النجف يعلن إيقاف جميع الرحلات الجوية مع إيران حتى إشعار آخر

2026-09-25 11:40 14757
الدولار يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية وسط توقعات رفع الفائدة الأميركية

الدولار يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية وسط توقعات رفع الفائدة الأميركية

2026-09-25 11:00 7405
طقس العراق.. تصاعد للغبار وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. تصاعد للغبار وانخفاض في درجات الحرارة

2026-09-25 10:38 14703
ولي عهد الكويت: نشيد بجهود رئيس الوزراء العراقي لحصر السلاح

ولي عهد الكويت: نشيد بجهود رئيس الوزراء العراقي لحصر السلاح

2026-09-24 23:55 9568
فرنسا تعلن نشر قوات وأنظمة دفاعية لحماية منشآت نفطية في السعودية

فرنسا تعلن نشر قوات وأنظمة دفاعية لحماية منشآت نفطية في السعودية

2026-09-24 23:53 9551
أردوغان يؤكد حرص تركيا على تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنمية مع العراق

أردوغان يؤكد حرص تركيا على تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنمية مع العراق

2026-09-24 20:58 9583
رويترز: مفاوضون أمريكيون وإيرانيون يبحثون مسارا مرحليا لإنهاء الحرب

رويترز: مفاوضون أمريكيون وإيرانيون يبحثون مسارا مرحليا لإنهاء الحرب

2026-09-24 20:38 8841
الدولار يعاود الارتفاع ويتجاوز 157 ألفاً في بغداد وأربيل

الدولار يعاود الارتفاع ويتجاوز 157 ألفاً في بغداد وأربيل

2026-09-24 18:01 10437
البرلمان يُصوّت على توصيات تلوث "دجلة" ويُنهي قراءة ومناقشة عدد من القوانين

البرلمان يُصوّت على توصيات تلوث "دجلة" ويُنهي قراءة ومناقشة عدد من القوانين

2026-09-24 17:04 25092
تقرير بريطاني يكشف عن ملامح الشراكة العراقية الأمريكية بعد الانسحاب العسكري

تقرير بريطاني يكشف عن ملامح الشراكة العراقية الأمريكية بعد الانسحاب العسكري

2026-09-24 15:09 11299