بين إرث المالكي وطموح السوداني... السياسة العراقية على حافة التحوّل
في مشهد سياسي مزدحم ومضطرب، يستعد العراق لخوض انتخاباته البرلمانية السادسة وسط تنافس غير مسبوق بين أكثر من سبعة آلاف مرشّح يتنافسون على "329" مقعدًا، في سباق يختلط فيه القديم بالجديد؛ وجوه سياسية مخضرمة منذ عام 2003، وأخرى صاعدة من فضاءات الإعلام الاجتماعي والفنّ والنشاط المجتمعي، بل وحتى وجوه اكتفت بجاذبيتها على الملصقات الانتخابية.
وبحسب تقرير لموقع "الجبال" وتابعته "المطلع"، فإن:"هذا الحشد الكبير من المرشحين لا يعكس بالضرورة ديناميكية ديمقراطية، بقدر ما يكشف عن أزمة عميقة في بنية التمثيل السياسي، وعن نفوذ المال والعشيرة، وقدرة الزعماء التقليديين على إدارة العملية الانتخابية وتمويلها".
فوفق المراقبين الذين استند إليهم التقرير، يسعى هؤلاء الزعماء، في ظلّ القانون الانتخابي الحالي، إلى حصد أكبر عدد من الأصوات للقائمة أكثر من حرصهم على فوز المرشح نفسه داخلها، حتى لو اضطروا إلى استقطاب شخصيات من خارج المجال السياسي، مثل نجوم تطبيقات التواصل الاجتماعي.
ومن الآن يمكن التنبؤ بشكل البرلمان القادم: زعماء معروفون تحيط بهم دوائر من النواب الذين يلتزمون توجيهاتهم.
ويضيف تقرير "الجبال" أن:"البرلمان المقبل لن يكون برلمان تغيير جذري، بل محاولة جديدة لإدارة الأزمات المتفاقمة بالوجوه ذاتها التي ساهمت في نشوئها، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية التي تلوح بوادرها في الأفق".
فعلى الرغم من ارتفاع الإيرادات النفطية خلال العامين الماضيين، إلا أن البنية الاقتصادية الريعية للعراق تجعل اقتصاده هشًّا أمام أي انخفاض في أسعار النفط أو تراجع في الصادرات.
ومع أي هبوط لسعر البرميل دون 70 دولارًا، يواجه العراق خطر عجز مالي واسع، ما يضع الحكومة المقبلة أمام خيارين أحلاهما مرّ: تقليص الإنفاق أو اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي، وكلاهما يهددان الاستقرارين النقدي والاجتماعي.
والأزمة، كما يشير التقرير، لا تكمن في المال فحسب، بل في بنية الدولة التي استبدلت الإنتاج بالتوزيع، فصار المواطن يعتمد على راتب الدولة في حياته اليومية. وأي اختناق في التدفقات المالية يهدد بانهيار هذه المعادلة، فيما تواصل الحكومات المتعاقبة اللجوء إلى حلول ترقيعية قصيرة المدى بدلاً من إصلاحات اقتصادية جذرية.
ويخلص التقرير إلى أن:"من دون فتح الاقتصاد العراقي وبناء سياسات حماية وسلطة قانون قوية تحمي المستثمرين، لن يتمكن النفط وحده من تأمين لقمة العيش للعراقيين".
وأما على الصعيد السياسي، فيشير تقرير لإذاعة "مونت كارلو الدولية"، إلى أن:"الحملات الانتخابية الحالية تشهد تنافسًا حادًا بين رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، زعيم ائتلاف "الإعمار والتنمية"، وزعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي، أحد أبرز أقطاب "الإطار التنسيقي".
وتوضح الإذاعة في تقريرها أن:"المؤشرات السياسية في بغداد تشير إلى أن الرجلين تحولا بالفعل إلى خصمين مباشرين، خصوصًا في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية، حيث يتركز التنافس بين ائتلافيهما".
وتُبيّن "مونت كارلو الدولية" أن، هذه الخصومة اتخذت أبعادًا متعددة، من التصريحات المتبادلة إلى السجال حول من سيتولى رئاسة الحكومة المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات داخل الإطار الشيعي نفسه.
وتشير المعلومات السياسية التي أوردها التقرير إلى أن:"المرجع الديني الأعلى علي السيستاني لا يفضل عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة، وهي نقطة تصبّ في مصلحة السوداني".
وأما على الصعيد الإقليمي، فتذكر الإذاعة أن:"إيران تدعم المالكي في مسعاه للعودة إلى السلطة، في حين تميل قوى دولية وإقليمية عدة منها الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا والسعودية والإمارات وسوريا إلى تفضيل بقاء السوداني في منصبه لولاية ثانية".
وفي الداخل العراقي، يُرجّح أن يكون السنّة أكثر ميلًا لبقاء السوداني، بينما يُظهر الأكراد ميولًا نحو المالكي، خصوصًا بعد الخلافات مع الحكومة الحالية بشأن رواتب موظفي إقليم كردستان.
ويشير التقرير أيضًا إلى أن:"موقف التيار الصدري سيكون عاملًا حاسمًا في هذا المشهد المعقد. فبرغم مقاطعته الانتخابات رسميًا، إلا أن توجه أنصاره يوم الاقتراع قد يرجّح كفة أحد الطرفين، فيما تُقدّر بعض الأوساط أن الأصوات الصدرية قد تذهب إلى السوداني".
وكما ذكرت "مونت كارلو الدولية" أن السلطات العراقية تلقت في الأيام الأخيرة تهديدات مجهولة باقتحام مراكز الاقتراع، لكن التيار الصدري سارع إلى نفي أي علاقة له بها.
وتؤكد الإذاعة أن:"الحكومة وضعت خطة أمنية موسعة يشارك فيها نحو ربع مليون عنصر أمني لتأمين أكثر من ثمانية آلاف وسبعمائة مركز اقتراع في عموم البلاد".
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو العراق مقبلًا على اختبار سياسي واقتصادي دقيق: تنافس محتدم على السلطة، واقتصاد هش يتهدده الانكماش، ومجتمع يترقب مصير لقمة عيشه المرتبطة بثروة النفط.
ومن دون تنويع اقتصادي حقيقي وإصلاح بنيوي جاد، ستبقى البلاد رهينة الأسعار العالمية، ولن يكون النفط وحده كفيلًا بتأمين مستقبل مستقر للعراقيين، مهما حاولت القوى السياسية تأجيل مواجهة الواقع.
وبين سباق انتخابي تتشابك فيه الطموحات والمصالح، وأزمة اقتصادية تقترب كعاصفة بطيئة، يقف العراق على مفترق طرق حاسم.
فالحكومة المقبلة، أيًّا كان شكلها، ستواجه مهمة شاقة: موازنة معادلة السلطة والاقتصاد، وإعادة الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع.
وإذا لم تُفتح أبواب الإصلاح الحقيقي وتُحمَ الاستثمارات بالقانون، فلن تمنع العقائد أو التحشيدات الطائفية العراقيين من العودة إلى الشوارع للمطالبة بحياة تليق بتضحياتهم وآمالهم.
كلمات مفتاحية
- العراق
- السوداني
- نوري المالكي
- الانتخابات العراقية المقبلة
- تقارير عربية ودولية
- الساحة العراقية
- اقتصاد العراق
