بين لوم الضحية والمطالبة بالردع… شبح التحرش الجماعي يلاحق النساء في العراق
تحوّلت شوارع العراق ليلة رأس السنة من ساحات للفرح إلى مساحات مشحونة بالقلق والخوف، بعد تداول مقاطع مصوّرة أظهرت تعرّض فتاة للتحرش الجماعي من قبل شبان ومراهقين في البصرة، وسرعان ما أثارت هذه المشاهد موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأعادت إلى الواجهة المخاوف التي تعيشها العراقيات بسبب الخلل الاجتماعي المتجذر، الذي يواجهنه دون وجود أي جهود جدية لمعالجته أو فهم أسبابه.

وأبدى ناشطون وفنانون ومثقفون إدانتهم، مؤكدين ضرورة مواجهة الظاهرة باعتبارها دخيلة على قيم المجتمع وعاداته وثقافته، في حين برزت دعوات تُحمّل الفتيات مسؤولية ما تعرّضن له، بينما طالب كثيرون بتشديد القوانين ومحاسبة المتورطين.
وذكر تقرير للعربي الجديد وتابعته "المطلع" أنه "رغم أن مشاهد التحرش الجماعي غريبة بعض الشيء في العراق، غير أن الموظفة خلود حسن (46 سنة) ترى أنه بات أمراً متوقعاً بسبب انتشار التحرش الفردي، مؤكدةً أنها تعرّضت أكثر من مرة لتحرش لفظي أثناء مرورها في أماكن محدودة الحركة والزحمة. وتتابع: "لا أسكت عادةً، بل أواجه وأردّ على المتحرشين، لكن لا تمتلك كل النساء هذه القدرة"، كاشفةً أن ابنتها، وهي طالبة جامعية، تعرّضت لتحرش جماعي في إحدى المناسبات، ولولا تدخل بعض المارّة لكانت العواقب أسوأ. وتقول: "منذ ذلك اليوم، لا تخرج ابنتي إلا برفقة والدها أو أحد إخوتها، وهذا مؤلم بالنسبة لي بوصفي أماً".
وتتحدث طالبة الثانوية شاهيناز عادل (18 سنة) بخوف عن يومياتها، وتقول "بمجرد رؤيتي مجموعة شبان متجمهرين أشعر برعب حقيقي. أخاف من نظراتهم قبل أفعالهم. وقد رأيتُ بعيني صديقات يتعرّضن لتحرش فظيع، إحداهنّ تَمزّق قميصها في مكان عام على يد متحرشين تُراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً، وحين تدخّل بعض الرجال هرب هؤلاء المراهقين".

ولم تعد هذه الجرائم مجرد حدث فردي معزول، وإنما صارت حالة جماعية تدفع العائلات إلى إعادة التفكير في أبسط تفاصيل الترفيه والخروج، فالمتنزهات والأسواق والساحات التي كانت تمثل متنفساً للأسر، باتت بالنسبة لكثيرين مناطق محفوفة بالقلق، خصوصاً في المناسبات العامة التي تشهد ازدحاماً.
ويقول سامي عبد الهادي إنّ التحرش يمسّ كرامة العائلات بشكل مباشر، مضيفاً بحسرة: "أشعر بظلم كبير يقع على بناتي الثلاث. لا أستطيع أن أتركهنّ يخرجن بمفردهنّ، كما يفعل إخوتهنّ الذكور. حتى الذهاب إلى متنزّه أو سوق بسيط أصبح مخاطرة". ويضيف عبد الهادي أنه يضطر أحياناً إلى تخصيص وقت ومبالغ إضافية ليصحبهنّ إلى أماكن خاصة أو منتجعات مغلقة، فقط كي يشعر بشيء من الطمأنينة، مؤكداً أنه "أمر مرهق نفسياً ومادياً".
لكن رفقة الأب لبناته أو الإخوة لشقيقاتهم أو الزوج لزوجته، لا تمنع من تعرّضهنّ للمضايقة، وتؤكد جمانة الدوري (37 سنة) أن "بعض النساء يتعرّضن لمضايقات بالنظرات والإشارات حين يكون برفقتهنّ رجل من أقاربهنّ. وتقول: "حتى عندما أكون برفقة زوجي وأطفالي، أتعرّض لنظرات وكلمات غير لائقة. كأن بعضهم فقد أي رادع أخلاقي أو إنساني. لا أريد أن تتعرّض عائلتي لأي أذى، لذلك أضطر إلى عدم إخبار زوجي، تفادياً لأي مشاجرة معهم".

ولم يكن الغضب الشعبي موجهاً فقط إلى المتحرشين، بل امتد ليعيد خطاباً اجتماعياً قديماً يُلقي اللوم على الضحية. يقول صادق عبد الله، إنّ على الفتيات "الالتزام بالملابس المحتشمة، ومرافقة ذويهنّ لتفادي المضايقات".
لكن هذا الرأي يواجه رفضاً من شريحة واسعة في المجتمع. ومن هؤلاء هشام سوادي الذي يؤكد أن "المتحرش لا يميّز بين محتشمة وغير محتشمة. المشكلة ليست في لباس المرأة، بل في عقلية مريضة تجد في الشارع ساحة مفتوحة لانتهاك الآخرين".
ويقدم الباحث الاجتماعي مهند الطائي قراءة أعمق للتحرش، معتبراً أنه نتاج منظومة اجتماعية مضطربة. ويوضح أن "تراكم العنف المجتمعي، وضعف الردع القانوني، وانتشار ثقافة تبرير الخطأ، كلها عوامل تغذي سلوكيات عدوانية لدى فئات من الشباب، خصوصاً المراهقين الذين يعانون فراغاً نفسياً وقيمياً، كما أن الصمت المجتمعي، والخوف من الوصم، يسهمان في تطبيع التحرش بدل مواجهته، ومعالجة المشكلة تبدأ من التربية داخل الأسرة، مروراً بالمدرسة، وصولاً إلى خطاب إعلامي مسؤول يرفض تبرير العنف أو تحميل الضحية الذنب، فمواجهة التحرش لا تكون فقط بالقوانين، رغم أهميتها، بل ببناء وعي جماعي يحمي النساء في الفضاء العام، ويُعيد تعريف الرجولة بوصفها مسؤولية، لا سلطة وتسلطاً".

كلمات مفتاحية
- العراق
- البصرة
- تحرش جماعي
- انهيار أخلاقي
- حقوق المرأة
- حماية النساء
- امن مجتمعي
- سلوكيات خطرة
- عنف ضد النساء
- تقارير عربية دولية
