تقرير ألماني يرصد المشهد الانتخابي بالعراق: التفاؤل يواجه الحذر الشعبي
يخوض العراق مرحلة انتخابية حاسمة وسط شعور متزايد بالاستقرار والأمل في مستقبل أفضل بعد عقود من الاضطرابات والصراعات، وهذه الانتخابات تأتي في وقت يشهد فيه العراقيون تحسناً ملموساً في الخدمات والبنية التحتية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الإيجابية على صناديق الاقتراع وإقبال الناخبين.
ويشير تقرير موقع "دويتشه فيله" الألماني (DW) الذي تابعته "المطلع"، إلى أن:"العراق يعيش أطول فترة استقرار منذ العام 2003، وسط أجواء من التفاؤل بأن البلاد تسير على الطريق الصحيح".
واستعرض التقرير، نتائج استطلاع حديث لمؤسسة "غالوب" الأميركية أظهرت وصول ثقة العراقيين بالمؤسسات السياسية والوطنية إلى مستويات قياسية، حيث أعرب 55٪ من المشاركين عن ثقتهم بالحكومة، وهو رقم استثنائي مقارنة بدول المنطقة، باستثناء إيران والأردن.
ولفت التقرير إلى، تصريحات رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم العراق محمد الحسن أمام مجلس الأمن الدولي، التي أكد فيها أن:"العراق اليوم ليس كما كان قبل 20 عاماً أو حتى قبل 5 سنوات"، مشيراً إلى أن:"البلاد أصبحت أكثر أماناً واستقراراً وانفتاحاً، رغم استمرار بعض العقبات".
ونقل التقرير شهادات مواطنين عراقيين، مثل خضير العلي العامل في شركة نفطية، الذي وصف العراق بأنه في "أفضل حالاته على الإطلاق"، مع الإشارة إلى مشاكل صغيرة مثل الحفر في الشوارع والازدحام المروري والحاجة إلى ممرات للدراجات، وهي أمور لم تكن تحظى بالأهمية في الماضي، عندما كانت البلاد تتصدر الأخبار بالعنف والحرب.
وكما تحدث الموظف المدني مصطفى حسين عن تحسين الإجراءات الإدارية، مثل تسجيل السيارات عبر الإنترنت وتوصيل لوحات الترخيص إلى المنازل، ما يعكس تطور الخدمات بشكل ملموس.
وأكد الصحفي إبراهيم عياش أن:"نفس التحسن ينطبق على إجراءات إصدار جوازات السفر، وهو ما جعل العديد من العراقيين أكثر ميلاً للمشاركة في الانتخابات، حتى أولئك الذين لم يصوتوا منذ 2005".
وأشار التقرير إلى تجربة المواطن "حداد"، الذي قرر هذه المرة التصويت بعد أن شعر بأن رئيس الحكومة محمد شياع السوداني قدم أداءً متميزاً في تطوير الدولة وتحسين الخدمات، ونجح في تحقيق توازن بين المصالح المتنافسة.
ويرى العديد من العراقيين في السوداني تكنوقراطياً قادراً على إدارة الدولة بكفاءة وتحقيق استثمارات ملموسة في البنية التحتية.
ولكن التساؤلات تظل حول مدى انعكاس هذا التحسن على الانتخابات، خصوصاً إقبال الناخبين، إذ تشير التقديرات إلى تراجع المشاركة مقارنة بمستويات 2005 التي بلغت 80٪، في ظل شعور بالإحباط بين المواطنين.
ولفت التقرير إلى رأي الباحث البريطاني ريناد منصور من مركز "تشاتهام هاوس"، الذي أكد أن:"العراقيين يشعرون نسبياً بالاستقرار مقارنة بالوضع في دول الجوار"، لكنه أوضح أن:"الانتخابات تظل أداة للنخب لإعادة التفاوض على مواقعها وحصصها في السلطة، وليست بالضرورة انعكاساً مباشراً لإرادة الشعب في اختيار الحكومة، حيث يتطلب تشكيلها أشهرًا من المفاوضات، وتحديد الوزراء ورئيس الحكومة ليس اختياراً مباشراً من الناخبين".
وأكد المحلل الأميركي سجاد جياد من "مركز أبحاث القرن الدولي"، أن الاستقرار الحالي لا يعني بالضرورة مشاركة كبيرة في التصويت، وأن غالبية العراقيين لا يرون في الانتخابات وسيلة للتغيير، بينما المشاركون في التصويت هم غالباً موظفون مدنيون أو ضباط شرطة يعرفون مرشحهم أو يستفيدون من النظام.
وحذر الباحث منقذ داغر من أن:"استمرار الاتجاه الحالي قد يؤدي إلى أدنى نسبة إقبال منذ 2003، وهو ما قد يشكل تهديداً لاستقرار الدولة، إذ إن المشاركة الانتخابية تمثل أساساً للشرعية السياسية".
ومرّ العراق بأكثر من عقدين من الاضطرابات منذ غزو 2003، شملت حروباً أهلية ونشاطات إرهابية وتدخلات إقليمية، ما أثر بشكل مباشر على الحياة اليومية والثقة بالمؤسسات.
ورغم هذه التحديات، شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملموساً في مجالات الأمن والبنية التحتية والخدمات العامة، ما أتاح للعراقيين لأول مرة منذ سنوات طويلة شعوراً نسبياً بالاستقرار والأمان.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الاستقرار إلى مشاركة فعالة في العملية الديمقراطية وضمان أن الانتخابات ليست مجرد استفتاء شكلي، بل وسيلة حقيقية للتغيير السياسي والاجتماعي.
