تلعفر بين الاستحداث الإداري والسياسة الانتخابية… ورقة شحن بالانتخابات العراقية
تعيش الساحة السياسية في العراق، وللأسبوع الثالث على التوالي منذ انطلاق الحملة الانتخابية، أجواءً مشحونة بالتنافس والاستقطاب بين مختلف القوى والتيارات.
وفي الوقت الذي تكثف فيه الأحزاب حملاتها لحشد الناخبين وضمان المشاركة الواسعة، تتزايد الدعوات إلى المقاطعة من أطراف أخرى، أبرزها التيار الصدري برئاسة مقتدى الصدر، الذي يرى أن الانتخابات لن تحقق تغييراً حقيقياً في ظل تكرار الوجوه ذاتها.
وفي المقابل، تؤكد قوى سياسية ومدنية أن المشاركة تمثل الخيار الأمثل لإحداث الإصلاح من داخل العملية الديمقراطية، في مشهد يعكس انقساماً واضحاً في المواقف والرؤى تجاه الانتخابات المقبلة.
وجاء في تقرير حديث لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، أنه:"في سياق هذا الشحن، عاد ظهور مشروع تحويل مدينة تلعفر، غربي الموصل، إلى محافظة مستقلة، وهو ما لا يزال يلاقي أصداء رافضة وأخرى مؤيدة، إذ تعدّ تلعفر المدينة، ذات خليط سكّاني واسع من التركمان السنّة والشيعة، مع مكونات أخرى أبرزها العرب والأكراد".
ومن المقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية بالعراق في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وتزامناً مع الحملة الانتخابية، تعيش البلاد موجة من التصعيد في الخطابات، بينما تستعد قوات الأمن العراقية للدخول في حالة التأهب بعد أيام من الآن، لتأمين الاستحقاق الانتخابي السادس للعراقيين منذ سقوط نظام صدام حسين عقب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.
وتُعد تلعفر أكبر قضاء إداري في العراق من حيث المساحة الجغرافية، ويقع شمال غربي مدينة الموصل، ويتبع إدارياً لمحافظة نينوى، ويسكنه نحو نصف مليون نسمة، وهم خليط من التركمان السنّة والشيعة والعرب السنّة إلى جانب الأكراد.
ويضم قضاء تلعفر إلى جانب مركز تلعفر، ثلاث نواح رئيسية، وهي ناحية ربيعة التي تسكنها عشائر عربية وتقع على الحدود السورية، وناحية زمار التي يسكنها خليط من العرب والأكراد، إلى جانب ناحية العياضية التي يوجد فيها التركمان والعرب.
ارتقاء إداري أم هيمنة سياسية؟
وجاءت الدعوة الأخيرة لتحويل قضاء تلعفر إلى محافظة، عبر رئيس منظمة بدر، والقيادي في الائتلاف الحاكم هادي العامري، خلال مؤتمر انتخابي لأنصاره في القضاء، إذ أكد السعي لاستحداث المحافظة العشرين في العراق وهي محافظة تلعفر.
وسبقت ذلك دعوات مماثلة أيضاً من قيادات كتلة بدر، وقبل ذلك من ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي.
وأعقبت تلك الدعوات، مواقف رافضة من الأغلبية العربية السنية في نينوى، لا سيما أنها صدرت من جهات من خارج المحافظة وعرفت في فترة من الفترات بتخندقها الطائفي على مستوى البلاد، فيما تؤيد غالبية التركمان المشروع على اعتبار أنه نوع من الارتقاء الإداري في تقسيم المدن من أجل الحصول على ميزانيات أكبر ومشاريع أكثر.
وكشف التقرير:"لكن المشكلة الأكبر التي تواجه هذا المشروع المخاوف من تفرد جهة محددة بالسلطة والقرار في المحافظة الجديدة، والتي تشهد هيمنة للجانب التركماني الشيعي الذي يمتلك الفصائل المسلحة المسيطرة على المدينة، وهذه الهواجس لا يخفيها التركمان السنة من القضاء، رغم تأييدهم لفكرة الارتقاء الإداري بالمدينة وتحويلها إلى محافظة، تكون فيها الغالبية تركمانية من كلتا الطائفتين".
وفي المواقف الرافضة لفكرة تحويل تلعفر إلى محافظة، أكدت عضو مجلس محافظة نينوى سمية الخابوري، أن:"الدعوة الخاصة بهذا الموضوع، أطلقت بدوافع انتخابية وسياسية، فيما شدّدت على رفض غالبية ممثلي المحافظة لهذا المشروع الذي يجر نينوى إلى التقسيم".
وقالت الخابوري في حديث لـ"العربي الجديد" إن:"الدعوات التي أطلقت أخيراً بشأن تلعفر معروفة ومعلومة الغاية، فهي لا تعدو كونها دعاية انتخابية لتحقيق الكسب السياسي، خصوصاً أنه مع اقتراب كل انتخابات، تظهر مثل تلك الدعوات وتوضع على الطاولة".
وأضافت أن، محافظة نينوى تضمّ خليطاً من جميع المكونات العراقية، وجميع المكونات هم محل احترام وتقدير من الجميع، مضيفة أن:"لهذه المكونات ممثلين، سواء في الحكومة المحلية أو الحكومة المركزية، يعملون على تحقيق مصالح وأهداف جماهيرهم في مدنهم".
وأوضحت الخابوري أن:"دعوات تحويل القضاء إلى محافظة ستؤدي بالنتيجة إلى تقسيم نينوى وتمزيقها، وستفضي إلى تحويل مناطق أخرى إلى محافظات بدوافع طائفية ودينية وقومية"، لافتة إلى أنه من الناحية العملية وعلى أرض الواقع، لا يمكن تطبيق تلك الدعوات لما لها من تبعات من حيث مصير باقي المناطق القريبة منها، خصوصاً أنها قريبة من الحدود الدولية مع تركيا وسورية.
وخلال تقديم مشروع قانون تحويل مدينة حلبجة (بإقليم كردستان العراق) إلى محافظة في العامين الماضيين (أقرّ البرلمان العراقي تحويلها إلى محافظة في إبريل/نيسان الماضي)، حاولت كتلة بدر، إضافة فقرات لاستحداث محافظتين جديدتين، وهما تلعفر في نينوى وطوزخورماتو في صلاح الدين، واشترطوا وقتها التصويت على محافظة حلبجة مقابل التصويت على المحافظتين، لكن تلك المساعي لم تنجح.
اجتزاء تلعفر يغذي مشاريع التقسيم
واجتماعياً، وصف الشيخ عبد الله زعيتر المعماري، أحد شيوخ العشائر في محافظة نينوى، الدعوات الرامية إلى استحداث محافظات جديدة بعد اقتسامها من نينوى، بأنها "محاولة لتقسيم المحافظة وخلق كانتونات طائفية وقومية داخلها".
وقال زعتير في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن:"اجتزاء تلعفر من نينوى يعني خنق مدينة الموصل وقطع الطريق عليها وكذلك عزل قضاء تلعفر، وبالتالي إلحاق الضرر بالمدينتين"، مبيناً أن:"تلعفر جزء مهم من نينوى ولا يمكن التخلي عنه في سبيل تحقيق تطلعات بعض الجهات السياسية التي تهدف إلى تحقيق مصالحها فقط بعيداً عن مصالح أهالي المحافظة".
وأوضح الشيخ أن، الغالبية من أهالي تلعفر يرفضون هذه الفكرة، على اعتبار أن الكثير من أبناء نواحي ربيعة والعياضية وزمار من العشائر العربية التي ترفض تقسيم محافظتها بدوافع طائفية، مبيناً أن:"نجاح فكرة محافظة تلعفر سيدفع نحو استحداث محافظة للمسيحيين في سهل نينوى وأخرى للأيزيديين في سنجار وربما غيرها، وهذا يعني تنفيذ مشروع التقسيم في وقت يسعى فيه أغلب العراقيين إلى توحيد الصفوف".
وفي وقت سابق، دعت جهات مسيحية وشبكية لاستحداث محافظة في منطقة سهل نينوى، إلا أن المخاوف من الصراع على إدارتها في ظل انتشار السلاح وتقاسم النفوذ بين حشود تابعة للشبك "لواء 30" وأخرى تابعة للمسيحيين "لواء 50" تسببت بالتريث في عرض المشروع.
وكما سعى الحزب الديمقراطي الكردستاني في السنوات التي سبقت عام 2014، إلى استحداث محافظة في قضاء سنجار للمكون الأيزيدي، وهو ما رفضه العرب السنة في القضاء الذين يشكلون نصف سكان القضاء، بحسب تقديرات محلية.
وفي عام 2013، لوّحت الحكومة المحلية في نينوى، والتي كان يديرها آنذاك أثيل النجيفي، باتخاذ الإجراءات القانونية لتحويل محافظة نينوى إلى إقليم إداري في حال استمرت تدخلات الأحزاب والقوى من خارج نينوى من أجل تحويل بعض مناطق نينوى إلى محافظات مستقلة.
وفي المقابل، أكد النائب عن المكون التركماني، لقمان الرشيدي، دعم التركمان لمشروع تحويل تلعفر إلى محافظة، لكنه شدّد على أن:"الدعوات الأخيرة التي أطلقت في هذا الخصوص هي دعوات سياسية، الغاية منها تحقيق الكسب الانتخابي".
وقال الرشيدي في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن:"تحويل تلعفر إلى محافظة أمر ضروري وهو قيد الدراسة منذ عهد النظام السابق (صدام حسين)، كون القضاء أكبر الأقضية في العراق"، مبيناً أن فكرة المحافظة قائمة على رفض أي استحداث إداري على أسس قومية أو طائفية أو دينية. وبرأيه، فإن محافظة تلعفر التي يسعى التركمان لها، "من المفترض أن تضم مركز القضاء إلى جانب النواحي التابعة له والأقضية القريبة منه، مثل سنجار والبعاج، لتكون محافظة تشمل خليطاً من جميع المكونات"، مبيناً أنه في حال تمت الموافقة على طلبات التحويل، فستكون هناك لجان مختصة تحدد حدود المحافظة الجديدة والمناطق التي يمكن الانضمام إليها.
وأشار الرشيدي إلى.رفض التدخلات في شؤون تلعفر من سياسيين من خارجها، مؤكداً أن التدخلات في خصوص استحداث المحافظة الجديدة، غايتها انتخابية، لافتاً إلى أن:"رغبة أهالي قضاء تلعفر، تسير مع الارتقاء الإداري والتحول إلى محافظة من أجل توسيع الدوائر الحكومية وزيادة الموازنات المالية وإطلاق نسب أكبر من المشاريع، وغيرها من الأمور التي تصب في خدمة سكّان القضاء الحالي".
وفي وقت سابق، أعلن النائب التركماني عن كتلة بدر، مختار الموسوي، البدء بإجراءات تقديم الطلبات الخاصة بتحويل تلعفر إلى محافظة تحت مسمى محافظة الجزيرة، مبيناً أن الدورة البرلمانية المقبلة ستكون حاسمة في تنفيذ هذا المشروع على أرض الواقع.
ومن جهته، رأى الباحث في الشأن السياسي، مصطفى العبيدي، أن:"تنفيذ مشروع محافظة تلعفر من الأمور الصعبة والمستحيلة، لعدة أسباب، أولها "يتمثل في الجهة التي ستدير المشهد في تلعفر، خصوصاً أن النفوذ اليوم في القضاء، هو للقوى الشيعية التركمانية التي تحظى بدعم الحشد الشعبي ومنظمة بدر، الأمر الذي يثير مخاوف التركمان السنة والعرب والأكراد في القضاء، أما السبب الثاني فيتعلق بمستقبل سنجار".
وبرأيه فإن:"تحويل تلعفر إلى محافظة، يعني حدوث خلل في مستقبل قضاء سنجار واحتمالية بقائه رهينة في يد حزب العمّال الكردستاني أو ضمّه إلى إقليم كردستان في حال خروج العمّاليين من القضاء".
ولفت العبيدي إلى أن:"السبب الثالث يكمن في مستقبل المناطق العربية في تلعفر، والتي ستطلب الانفصال عن تلعفر والانضمام إلى الموصل مستقبلاً في حال نفذ المشروع".
وأشار إلى أن، طرح الموضوع في هذا التوقيت الحسّاس، من شأنه خلق أزمات جديدة في العراق، محذراً من تحول هذا المشروع إلى مطرقة تهدد السلم المجتمعي في محافظة نينوى.
ولفت إلى أن:"إعلان تلعفر محافظة، يعني بدء تنفيذ فكرة الأقاليم ابتداء من نينوى، لأن ممثليها سيلجؤون إلى الطرق المنصوص عليها دستورياً، من أجل ضمان تجنب فتنة كبيرة بسبب إعلان تلعفر المحافظة العراقية العشرين".
وتقف تلعفر، أكبر أقضية نينوى اليوم عند مفترق سياسي حساس، حيث يثير مشروع تحويلها إلى محافظة الجديدة جدلاً بين الارتقاء الإداري والمخاوف من استغلاله انتخابياً وطائفياً.
