توني بلير... قصة صراع وإرث يتجدد في قلب الشرق الأوسط + فيديو
عندما كُلّف توني بلير في عام 2007 للمرة الأولى بمهمة التوسط لتحقيق سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين، سرعان ما أصدرت واشنطن تحذيرها: رئيس الوزراء البريطاني السابق ليس "بطلًا خارقًا" ولا يحمل "عصا سحرية". كان هذا وصفًا واقعيًا لرجل أنهى للتو عقدًا من السنوات في داونينغ ستريت، محمّلًا بسمعة مزدوجة: بطل السلام في أيرلندا الشمالية، وشريك في غزو العراق.
وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أنه:"اليوم، وبعد ما يقارب عقدين من تلك اللحظة، يعود بلير إلى قلب واحدة من أعقد أزمات الشرق الأوسط، عبر موافقته على الانضمام إلى لجنة يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة شؤون قطاع غزة ضمن ما يسمى بـ "مجلس السلام".
والخطوة أثارت جدلا واسعا: الفلسطينيون والمحللون رأوا فيها إعادة تدوير لوجه فقد شرعيته منذ عام 2003، حين اصطف بلا تردد خلف جورج بوش الابن في غزو العراق. في المقابل، دبلوماسيون وزملاء سابقون رحبوا بالخطوة، معتبرين أن بلير لا يزال يحظى بثقة الأميركيين والإسرائيليين وعدد من العواصم الخليجية، وأن العثور على شخصية قادرة على مخاطبة كل هذه الأطراف في آن واحد أمر نادر.
وتنشر منصة المطلع ميديا فيديو يتحدث عن التفاصيل:
للمشاهدة اضغط هنا
من إدنبرة إلى أكسفورد
وُلد أنتوني تشارلز لينتون بلير في 6 مايو 1953 في لوريستون بإدنبرة، إسكتلندا، لعائلة متوسطة الحال. والده، ليو بلير، كان محاميا ومحاضرا في القانون، وكان ينتمي إلى حزب المحافظين، بل حاول الترشح للبرلمان عام 1963 لكنه فشل بسبب سكتة دماغية أثرت على عائلته.
ة أما والدته، هازل كورسكادن، فكانت من أصول أيرلندية، وابنة صاحب متجر بقالة في باليشانون بأيرلندا. كان لدى بلير أخ أكبر هو ويليام، وأخت أصغر هي سارة.
وانتقلت العائلة إلى أديلايد في أستراليا عام 1954، حيث ولدت أخته، ثم عادت إلى بريطانيا عام 1958 لتستقر في دورهام بشمال إنجلترا. هذه التنقلات المبكرة غرست في بلير حسا بالتكيف والطموح، لكنه فقد والدته عام 1975 بسبب سرطان الغدة الدرقية، وهو حدث أثر عليه بعمق وأعاد "اكتشافه لإيمانه المسيحي".
وتلقى بلير تعليمه في مدرسة كورسيستر في دورهام من 1961 إلى 1966، ثم في كلية فيتس الخاصة في إدنبرة من 1966 إلى 1971، حيث كان يُعرف بتمرده وكرهه للنظام الصارم هناك. قضى عاما فارغا في لندن كمروج موسيقى روك، محاولا الغناء في فرقة، قبل أن يلتحق بكلية القديس يوحنا في أكسفورد عام 1972 ليدرس القانون. تخرج عام 1975 بدرجة الشرف الثانية، وخلال دراسته انخرط في السياسة الطلابية، تأثرا بالقس الأنجليكاني بيتر تومسون، الذي ساعده على إعادة اكتشاف إيمانه.
و كان بلير لفترة قصيرة متأثراً بالتروتسكية، لكنه سرعان ما انضم إلى حزب العمال عام 1975. بعد التخرج، تدرب في مدرسة محاكم النزاعات وأصبح محامياً في لينكولن إن، حيث التقى بشريكة حياته المستقبلية شيري بوث، التي تزوجها عام 1980.
لديهما أربعة أبناء: إيوان (1984)، نيكولاس (1985)، كاثرين (1988)، وليو (2000)، الذي ولد أثناء رئاسته للوزراء، مما جعله أول رئيس وزراء بريطاني يصبح أبا أثناء المنصب منذ عام 1849.
الصعود السياسي
وبدأ بلير مسيرته السياسية بانتخابه نائباً عن دائرة سيدجفيلد عام 1983، رغم أنها كانت محاولة أولى فاشلة في بيستون عام 1982. سرعان ما أثبت نفسه كنجم صاعد في حزب العمال، محتضناً الإصلاحات الوسطية.
وشغل مناصب ظلية متعددة: وزير الطاقة (1988 – 1989)، التوظيف (1989 – 1992)، والداخلية (1992 – 1994). بعد وفاة جون سميث عام 1994، فاز بلير بزعامة الحزب، محولا "العمال القديم" إلى "العمال الجدد" من خلال إلغاء البند الرابع الاشتراكي في دستور الحزب، الذي كان يدعو إلى الملكية العامة لوسائل الإنتاج. قدم نفسه كمهندس "الطريق الثالث"، فلسفة تجمع بين كفاءة السوق الحر والعدالة الاجتماعية، مستوحى من أفكار أنتوني غيدنز.
وفي عام 1997، قاد بلير حزب العمال إلى انتصار ساحق، منهيا 18 عاما من حكم المحافظين، وأصبح رئيسا للوزراء في 2 أيار – مايو، كأصغر رئيس وزراء منذ 1812. فاز بثلاث انتخابات متتالية (1997، 2001، 2005)، محطما أرقاما قياسية للحزب.
و داخليا، ارتبط اسمه بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، حيث ارتفع الإنفاق العام بنسبة 43 في المئة في الصحة و60 في المئة في التعليم بين 1997 و2007. أدخل الحد الأدنى للأجور عام 1998، وأصلح الخدمات العامة من خلال برامج مثل :الرفاهية إلى العمل".
وكما دعم حقوق المثليين، بما في ذلك قانون الشراكة المدنية عام 2004 وقانون الاعتراف بالجنس عام 2004.
و أما أعظم إنجازه الداخلي فكان اتفاقية الجمعة العظيمة عام 1998، التي أنهت 30 عاما من العنف الطائفي في أيرلندا الشمالية، من خلال مفاوضات معقدة شملت إطلاق سراح السجناء وتفكيك الأسلحة، مما جعله “صانع سلام” في أعين العالم.
شبح العراق
وكانت سياسة بلير الخارجية قائمة على التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة والتدخل الإنساني. أرسل قوات بريطانية في خمس عمليات عسكرية: قصف العراق عام 1998، كوسوفو 1999، سيراليون 2000، أفغانستان 2001، والعراق 2003. في كوسوفو، دعم تدخل الناتو لإنقاذ الألبان من قمع ميلوشيفيتش، مما عزز سمعته كمدافع عن الحقوق. كما بنى علاقات مع قادة مثل فلاديمير بوتين وبشار الأسد ومعمر القذافي، الذي زاره عام 2004 لتشجيع التخلي عن الأسلحة النووية.
ولكن المنعطف الكبير كان غزو العراق عام 2003. اصطف بلير خلف جورج بوش الابن، مدعيا أن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل ويتواصل مع القاعدة، استنادا إلى تقارير استخباراتية ثبت لاحقا أنها مبالغ فيها. رغم معارضة "139" نائبا ومليون متظاهر في لندن، أرسل "46" ألف جندي بريطاني. الحرب أدت إلى سقوط صدام، لكنها خلقت فوضى، مع مقتل آلاف المدنيين وانتشار الإرهاب.
وتقرير تشيلكوت عام 2016 انتقد بلير بشدة، وكشف عن:"حجم تورط بلير في حرب العراق"، مؤكدا أن:"قرار المشاركة اتُّخذ دون إعداد كاف أو استنفاد الوسائل الدبلوماسية، وأن كل المبررات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل كانت واهية".
والتقرير أظهر جهل بريطانيا بالشرق الأوسط، وعجزها عن إدارة مرحلة ما بعد سقوط صدام حسين، ما أدى إلى فوضى أمنية وصعود تنظيمات متطرفة سنية وشيعية، وانتهى بجيش بريطاني يتفاوض مع ميليشيات في جنوب العراق لإطلاق أسراه.
وأخطر ما ورد أن بلير وعد جورج بوش الابن مسبقا بالسير معه أيا تكن الأحوال، ثم شارك في تلفيق المبررات للحرب. النتيجة: بلد مدمر، نفوذ إيراني متعاظم، وإرث سياسي مثقل بالاتهامات.
والتقرير لم يبرر الحرب، بل كاد يصف بلير بأنه “
"مجرم حرب"، لتظل لعنة العراق تلاحقه كأكبر إخفاق في مسيرته.
ما بعد السلطة
غادر بلير المنصب عام 2007، ليصبح مبعوثا للرباعية الدولية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الأمم المتحدة) للشرق الأوسط حتى 2015.
وركز على التنمية الاقتصادية في فلسطين، لكنه واجه انتقادات فلسطينية لانحيازه الإسرائيلي، ولم يحقق اختراقا كبيرا.
و أسس "معهد توني بلير للتغيير العالمي" عام 2016، الذي يقدم استشارات للحكومات حول الإصلاحات، وانخرط في عمل مع جي.بي مورغان وشركات أخرى، محققا دخلا كبيرا من المحاضرات (حوالي 250 ألف دولار لكل واحدة).
وكتب مذكراته "رحلة" عام 2010، التي باعت الملايين من النسخ، وتبرع بجزء من عائداتها للجيش البريطاني. أسس أيضا مؤسسة الإيمان عام 2008 لتعزيز الحوار بين الأديان، ومؤسسة الرياضة عام 2007.
وبعد خروجه من الحكم، عُيّن مبعوثا للجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط، لكنه لم يحقق اختراقا يُذكر، وغادر المنصب عام 2015 وسط انتقادات فلسطينية وغربية بأنه كان أقرب إلى الموقف الإسرائيلي.
وأسس لاحقا "معهد توني بلير للتغيير العالمي"، وواصل تقديم الاستشارات للحكومات والشركات الكبرى، لكنه لم يبتعد يوما عن طموح لعب دور في ملفات الشرق الأوسط.
وفي السنوات الأخيرة، علق بلير على قضايا مثل بريكست (دعا إلى استفتاء ثان عام 2018)، وسحب أميركا من أفغانستان عام 2021 الذي وصفه بـ"التراجيدي". انتقد قيادة جيريمي كوربين كيسارية مفرطة، ودعم كير ستارمر، مقدما نصائح له عام 2024.
غزة.. آخر الامتحانات
واليوم، وهو في الثانية والسبعين من عمره، يجد بلير نفسه مجددًا أمام امتحان عسير: غزة. بالنسبة للبعض، هو رجل فقد مصداقيته منذ زمن طويل، وبالنسبة لآخرين، هو وسيط براغماتي يعرف دهاليز السياسة الدولية ويمكن أن يفتح قنوات مغلقة.
و لكن المؤكد أن اسمه، كلما ارتبط بالشرق الأوسط، يعيد إلى الواجهة سؤالا قديما: هل يمكن لرجل ارتبط بإحدى أكثر الحروب إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين أن يكون صانع سلام في واحدة من أكثر بقاع العالم اشتعالا؟.
وفي عام 2025، عاد بلير إلى الواجهة مع خطة ترامب لـ"مجلس السلام" في غزة، حيث يُقترح دوره كمسؤول انتقالي لإعادة الإعمار بعد حرب إسرائيل وحماس. الخطة تشمل 20 نقطة لوقف إطلاق النار وإدارة غزة مؤقتا، مع ترامب رئيسا للمجلس. أثارت الخطوة جدلا: الفلسطينيون يرونها إعادة تدوير لشخصية فقدت مصداقيتها بسبب العراق، بينما يرحب بها دبلوماسيون لثقته لدى أميركا وإسرائيل والخليج. بلير، في بيان، قال إن:"الخطة تعكس تفكيرا في مستقبل غزة، مستندا إلى تجربته الطويلة".
وتبقى سيرة بلير سردا للتناقضات: صانع سلام في أيرلندا، شريك حرب في العراق. في الثانية والسبعين، يبحث عن فصل جديد يطغى على الماضي.
هل ينجح في غزة؟ السؤال مفتوح، لكن تاريخه يذكرنا بأن السياسة ليست عصا سحرية، بل اختبار للإرادة والأخطاء. وهناك من يقول بخبث: إذا كانت السياسة هي "فن الكذب" فإن ترامب اختار أفضل رجل لهذه المهمة.
كلمات مفتاحية
- العراق
- توني بلير
- غزة
- الشرق الأوسط
- أيرلندا الشمالية
- غزو العراق
- تقارير عربية ودولية
- حرب العراق
- أمريكا
- واشنطن
- الحرب على غزة
