المطلع
عاجل

post-image

سوريا... انعدام ثقة المواطنين بالحكومة الجديدة يعرقل جهود ضبط السلاح


02:02 تقارير عربية ودولية
2025-05-07
111674

تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار جديد للسيطرة وبسط نفوذها، وهذه المرة في بلدة جرمانا جنوب شرقي العاصمة دمشق، حيث يبرز توتر أمني متصاعد بسبب تمسك السكان المحليين، وغالبيتهم من الطائفة الدرزية، بالاحتفاظ بسلاحهم الفردي، في تحدٍ علني لدعوات السلطة بتجريده، وتعكس هذه الحالة عمق الفجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية في مرحلة ما بعد الحرب، وتطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على فرض هيبتها دون اللجوء إلى القوة أو التنازل عن مطالبها.

وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أن:"هذا الرفض لا يعكس مجرد تمسك محلي بالسلاح، بل يعكس أزمة أعمق تتمثل في انعدام ثقة متجذر بالسلطة المركزية التي لم تفلح، حسب رأي السكان، في تقديم ضمانات أمنية حقيقية، ولا تزال عاجزة عن ضبط العصابات المسلحة التي تهدد أمن الأقليات".

وفي أعقاب اشتباكات طائفية دامية بين مقاتلين سُنة ودروز، بدأت الحكومة الجديدة حملة لنزع السلاح في محيط دمشق، إلا أن دروز جرمانا، شأنهم شأن كثيرين في مناطق الأطراف، ينظرون بعين الريبة إلى نوايا الحكومة وقدرتها على حمايتهم بعد سنوات من الانفلات الأمني، وأشهر من التوترات المتصاعدة بين الطوائف.

ويرى الأهالي أن:"السلاح ليس وسيلة تحد، بل ضرورة وجودية في وجه احتمالات تكرار سيناريوهات العنف الطائفي، كما حدث في الساحل السوري مؤخرا".

ويقول مكرم عبيد، أحد وجهاء البلدة المشاركين في المفاوضات مع الحكومة:"قلنا لهم، بمجرد أن تكون هناك دولة قادرة على تنظيم قواتها، فلن تكون لدينا مشكلة في تسليم أسلحتنا".

ويلخص عبيد المأزق بقوله:"لا مشكلة في تسليم السلاح، لكن من الذي سيحمي الناس حين يختفي؟".

ويقول مراقبون إنه:"في ظل غياب أجهزة أمنية فاعلة، وتزايد نشاط الفصائل المسلحة في مناطق عدة من سوريا، يبدو مطلب نزع السلاح كأنه محاولة لتجريد المكونات الضعيفة من أدوات الدفاع الوحيدة التي تمتلكها، من دون تقديم بدائل حقيقية للأمن".

وتلقي الخشية من تكرار جرائم الماضي بظلالها على الحاضر. ويقول أحد سكان جرمانا:"الناس يريدون الشعور بالأمان"، مضيفًا أن:"انهيار النظام لم يجلب الاستقرار المنتظر".

ومن هنا، فإن الحديث عن نزع السلاح يبدو في نظر السكان بمثابة تفريط غير مضمون في الأمان الشخصي والمجتمعي.

ولم تنجح السلطات المركزية الجديدة، التي لا تزال تكافح لترسيخ شرعيتها، بعد في ترميم الثقة مع الأقليات، لاسيما الدروز الذين يشعرون بأنه يُطلب منهم تقديم تنازلات متتالية من دون أي التزام فعلي من الدولة بحمايتهم.

وتساءل الشيخ موفق أبوشاش بمرارة:"نحن نقدم خطوات متتالية ولكن ماذا بعد"، في إشارة إلى ما يعتبره المجتمع الدرزي مسارا أحادي الاتجاه من التنازلات غير المتكافئة.

وتفاقمت الأزمة بسبب دخول إسرائيل على خط التوتر، حيث شنّت غارات على أهداف قرب جرمانا بذريعة حماية الدروز، ما زاد من تعقيد الموقف وأكد هشاشة الوضع الأمني.

ويزيد التدخل الإسرائيلي، وإن كان مرحبًا به ضمنيًا من بعض السكان، التشكيك في قدرة الدولة السورية على السيطرة على المشهد الأمني، ويغذي إحساسًا عميقًا بأن "النجاة الذاتية" تبقى الخيار الأكثر واقعية.

وفي ظل هذا الواقع تبدو مساعي دمشق لنزع سلاح الدروز غير قابلة للتنفيذ ما لم تُرفق بخطوات جادة لإعادة بناء الثقة.

فالسلاح ليس قضية معزولة عن سياق سياسي وأمني هش، بل هو جزء من منظومة حماية ذاتية بُنيت في فراغ الدولة، وما لم تُملأ هذه الفجوة بضمانات فعلية، سيبقى السلاح في يد السكان، لا كمصدر تهديد بل كصمّام أمان.

ويشير محللون إلى أن:"أول ما تحتاجه دمشق ليس تجريد جرمانا من سلاحها، بل استعادة ثقة أبنائها".

ويعد تمسك الأقليات بالسلاح في مرحلة ما بعد الحرب السورية ظاهرة منتشرة في عدة مناطق، ليس فقط بسبب المخاوف الأمنية، بل نتيجة فراغ مؤسسات الدولة وضعف ثقة المجتمعات المحلية بحكومة ما بعد الأسد.

وقد سبق للدروز في السويداء أن شكلوا مجموعات حماية ذاتية خلال السنوات الأخيرة من النزاع، معتمدين على شبكاتهم المحلية بدلا من الجيش أو قوات الأمن الرسمية، التي يُنظر إليها من قبل العديد من السكان على أنها متورطة في تحيّزات طائفية أو غير قادرة على حماية المواطنين.

وكما أن النظام السوري السابق استخدم في الكثير من الأحيان إستراتيجية "التسليح الموجّه"، حيث سلّح مجموعات من مختلف الطوائف لفرض سيطرته على مناطق متوترة، ما جعل السلاح جزءًا من المعادلة الاجتماعية والسياسية، لا مجرد أداة قتالية.

وجعل هذا الإرث محاولات نزع السلاح بعد سقوط النظام تواجه بحذر من المجتمعات التي لا تزال تحمل الذاكرة الحية لانهيار الأمن حين غابت الدولة، أو تواطأت مؤسساتها على العنف.

ويضاف إلى ذلك أن الوضع الجيوسياسي يضاعف من تعقيد مشهد جرمانا. فإسرائيل، التي تعهّدت علنًا بحماية الدروز السوريين، تنخرط بشكل متزايد في توجيه ضربات استباقية ضد من تعتبرهم تهديدًا لمجتمع الدروز، ما يعمّق الشعور المحلي بأن مصدر الحماية ليس دمشق، بل الخارج، ويكرس منطق الاعتماد الذاتي على السلاح.

ولطالما اتسمت العلاقة بين الطائفة الدرزية والدولة السورية بتوازن دقيق بين الولاء الوطني والسعي للحفاظ على نوع من الاستقلال المحلي، وهي علاقة تعود جذورها إلى ثورة عام 1925 حين لعب الدروز دورا محوريا في مقاومة الانتداب الفرنسي.

ولم يتحول هذا الإرث المقاوم إلى صفحة من الماضي، بل ظل حيًا في الذاكرة الجمعية لأبناء الطائفة، يغذي موقفًا راسخًا من أي محاولة لتجريدهم من وسائل الدفاع الذاتية، ويمنح السلاح بعدًا رمزيًا يتجاوز كونه مجرد أداة أمنية.

وما يعزز هذا الشعور هو واقع ما بعد النزاع السوري، الذي يشبه إلى حد بعيد تجارب بلدان أخرى شهدت حروبًا أهلية طويلة، مثل لبنان والعراق، حيث احتفظت جماعات طائفية أو عشائرية بأسلحتها لسنوات بعد توقف القتال الرسمي، في ظل غياب إصلاحات أمنية حقيقية أو مؤسسات دولة قوية.

ومن هذا المنظور تبدو جرمانا اليوم جزءًا من مشهد أوسع، تسير فيه المجتمعات المحلية على خطى مجتمعات مماثلة وجدت في السلاح ملاذا اضطراريا، وليس خيارا عدائيا.

ويزداد المشهد تعقيدًا في جرمانا بفعل أبعاده الإقليمية والدولية، فالجنوب السوري لم يعد مجرد ساحة داخلية للصراع على السلطة، بل تحوّل إلى منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية كبرى، أبرزها إسرائيل وإيران وروسيا.

ولا يمكن إغفال الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي خلفه انهيار الأمن على المجتمعات المحلية، خاصة تلك التي تنتمي إلى أقليات دينية أو إثنية.

ففي مثل هذا السياق لا يُنظر إلى السلاح كخطر، بل كجزء من معادلة البقاء، وعنصر أساسي من عناصر الشعور بالأمان والانتماء.

وتحول السلاح إلى رمز للكرامة الشخصية والقدرة على حماية الذات، بعد أن فقدت الدولة مصداقيتها كمصدر موثوق للأمن.

ولذلك لا يمكن أن يتم تفكيك هذا الارتباط بقرارات فوقية أو عبر حملات نزع سلاح تفتقر إلى الضمانات، بل يتطلب مسارًا طويلا من إعادة بناء الثقة، ومصالحة حقيقية تنبع من إدراك الدولة لحقيقة أن ما فقد ليس فقط السيطرة، بل الشرعية.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

الإمارات تكرم ضيافة عُمان وتتأهل إلى نهائي خليجي 27

الإمارات تكرم ضيافة عُمان وتتأهل إلى نهائي خليجي 27

2026-10-04 00:02 1588
"المطلع" تنشر خطاب رئيس الوزراء إلى الشعب العراقي بمناسبة العيد الوطني

"المطلع" تنشر خطاب رئيس الوزراء إلى الشعب العراقي بمناسبة العيد الوطني

2026-10-03 22:06 4299
مطار النجف: غداً استئناف الرحلات الجوية مع إيران وبواقع 3 رحلات مسائية

مطار النجف: غداً استئناف الرحلات الجوية مع إيران وبواقع 3 رحلات مسائية

2026-10-03 21:04 4508
واشنطن تهنئ العراق بيومه الوطني وتؤكد عمق الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية بينهما

واشنطن تهنئ العراق بيومه الوطني وتؤكد عمق الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية بينهما

2026-10-03 20:02 2934
أردوغان: العراق وسوريا يتجهان نحو الاستقرار والسلام سيحل محل الإرهاب بالمنطقة

أردوغان: العراق وسوريا يتجهان نحو الاستقرار والسلام سيحل محل الإرهاب بالمنطقة

2026-10-03 18:55 3294
صدور 17 أمر قبض واستقدام بحق ذوي الدرجات الخاصة خلال أيلول الماضي

صدور 17 أمر قبض واستقدام بحق ذوي الدرجات الخاصة خلال أيلول الماضي

2026-10-03 18:39 5200
أمريكا تعلن مرور أكثر من مليار برميل من النفط عبر مضيق هرمز

أمريكا تعلن مرور أكثر من مليار برميل من النفط عبر مضيق هرمز

2026-10-03 17:58 2680
أرنولد يطوي صفحة "خليجي 27" ويُراهن بالعناصر الجديدة على التألق الآسيوي

أرنولد يطوي صفحة "خليجي 27" ويُراهن بالعناصر الجديدة على التألق الآسيوي

2026-10-03 17:03 3110
​طهران تشكر بغداد على تسهيل أربعين رحلة جوية يومياً عبر النجف

​طهران تشكر بغداد على تسهيل أربعين رحلة جوية يومياً عبر النجف

2026-10-03 16:02 6240
خريطة احتياطيات الذهب العربية.. السعودية بالصدارة والعراق ثالثاً

خريطة احتياطيات الذهب العربية.. السعودية بالصدارة والعراق ثالثاً

2026-10-03 15:20 3646
القبض على تجار مخدرات دوليين على الحدود العراقية - السورية

القبض على تجار مخدرات دوليين على الحدود العراقية - السورية

2026-10-03 15:14 3672
اعتقال 308 متهمين خلال أيلول الماضي بينهم 31 بقضايا نزاهة

اعتقال 308 متهمين خلال أيلول الماضي بينهم 31 بقضايا نزاهة

2026-10-03 14:45 3179
تباين الذهب في الأسواق العراقية.. تراجع بالعاصمة وارتفاع بكردستان

تباين الذهب في الأسواق العراقية.. تراجع بالعاصمة وارتفاع بكردستان

2026-10-03 12:41 3870
مجلس النواب ينشر جدول أعمال جلسة يوم الإثنين المقبل

مجلس النواب ينشر جدول أعمال جلسة يوم الإثنين المقبل

2026-10-03 12:00 8414
الدولار يستهل بداية الأسبوع مرتفعاً مقابل الدينار العراقي

الدولار يستهل بداية الأسبوع مرتفعاً مقابل الدينار العراقي

2026-10-03 11:32 3968
التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

2026-10-03 10:29 9060
الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

2026-10-03 10:28 8102
الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

2026-10-03 00:01 12605