شوارع العراق وسؤال الرحمة: هل القتل حل لأزمة الكلاب الضالّة؟
تعود قضية الكلاب الضالّة في العراق إلى واجهة الجدل العام، بعدما أطلقت السلطات المحلية في عدد من المدن حملات مكثّفة للقضاء عليها، مستخدمةً الرصاص والسموم، في مشهد أثار انقساماً حاداً بين من يرى في هذه الإجراءات ضرورةً لحماية الأرواح، ومن يعتبرها ممارسات قاسية وغير إنسانية تنتهك مبادئ الرفق بالحيوان وتكشف غياب الحلول المستدامة.
عمليات قتل واسعة تحت مبرر الأمن العام
باشرت فرق البلديات في عدة مدن عراقية، ترافقها قوات من الشرطة المحلية، بتنفيذ عمليات قتل عشوائية للكلاب الضالّة، شملت إطلاق النار المباشر وتسميم الطعام، وذلك عقب تكرار حوادث هجوم الكلاب على المارّة داخل الأحياء السكنية والساحات العامة.
وشملت هذه الحملات العاصمة بغداد، إلى جانب مدن الموصل، والديوانية، والكوت، والبصرة، حيث وثّق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لقتل عشرات الكلاب في الشوارع، سواء على يد فرق البلدية وقوات الأمن، أو بمشاركة بعض المواطنين الذين استخدموا بنادق الصيد والأسلحة الخفيفة، إضافة إلى ملاحقة الكلاب داخل المناطق السكنية ومكبات النفايات.
هجمات دامية وإصابات بداء الكلب
ووفقاً لمصادر طبية عراقية، سُجّلت خلال الأيام الأخيرة أكثر من 20 هجوماً لكلاب ضالّة في مدن مختلفة، طاولت مواطنين بينهم أطفال.
وأسفرت هذه الهجمات عن وفاة شاب يعمل سائق توصيل طلبات، وإصابة 11 آخرين بجروح متفاوتة، ثبتت إصابة عدد منهم بداء الكلب، وهم يتلقّون علاجاً مكثفاً في مستشفيات متخصّصة.
ويقول مسؤول طبي في وزارة الصحة العراقية، فضّل عدم الكشف عن اسمه لموقع العربي الجديد، إن:"الكلاب الضالّة تحوّلت إلى مشكلة اجتماعية متفاقمة، نتيجة تضاعف أعدادها خلال الفترة الأخيرة وظهور سلالات شرسة وناقلة للأمراض"، مؤكداً أن:"الفرق الطبية ليست مسؤولة عن عمليات قتل الكلاب أو عن الأساليب المستخدمة، إذ إن تنفيذ هذه الإجراءات يقع على عاتق فرق البلديات والشرطة المحلية".
اتهامات باستخدام وسائل "غير إنسانية"
في المقابل، عبّر ناشطون في مجال حقوق الحيوان عن صدمتهم من طبيعة الأساليب المستخدمة، مؤكدين أن قوات الأمن والبلديات تلجأ إلى وسائل "وحشية"، تشمل استخدام بنادق الصيد والأسلحة الرشاشة، فضلاً عن وضع أنواع مختلفة من السموم في الطعام الملقى داخل مكبات النفايات والساحات العامة، ما يؤدي إلى تعذيب الكلاب قبل نفوقها.
ويؤكد الناشط البيئي أحمد خميس تسجيل حالات قتل "غير إنسانية" لعشرات الكلاب، مشيراً إلى استخدام بنادق كلاشنكوف ومسدسات، إلى جانب التسميم، فضلاً عن لجوء بعض المواطنين إلى قتل الكلاب بطرق عشوائية، في ظل غياب رقابة واضحة.
انقسام شعبي حاد
ورغم وجود شبه إجماع شعبي على خطورة ظاهرة الكلاب الضالّة، لا سيما بعد تكرار الهجمات، إلا أن الشارع العراقي منقسم بشدة حول طريقة المعالجة.
فبينما يرى بعض المواطنين، خصوصاً أهالي الضحايا، أن الأهم هو إنهاء الخطر "مهما كانت الطريقة"، يشدد آخرون على أن ما يجري يمثل حلولاً بدائية وغير حضارية.
وتصف هناء فضل، المقيمة في بغداد، مشاهد القتل بأنها "صادمة وغير إنسانية"، قائلة إن:"جثث الكلاب باتت تُشاهد متناثرة في الشوارع"، معتبرة أن أسلوب التعامل مع المشكلة “متخلّف ولا يرقى إلى حلول الدول المتقدمة.
دعوات لحلول علمية وإنسانية
ومن جهتها، حذّرت رئيسة منظمة "رفقة" المعنية بحقوق الحيوان، آلاء كريم، من تفاقم الأزمة، مشيرة إلى أن الكلاب تتكاثر بسرعة كبيرة، إذ تبدأ بالتكاثر بين عمر سبعة إلى عشرة أشهر، ويمكنها التزاوج مرتين سنوياً، ما ينتج نحو 12 جرواً في كل مرة، وهو ما يؤدي إلى انفجار عددي حقيقي.
وأضافت أن:"التغيرات البيئية، مثل الجفاف والتصحر، دفعت الكلاب إلى النزوح نحو المدن، في حين ساهم انتشار النفايات في توفير مصادر غذاء لها، ما زاد من أعدادها".
وأكدت أن:"الحلول التقليدية القائمة على القتل "غير إنسانية وغير حضارية"، وتمثل شكلاً من أشكال العنف المجتمعي، داعية إلى اعتماد بدائل علمية تشمل تطعيم الكلاب ضد داء الكلب، وتعقيمها للحد من التكاثر، وإنشاء مراكز إيواء متخصصة، على غرار التجربة التركية.
وأوضحت أن:"هذه الإجراءات تضمن حماية الإنسان وتحافظ في الوقت نفسه على التوازن البيئي، مشيرة إلى أن الكلاب المعقّمة والمطعّمة تصبح أكثر هدوءاً وأقل خطورة، وتحمل أرقاماً تعريفية، ما يتطلب توعية المواطنين بعدم التعرض لها".
مفارقة قانونية
وتبرز المفارقة في أن السلطات الأمنية العراقية كانت قد أعلنت، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، صدور أوامر قضائية بملاحقة المسيئين للحيوانات، عقب تداول مقاطع مصوّرة لتعذيب قطط وكلاب وطيور، مؤكدة حينها إلقاء القبض على أشخاص تورطوا في ممارسات عنيفة بحق الحيوانات.
وخلال السنوات الماضية، طالب ناشطون بإقرار قانون شامل ينظّم أساليب التعامل مع الحيوانات، ويشدد العقوبات على جرائم قتلها أو تسميمها، في ظل غياب إطار قانوني واضح يوازن بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان.
أزمة بلا حل جذري
وبين الرصاص الذي تراه السلطات حلاً سريعاً، والرحمة التي ينادي بها الناشطون كخيار مستدام، تبقى أزمة الكلاب الضالّة في العراق مثالاً صارخاً على غياب التخطيط طويل الأمد. فالمعالجة الأمنية وحدها قد تُخفف الخطر مؤقتاً، لكنها لا تُنهي المشكلة من جذورها، في وقت يزداد فيه الضغط الشعبي للمطالبة بحلول أكثر إنسانية، تضمن سلامة المواطنين وتحفظ في آن واحد الحد الأدنى من التوازن البيئي والكرامة للحيوانات.
