عين الأسد بيد الجيش العراقي… والحرير مركز الوجود الأميركي المتبقي
تتجه الأنظار في العراق إلى التحولات المتسارعة في خريطة الوجود العسكري الأميركي، عقب الإعلان الرسمي عن الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار غربي البلاد، أكبر القواعد الأميركية سابقاً، وتسليمها بالكامل إلى الجيش العراقي، في خطوة تمثل محطة مفصلية ضمن اتفاق الانسحاب المبرم بين بغداد وواشنطن.
وبحسب وزارة الدفاع العراقية، تولّت القوات العراقية الإدارة الكاملة لقاعدة عين الأسد، بعد إخلائها نهائياً من الجنود والمستشارين والمتعاقدين الأميركيين، فضلاً عن انسحاب جميع المعدات والآليات والمنظومات الدفاعية والهجومية منها.
وأكد البيان أن رئيس أركان الجيش، الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يارالله، أشرف ميدانياً على توزيع المهام وتنظيم انتشار القطعات العسكرية، وترتيب المفاصل الإدارية واللوجستية للقاعدة، مع توجيه برفع الجاهزية القتالية والأمنية.
وأفاد ضباط في الجيش العراقي بأن القوات العراقية تسلمت كامل البنى التحتية والخدمية للقاعدة، وباتت تتولى جميع الجوانب الإدارية واللوجستية، مؤكدين أن، القاعدة أصبحت بأيدٍ عراقية بالكامل، ولا يوجد فيها أي وجود أجنبي من جنود أو مستشارين أو متعاقدين.
في المقابل، برزت قاعدة الحرير في محافظة أربيل بإقليم كردستان العراق بوصفها مركز الثقل الأبرز المتبقي للوجود الأميركي في البلاد، بعد نقل القوات والمعدات إليها خلال الأسابيع الماضية، في إطار خطة البقاء حتى نهاية العام الجاري.
ونقل موقع "العربي الجديد" عن مصادر أمنية وسياسية في أربيل أن، الموجودين حالياً في قاعدة الحرير هم فريق من المستشارين والخبراء فقط، يزيد عددهم على 200 شخص، ولا يضمون أي قوات قتالية أو عناصر متخصصة بالهجمات البرية أو الجوية.
وأوضحت المصادر أن هؤلاء يقدمون خدمات استشارية وتدريبية وتقنية لقوات النخبة في البيشمركة، مع توقعات بتراجع أعدادهم خلال الأشهر المقبلة.
ويأتي هذا التطور ضمن اتفاق الانسحاب التدريجي الموقع عام 2024 بين بغداد وواشنطن، والذي ينص على مرحلتين: الأولى انتهت في ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد أن كان مقرراً لها سبتمبر/أيلول 2025، فيما تمتد المرحلة الثانية حتى سبتمبر/أيلول 2026، على أن يشمل الانسحاب في نهايته جميع المستشارين والقوات المتبقية، ما لم تطرأ تفاهمات جديدة أو تمديد مستقبلي.
وقال مسؤول أمني من أربيل للعربي الجديد أيضا، إن انتقال فريق المستشارين من عين الأسد إلى الحرير يمثل تقدماً عملياً في تنفيذ الاتفاق، مشيراً إلى أن تركيز التدريب والدعم بات موجهاً نحو قوات البيشمركة حتى نهاية العام الجاري.
وأضاف أن مؤشرات الكفاءة باتت واضحة لدى القوات العراقية، سواء في الجيش أو البيشمركة، ولم تعد هناك حاجة لوجود قوات قتالية أجنبية، لكنه حذر في الوقت نفسه من مخاوف حقيقية لدى سلطات الإقليم من احتمالات تعرض قاعدة الحرير لهجمات صاروخية من قبل فصائل مسلحة تنشط في بغداد ونينوى وكركوك.
ويرى مراقبون أن الوجود الأميركي في قاعدة الحرير قد يمتد لسنوات، لأسباب تتجاوز محاربة ما تبقى من تنظيم "داعش"، من بينها الغطاء السياسي الذي يوفره إقليم كردستان، حيث تنظر حكومة الإقليم إلى هذا الوجود بوصفه عاملاً ضامناً للتوازن الأمني والسياسي، بخلاف الحكومة الاتحادية التي واجهت ضغوطاً كبيرة من الفصائل المسلحة لإنهاء الوجود الأجنبي.
و كما تُعد قاعدة الحرير منصة لوجستية أساسية لدعم العمليات الأميركية في شمال شرق سورية.
ومن جانبه، قال أستاذ الدراسات الأمنية في معهد الدوحة للدراسات العليا، مهند سلوم للعربي الجديد، إن قاعدة الحرير لا يمكن اعتبارها الموقع الأميركي الوحيد المتبقي، لكنها تمثل مركز الثقل الأخير والأكثر تحصيناً، رغم إخلاء قواعد رئيسية.
وأوضح أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بنقاط ارتكاز أخرى، أبرزها مركز الدعم الدبلوماسي في مطار بغداد الدولي، الذي يوفر الإسناد الأمني واللوجستي للسفارة الأميركية، إضافة إلى مراكز عمليات مشتركة صغيرة داخل مقرات عراقية لأغراض التنسيق الاستخباري، وهي لا تُصنف كقواعد عسكرية تقليدية لكنها تشكل وجوداً فعلياً.
وأضاف سلوم أن، قاعدة الحرير باتت تشكل القلعة الاستراتيجية المتبقية داخل إقليم كردستان، بعيداً عن الاحتكاك المباشر مع الفصائل المسلحة الناشطة في وسط وجنوب وغرب العراق، مؤكداً أن الانسحاب منها يعني عملياً خنق الوجود الأميركي في سورية، وهو خيار لا يبدو مطروحاً حالياً في ظل التنافس الجيوسياسي مع النفوذين الإيراني والروسي.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد توترات إقليمية متصاعدة، ومخاوف من انزلاق العراق إلى صراع أوسع، بالتزامن مع التصعيد الأميركي ضد إيران ونفوذ حلفائها داخل البلاد، ما يجعل ملف الوجود العسكري الأميركي أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد العراقي الراهن.
وبين تسلم الجيش العراقي الكامل لقاعدة عين الأسد، وانكفاء الوجود الأميركي إلى نقاط محدودة أبرزها قاعدة الحرير والسفارة في بغداد، يدخل العراق مرحلة جديدة من إعادة تعريف العلاقة الأمنية مع واشنطن.
مرحلة تبدو محكومة بتوازنات داخلية وضغوط إقليمية، وبسؤال مفتوح حول ما إذا كان هذا الانسحاب سيقود إلى استقرار مستدام، أم إلى تحديات أمنية أكثر تعقيداً في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
المصدر: وكالة المطلع + موقع العربي الجديد.
كلمات مفتاحية
- الوجود العسكري الأميركي بالعراق
- قاعدة عين الأسد
- اربيل
- قاعدة الحرير
- تقارير عربية ودولية
- بغداد
- العراق
- واشنطن
- التحالف الدولي
