كابول... دراما فرنسية تكشف مأساة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان + فيديو
أتينا إلى كابول للقضاء على طالبان لكننا نرحل الآن ومعنا الكثير من الأيتام. قد تلخص هذه العبارة البليغة، التي وردت على لسان ممثل يجسد دور دبلوماسي إيطالي، الكثير من الإشارات السياسية التي حفل بها مسلسل "كابول" الذي أنتجه التلفزيون الفرنسي هذا العام، ولقي عرضه إشادة في بعض وسائل الإعلام الأوروبية.
ويتفرد المسلسل عن غيره بأن نقده يسير في مسارين متوازيين، كي لا يطغى السياسي على الفني، أو يغطي الفني على الرسائل السياسية الضمنية التي تحفل بها أحداث العمل، والحوارات على ألسنة أبطاله، ما يصنفه كواحد من أفضل المسلسلات التي حاولت الجمع بين الجزء التسجيلي والدراما الإنسانية التي أنتجت مؤخرا.
ويتعرض العمل لنجاح مقاتلي حركة طالبان في السيطرة على العاصمة الأفغانية كابول عام 2021، وإنهاء ما يقرب من 20 عاما من الاحتلال الأميركي، ويصور ما ترتب على عودة طالبان إلى كابول من تداعيات، كمحاولة هروب آلاف الأفغان الذين يخشون السياسات الرجعية المتشددة التي جربوها خلال حكم طالبان في وقت سابق، أو من خدموا القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي، وجهود الدبلوماسيين الغربيين في تأمين خروج أجانب كانوا في أفغانستان حتى ذلك الوقت، ومعهم عدد من الأفغان الهاربين من حكم طالبان.
الشخصيات الرئيسية
تدور أحداث المسلسل حول عائلة بكر التي تضم زوجته زهرة، وهي مدّع عام في أفغانستان تتشدد في أحكامها ضد عناصر طالبان، ما جعلها هدفا لهم فور استيلائهم على كابول، وابنه فضل الجندي السابق في الجيش الأفغاني، وتعاون مع المخابرات المركزية الأميركية للعمل كجاسوس على عين الله بخش أحد قادة تنظيم داعش في كابول، وابنته أمينة وهي طبيبة شابة تعمل في مستشفى وترتبط بخطوبة مع زميلها وترفض الهرب في البداية، ثم تقرر ذلك لاحقا، بعدما شعرت بأن طالبان لن تسمح للسيدات بالعمل، وتصطحب معها نوريا وهي طفلة يتيمة كانت إحدى مرضاها في المستشفى ونمت بينهما علاقة إنسانية.
وفور سيطرة الحركة على كابول يقرر بكر وزهرة اللجوء إلى السفارة الفرنسية باعتبارهما يملكان تأشيرة سارية، ويطلبان من السفير ورئيس الأمن جيل تدبير خروجهما إلى باريس، ويحاولان إقناع ولديهما لكن أمينة ترفض في البداية، وفضل يقرر البقاء للنضال ضد عناصر طالبان.
وبعد أحداث كثيرة ينجح بكر وزهرة في الوصول إلى المطار، وقبل أن يستقلا الطائرة الحربية التي تنقل الأفغان يتلقى بكر اتصالا من أمينة تعلمه فيه بأنها واقفة خارج المطار، فيطلب من زهرة المغادرة ويعدها بأنه سيلحق بها بعد أن يجلب أمينة التي لا تملك تأشيرة.
وتنشر منصة المطلع ميديا فيديو يتحدث عن تفاصيل المسلسل:
للمشاهدة اضغط هنا
وهناك جيوفاني، وهو دبلوماسي إيطالي حديث العهد يكلفه السفير بالبقاء لمتابعة تنظيم هروب الأفغان من حاملي التأشيرة الإيطالية، قبل أن يهرب السفير مع بقية طاقم السفارة الأعلى رتبة، لكن جيوفاني يبلي بلاء حسنا ويقدم نموذجا رائعا للإنسانية الأوروبية في مساعدة مئات الأفغان.
وهناك أيضا جيل رئيس الأمن في السفارة الفرنسية الذي يتحمل مسؤولية ترحيل الأفغان من مقر السفارة إلى حين وصولهم الى المطار بأمان، ثم تسفيرهم إلى الخارج، وأخيرا فيرا وهي عميلة ألمانية تعود إلى كابول لإنقاذ الجنرال حسن، وهو قائد في الجيش الأفغاني الذي خسر المعركة أمام طالبان.
عجرفة أميركية
ويحفل المسلسل بالكثير من المعاني السياسية، معظمها يحوم حول لوْم الأميركيين على ما حدث في كابول، ويصوّر عجرفتهم وتكبرهم وسوء تقديرهم الذي لم تنتج عنه فقط هزيمتهم ونجاح طالبان في استعادة الحكم، وإنما تسبب أيضا في معاناة عشرات الآلاف من الأفغان والأجانب الذين عاشوا في رعب وهم يحاولون الهرب من كابول، بينما يطاردهم مقاتلو طالبان، وانتحاريي تنظيم داعش.
ومن بين أبرز الإشارات إلى ذلك اقتصار المشاهد التي تبين الجانب الإنساني على الأوروبيين فقط دون الأميركيين، فهناك الدبلوماسي الإيطالي جيوفاني الذي يجوب المطار ويهين نفسه ليجد أبوي طفل أفغاني وجده أمامه، ويصر على اصطحابه معه إلى إيطاليا كي يعثر على أهله، وجيل رئيس الأمن في السفارة الفرنسية الذي يخاطر بحياته لإنقاذ أفغان لجأوا إلى السفارة بحثا عن خروج آمن من البلاد، فضلا عن عميلة المخابرات الألمانية فيرا التي تعود من بلدها وتخاطر بحياتها لإنقاذ الجنرال الأفغاني حسن لأنه أنقذ حياتها وجنود غربيين آخرين قبل سنوات.
وحرص كاتبا السيناريو (أوليفييه ديمانجيل وتوما فانكي لكروت) على تصوير صلافة الضباط والجنود الأميركيين خلال عمليات الإجلاء، ليس فقط مع الأفغان وإنما مع الدبلوماسيين الأجانب الذين يحاولون المساعدة، فالقائد الأميركي المسؤول عن عمليات الإجلاء يخبر فيرا بأنه غير مسؤول عن تأمين مهمتها، وعليها أن تواجه مصيرها إذا رغبت في إنقاذ الجنرال حسن، الذي يشتبك مع جيوفاني الإيطالي عندما يصر على اصطحاب جميع الأفغان الذين لجأوا إلى السفارة الإيطالية على الطائرات المغادرة، وهناك جنود أميركيون يرفضون طلبات أوروبيين بفتح أبواب المطار لإنقاذ المزيد من الأرواح.
مصير داكن
ويتضمن المسلسل عشرات الجمل الحوارية ذات المغزى السياسي، مثل جملة فضل الذي يعمل مع المخابرات الأميركية ضد طالبان وداعش، حيث يقول واصفا الأميركان:"لا أحد ينقذنا وإنما يستعملوننا فقط"، وجملة أمه زهرة أن:"الغرب لا ينقذ إلا من يخدمه"، وعبارة فيرا ردا على القائد الأميركي المتعجرف "أتيت لإجلاء البشر لا لتصنيف الإنسانية".
ولم تخل العبارات الإنسانية من توضيح لطبيعة الحياة البائسة التي تنتظر المهاجرين الأفغان في أوروبا، وبدا ذلك متعمدا لعدم تشجيع فكرة الهجرة لدى راغبي الهجرة في دول العالم الثالث، فخطيب أمينة الذي يرفض الهرب معها يذكرها بأنها طبيبة محترمة في بلادها، وما ينتظرها في فرنسا وظيفة ممرضة على أحسن تقدير، والجنرال حسن يتحدث عن قريب له كان يعمل مؤرخا معتبرا لفترة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وهرب إلى الخارج بعد سيطرة طالبان الأولى على البلاد، ويعمل نادلا في مطعم ألماني.
وتبرز تلميحات عن مصير من يتركون بلادهم، في تفرق أفراد أسرة بكر وزهرة وتشتت شملهم، بعدما ظهروا في الحلقة الأولى كأسرة مترابطة يتناولون الطعام مع بعضهم البعض يوميا، وبعد أن قرروا الهرب تسافر زهرة إلى باريس بمفردها، وتجد أمينة فرصة للسفر إلى ألمانيا بمساعدة فيرا لأنها لا تملك تأشيرة فرنسية، بينما يصطحب ضابط المخابرات الأميركية فضل معه إلى فيرجينيا، حيث مقر السي آي إيه، ويعود بكر الأب وحيدا إلى منزله بعد أن تضرر من انفجار المطار وتم نقله إلى مستشفى، بقي فيه حتى رحلت كل الطائرات خارج البلاد ولم يبق أحد في المطار.
إبداع إخراجي

وعكس المسلسل اجتهادا واضحا من فريق العمل، كتّاب السيناريو والمخرجتان البولنديتان كاسيا أداميك وأولغا خيجداس، بداية من تجهيز أماكن التصوير لتبدو وكأنها في أفغانستان، خصوصا المطار وما حوله، ومن فرط اهتمام المخرجتين بالتفاصيل حرصتا على توجيه واستخدام الكاميرات لتصوير مناظر قطعية تبعد عن أعين المشاهدين أي ملمح أوروبي قد يظهر من بعيد حول المطار المهجور.
ونجحت المخرجتان في توظيف الإضاءات لتساهم في توصيل مشاعر الأفراد داخل العمل، مثلما فعلتا في مشهد مغادرة زهرة في الطائرة بمفردها، بعدما طلب منها زوجها بكر المغادرة وبقاءه ليبحث عن ابنتهما أمينة، وقدمت الإضاءة شعورا جارفا بما كانت تعانيه زهرة، لمجرد تصويرها داخل الطائرة وهي تتابع زوجها بنظراتها من باب الطائرة الحربية وهو يغلق ببطء، حتى تغرق الطائرة وزهرة داخلها في الظلام، في إشارة إلى شعورها بمواجهة المجهول دون زوجها.
ورغم أن المسلسل من إنتاج التلفزيون الفرنسي، إلا أن هناك "11" دولة أوروبية ساهمت في إنتاجه، وتم تصوير حلقاته الست في مطار هيلنكوين المهجور في اليونان، كأقرب الأماكن التي عثر عليها فريق الإنتاج حالة تشبه مطار حامد قرضاي في كابول الذي يحتضن جانبا كبيرا من أحداث العمل، وتكلف إنتاجه حوالي "20" مليون يورو، والعمل هو فكرة المنتجة الفرنسية فابيان شرايفر التي استقتها من مشاركتها في إجلاء عشرات الأفغان من كابول بعد سيطرة طالبان عليها.
وحسب موقع "فرانس تي في برو" التابع للتلفزيون الفرنسي، كانت شرايفر في إجازة في اليونان خلال أغسطس 2021، عندما تلقت بريدًا يدعو إلى مساعدة فنانين أفغان، فوجدت نفسها منخرطة مباشرة في تنسيق عمليات الإخلاء، وساهمت في نقل فنانين وأطباء أفغان كانوا مهددين بالخطر في كابول إلى خارج البلاد بالتعاون مع السلطات الفرنسية والدولية، ما أشعل شرارة فكرة إنتاج المسلسل.
