لاجئو العراق في إدلب: آلاف العائلات المنسية على هامش المأساة السورية
يعيش آلاف اللاجئين العراقيين في شمال غرب سورية أوضاعاً إنسانية صعبة، في ظل غياب شبه تام لأي دعم رسمي من الحكومة العراقية، ووسط مخاوف أمنية تحيط بعودتهم إلى بلادهم.
وتقدّر منظمات إنسانية عاملة في محافظة إدلب ومحيطها وجود أكثر من أربعة آلاف أسرة عراقية لجأت إلى المنطقة منذ عام 2016، موزّعة بين مدن وبلدات مثل أريحا وسرمين وسلقين وأطمة وحارم ودير حسان وقاح، بالإضافة إلى مركز إدلب وريفها الشمالي، وصولاً إلى مناطق في ريف حلب، أبرزها أعزاز، وعدد من المخيمات مثل إكده والكومنه والدانة.
وتُشير شهادات عدد من هؤلاء اللاجئين إلى أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تُدرجهم في أي من برامج العودة الطوعية التي نُفّذت بالتعاون مع دول مثل الأردن وتركيا ولبنان ومصر، ما أبقى مصيرهم معلقاً منذ قرابة عقد من الزمن. ويقول بعضهم إن ملفهم يُعامَل من قبل السلطات العراقية على أنه "أمني"، باعتبارهم قادمين من مناطق سبق أن خضعت لسيطرة تنظيم "داعش"، وهو ما ينفيه كثير منهم، مؤكدين أن غالبيتهم فرّوا من النزاع، لا من المشاركة فيه.
تصنيفات لاجئين وهروب من العنف
يتحدر معظم هؤلاء العراقيين من محافظات الأنبار ونينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى وبغداد، ومعظمهم من المكوّن السنّي، وقد لجأوا إلى سورية عبر طرق غير تقليدية بعد تعرّض مناطقهم لاجتياح التنظيم عام 2014 وما تلاه من أعمال عنف.
وبحسب تقرير "العربي الجديد"، الذي تابعته وكالة المطلع، اختار كثير من هؤلاء طريق العبور إلى تركيا عبر سورية، نظراً لصعوبة الوصول المباشر من العراق إلى تركيا، غير أن الإغلاق المفاجئ للحدود التركية-السورية في أواخر 2016 حال دون دخولهم، ليجدوا أنفسهم عالقين في إدلب.
وتحدث لاجئون عن خشيتهم من العودة إلى العراق بسبب ما وصفوه بخطر الملاحقة أو الانتقام، مشيرين إلى حالات اختفاء وخطف حصلت في مناطق عراقية مثل الرزازة وبزيبز والصقلاوية وغيرها، على يد مجموعات مسلّحة خلال موجات النزوح. وتقول عائلات إن أقارب لها كانوا ضحايا "التغييب على الهوية"، فيما بقي مصير آلاف المفقودين مجهولاً حتى اليوم.
مبادرات محدودة ومعاناة متفاقمة
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أطلقت السلطة المحلية في إدلب برنامجاً إحصائياً لتنظيم أوضاع العراقيين هناك، شمل منحهم أوراق تعريف، وتثبيت عناوين سكن، وتمكين أطفالهم من الالتحاق بالمدارس السورية. ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن التحديات اليومية تبقى أكبر، في ظل قلة المساعدات المخصصة لهم، واعتماد المنظمات الإغاثية الدولية تركيزها على اللاجئين السوريين.
وقد أدّى هذا الواقع إلى نشوء مبادرات مجتمعية ذاتية، من أبرزها "منظمة الرافدين" و"منظمة دجلة"، أسّسها لاجئون عراقيون بهدف مساعدة أبناء مجتمعهم، غير أن هذه الجهود اصطدمت بتراجع عام في الدعم بعد زلزال شباط 2023 الذي خلّف دماراً واسعاً في جنوب تركيا وشمال سورية.
أوضاع صحية ومعيشية مزرية
في مخيم إكده، الذي يقطنه مئات العراقيين قرب الحدود التركية، يتحدث السكان عن غياب الرعاية الصحية وانتشار الأمراض وسوء التغذية، حيث تشير شهادات إلى أن معدل الوفيات يبلغ ثلاثة أشخاص أسبوعياً، فيما تعتمد العائلات على أعمال شاقة ذات أجور زهيدة، مثل قطف الزيتون والعمل في الحقول.
وتقول أم محمد، وهي لاجئة في العقد السابع من العمر، إنها لم تأكل اللحم منذ أشهر، وتعيل أحفادها بعد فقدان زوجها وابنها. أما محمد السلماني، شاب عراقي في التاسعة عشرة، فيصف حياته بـ"المعدومة"، مؤكداً أنه فكر بالانتحار أكثر من مرة بسبب شدة البؤس، لكنه تراجع تحت ضغط والدته وشقيقاته.
العودة محفوفة بالمخاطر
تحوّل الحديث عن العودة إلى العراق إلى مصدر قلق دائم بالنسبة للعائلات العراقية في إدلب، خاصة بعد توقيف بعض العائدين فور وصولهم إلى الأراضي العراقية.
ويتحدث لاجئون عن توقيف نساء ورجال، بينهم كبار في السن، فور عبورهم الحدود، بسبب علاقات أو انتماءات مفترضة لأفراد من أسرهم لتنظيم "داعش".
ويرى ناشطون في إدلب، من بينهم وائل جابر، أن غياب أي مبادرة عراقية رسمية لاستقبال هؤلاء اللاجئين وتقييم أوضاعهم زاد من تعقيد الأزمة، داعين إلى خطوات عملية تبدأ بنقل النساء والأطفال إلى العراق، مع تدقيق ملفات الرجال الراغبين بالعودة.
مناشدات للمجتمع الدولي
في ختام التقرير، يوجّه عدد من اللاجئين والمنظمات المحلية مناشدات إلى المجتمع الدولي، ولا سيما المنظمات الإنسانية العربية والإسلامية، لتقديم الدعم الطبي والغذائي والتعليمي. ويقول رياض محمد، المدير السابق لمنظمة الرافدين، إن الأوضاع "تستدعي تدخلاً عاجلاً"، محذراً من تفاقم الكارثة الإنسانية التي تطال آلاف الأطفال والأرامل.
وبين المآسي اليومية، تبرز معاناة هؤلاء العراقيين بصفتهم لاجئين منسيين في بيئة تعاني أصلاً من أزمات مركّبة، ما يجعلهم في نظر مراقبين "لاجئين من الدرجة الثانية" لا تشملهم لا حماية دولتهم ولا أولويات المجتمع الدولي.
