المطلع
عاجل

post-image

من بريق الذاكرة إلى غبار النسيان... الحِرَف العراقية تلفظ أنفاسها الأخيرة


01:45 تقارير عربية ودولية
2025-12-21
50828

في عراقٍ يزداد تغيره الاجتماعي والاقتصادي، يحكي حرفيون قدامى عن وجع فقدان مهنٍ توارثوها أجيالاً مثلما يُورَّث الاسم، كانت تمثل هويتهم ومصدر رزقهم، لكنها اليوم تواجه الانقراض أمام تفضيلات الأبناء الذين يرون أن التعليم والوظيفة المكتبية طريق المكانة، لتصبح الورش رموزاً لماضٍ يوشك أن يُنسى.

مهن مثل الإسكافي، ودباغ الجلود، وصانع الكوز والفخاريات، وجامع الملح وغيرها، لم تعد تستهوي الأبناء، بين مَن يعتبرها "مَعيبة" أو تنطوي على "تقليلٍ للشأن"، ومن يرى أن التطور التكنولوجي هو ما دفع إلى اندثارها. لتضيع ذاكرة مهنٍ شكّلت تاريخ المدن العراقية.

ورغم أن التغيّر الاجتماعي والاقتصادي يشكل جزءاً من تطور الزمن، لكن تراجع بعض المهن المعروفة ترك أثراً عميقاً، نظراً إلى ارتباطها بالماضي القريب، ولعلاقتها الوثيقة بحياة الناس.

وجاء في تقرير للعربي الجديد وتابعته "المطلع" أن "يعود محل مهدي أبو فراس لتصليح الدراجات الهوائية الواقع في منطقة الميدان بالعاصمة بغداد إلى عام 1972، ويقول إنّه افتتح محله حين كان عمره 20 سنة، بعد أن تعلم المهنة من والده، ويقول لـ"العربي الجديد"، إن تلك المهنة كانت كل حياته،  فقد مكّنته من امتلاك منزل وبناء أسرة، ومثلما تعلّم المهنة من والده، كان يتوقع أن يرثها أولاده الأربعة، لكن كل واحد منهم شقّ طريقه بعيداً. "يقولون إنّ العمل في تصليح الدراجات معيبٌ بالنسبة لهم بعد أن ضمنوا وظائف جيدة".

في حي آخر من بغداد، يمارس عادل الربيعي (62 سنة) مهنة تصليح المواقد والمدافئ، وهي المهنة التي يختزلها بكونها "مهنة العائلة". لكن المهنة المتوارثة يبدو أنها انتهت داخل أسرة الربيعي، والذي يقول لـ"العربي الجديد": "منذ أن كان أولادي صغاراً وهم يعملون في المحل، ويعرفون أسرار المهنة، لكن بعد تخرجهم من الجامعات، اختار كل منهم طريقه بعيداً عنها. ابني الكبير يشكو من أنها مهنة متعبة ومردودها قليل، وأن العالم تطور، ولم يعد المواطنون يعتمدون هذا النوع من المواقد والمدافئ، أما أولادي الثلاثة الآخرون فبات لكل منهم وظيفة في شركات حكومية، ويرون في ممارسة هذه المهنة إحراجاً أمام أصدقائهم".
وعلى الرغم من أن مهدي على قناعة تامّة بأن مهنته لم تعد تكفل متطلبات الأسرة وطموح الشباب الساعي إلى نيل وظيفة مرموقة، لكنه يقول: "مَن لا يعرف قيمة المهنة، لن يعرف قيمة الحياة. كنا نعيش من تعب جبيننا، واليوم يبحث أبناؤنا عن الوظيفة لأنها أسهل".

الأمر ذاته يعانيه الحاج حميد الراضي (68 سنة)، والذي يقول لـ"العربي الجديد"، إنّه وُلد وعاش وسط ورش الفخاريات، وصار يقضي أيامه في ابتكار الأواني، لكنها لم تعد مُجدية كما كانت سابقاً، وذلك نتيجة منافسة المستورد الرخيص، بالإضافة إلى اختلاف أذواق الناس ومتطلباتهم.

ورث الراضي المهنة عن والده وأجداده، ويضيف: "ترك أولادي المهنة، وهم على قناعة أن لا أرباح ولا مستقبل فيها، عذرهم أن زمن الفخار انتهى، وأن الناس أخذت تشتري المواد المشابهة المصنوعة من البلاستيك والمعدن". وبنبرةٍ يغلب عليها الأسى، يواصل حديثه وكأنه يودّع شيئاً من ذاته، ويقول إنّ أبناءه يحترمونه، لكنّهم لا يرون في عمله إلا رمزية الماضي، مؤكداً أنّ "العالم تغيّر، ولا يمكن إنكار ذلك، لكن جذورنا تكمن في هذه المهنة. أشعر بأنّني سأموت إن لم أواصل ممارستها".
ومع أن قصص هؤلاء الحرفيين تتشابه في تفاصيلها، لكن ما يجمعها هو الإحساس العميق بفقدان "الهوية الحرفية" التي شكّلت جزءاً من الثقافة العراقية، فالمجتمع الذي كان يفاخر بالصناعات اليدوية، صار يرى فيها بقايا زمنٍ مضى.   
تلك الجذور التي بدأت تتآكل، يلمسها علاء عبد الله (28 سنة)، ويروي قصته لـ"العربي الجديد" قائلاً: "يصلّح والدي الساعات منذ أكثر من 40 عاماً، وقد ورث المهنة عن جدّي، وكان محله دائماً يعجّ بالزبائن الذين يقصدونه إما لتصليح ساعاتهم أو تقييمها أو بيعها. أحبّ مهنة والدي، ولديّ خبرة جيدة فيها، وكنت أتمنى أن أكون (ساعاتي)، وهو اللقب الذي يُطلق على والدي وجدّي، لكن المهنة تتراجع، ولم يبقَ من أربابها سوى عدد قليل. الساعات العمودية والجدارية والمنضدية وساعات الجيب ذات المنشأ الأوروبي لم تعد مرغوبة حالياً، حتى الساعات اليدوية بات قليلون يرتدونها، وللزينة فقط، بعد أن انعدمت ضرورتها مع وجود الهواتف المحمولة".

في مواجهة هذه القصص، يرى الباحث في التراث الشعبي ستار البغدادي، أن ما يجري، وعلى الرغم من أنه تغيّر في أسلوب الحياة يستمر على مدى الأزمنة، لكنه من جانب آخر يترك ألماً في الذاكرة الاجتماعية.

ويقول البغدادي "كانت المهن اليدوية القديمة تمثل روح المدينة العراقية، وكانت الأسواق تزدهر بها، من صنّاع النحاس إلى الفخّارين وروافي الملابس (تصليح الملابس) وغيرها من المهن، بينما اليوم لم يبقَ سوى القليل منهم، ومعظمهم في سنّ الشيخوخة". 
ويوضح البغدادي أن "ثقافة العيب لعبت دوراً كبيراً، فالجيل الجديد يبحث عن المظهر والمكانة، لا عن الحرفة، فضلاً عن أن هذه المهن لم تعد مُجدية اقتصادياً مع تطور الصناعات. وقد انقرضت مهنٌ على مرّ الأزمنة، وظهرت بدائل عنها، وهذا أمر طبيعي مع تطور الحياة. وحتى سنوات قريبة كنا نشهد مهناً لم يعد لها أي وجود حالياً، ومنها شاحذ السكاكين والأدوات الحادة، وخيّاط الفرفوري، وهو الحرفي الذي كان يصلح الأواني والقوارير الفخارية".

وعلى الرغم من أن عدم حفاظ الأبناء على مهن آبائهم وأجدادهم يؤدي إلى انقراض هذه المهن، يؤكد البغدادي أن "المهن مهما طال بها الزمن سوف تتغيّر أو تنقرض"، ضارباً المثل في مهنة الطحّان، إذ كانت تنتشر في المدن العراقية مطاحن حبوب عدة، وعلى الرغم من أن أرباب هذه المهنة يُعدّون من الأثرياء، غير أنها انقرضت مع تطوّر المجتمعات.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

الحكومة: لقاء الزيدي بترامب وضع ملامح واضحة بالعلاقة بين بغداد وواشنطن

الحكومة: لقاء الزيدي بترامب وضع ملامح واضحة بالعلاقة بين بغداد وواشنطن

2026-09-24 00:14 5330
مباحثات عراقية إيرانية بنيويورك حول الحدود والملاحة وخفض التصعيد بالمنطقة

مباحثات عراقية إيرانية بنيويورك حول الحدود والملاحة وخفض التصعيد بالمنطقة

2026-09-23 23:00 4780
اتفاق عراقي - تركي حول أمن سنجار وإدارة معسكر زليكان

اتفاق عراقي - تركي حول أمن سنجار وإدارة معسكر زليكان

2026-09-23 22:23 5101
رسائل قطرية بين طهران وواشنطن.. وإيران تضع شروطها لعودة التفاوض

رسائل قطرية بين طهران وواشنطن.. وإيران تضع شروطها لعودة التفاوض

2026-09-23 21:34 4773
أرنولد ينتقد أرضية الملعب ويتعهد بتحسين أداء العراق أمام الكويت والسعودية

أرنولد ينتقد أرضية الملعب ويتعهد بتحسين أداء العراق أمام الكويت والسعودية

2026-09-23 20:59 5031
أيمن حسين: التعادل مع عُمان مقنع وسنضرب بقوة أمام المنتخب الكويتي

أيمن حسين: التعادل مع عُمان مقنع وسنضرب بقوة أمام المنتخب الكويتي

2026-09-23 20:55 5356
نص التوصيات الخاصة لمجلس النواب بشأن أزمة الوقود

نص التوصيات الخاصة لمجلس النواب بشأن أزمة الوقود

2026-09-23 16:10 18386
"المطلع" تنشر جدول أعمال جلسة البرلمان ليوم الخميس المقبل

"المطلع" تنشر جدول أعمال جلسة البرلمان ليوم الخميس المقبل

2026-09-23 15:22 17468
مصدر مسؤول يكشف سبب توقف شركات الخدمات الأرضية عن خدمة الطائرات الإيرانية

مصدر مسؤول يكشف سبب توقف شركات الخدمات الأرضية عن خدمة الطائرات الإيرانية

2026-09-23 15:08 9278
السجن 7 سنوات بحق النائبة أشواق سالم حسن بجريمة الكسب غير المشروع

السجن 7 سنوات بحق النائبة أشواق سالم حسن بجريمة الكسب غير المشروع

2026-09-23 14:10 9647
السجن 7 سنوات بحق عالية نصيف وإلزامها برد أكثر من 61 مليار دينار

السجن 7 سنوات بحق عالية نصيف وإلزامها برد أكثر من 61 مليار دينار

2026-09-23 13:46 9498
دولة القانون: سيعلن في 30 أيلول عن سقف زمني وبرنامج بشأن حصر السلاح

دولة القانون: سيعلن في 30 أيلول عن سقف زمني وبرنامج بشأن حصر السلاح

2026-09-23 13:07 5254
صعود جديد لأسعار الذهب المحلي والأجنبي في الأسواق العراقية

صعود جديد لأسعار الذهب المحلي والأجنبي في الأسواق العراقية

2026-09-23 12:30 5162
الدولار ينخفض قليلاً في أسواق بغداد وأربيل

الدولار ينخفض قليلاً في أسواق بغداد وأربيل

2026-09-23 11:22 5618
المالية تباشر بتمويل رواتب الموظفين لشهر أيلول

المالية تباشر بتمويل رواتب الموظفين لشهر أيلول

2026-09-23 11:20 10747
الأنواء: ارتفاع جديد في درجات الحرارة

الأنواء: ارتفاع جديد في درجات الحرارة

2026-09-23 09:18 11275
الناطق باسم الحكومة يعلن لقاءً مرتقباً بين الزيدي وترامب بجدول اقتصادي

الناطق باسم الحكومة يعلن لقاءً مرتقباً بين الزيدي وترامب بجدول اقتصادي

2026-09-23 00:37 8512
الزيدي والشرع يتباحثان حول العلاقات الثنائية والتهدئة بالمنطقة

الزيدي والشرع يتباحثان حول العلاقات الثنائية والتهدئة بالمنطقة

2026-09-23 00:33 8294