من هرمز إلى جنيف… إيران تفاوض بثقة القوة واستراتيجية النفس الطويل
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في المشهد الجيوسياسي الدولي، اختُتمت أمس في جنيف السويسرية الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في إطار مسار تفاوضي يهدف إلى احتواء التوتر المتصاعد حول البرنامج النووي الإيراني ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وبينما تحدث الطرفان عن “تقدم إيجابي” وانتقال إلى مرحلة أكثر عمقاً من حيث التفاصيل الفنية، جاءت هذه الجولة وسط أجواء مشحونة بالتحركات العسكرية، والتهديدات المتبادلة، والضغوط السياسية الداخلية والخارجية، ما يجعلها محطة مفصلية قد تحدد اتجاه الأزمة خلال الأشهر المقبلة.
وتأتي هذه الجولة بعد أولى جولات المفاوضات التي استضافتها سلطنة عُمان مطلع الشهر الجاري، والتي مهدت لاستئناف الحوار بعد فترة طويلة من الجمود والتصعيد.
- جنيف: تقدم حذر نحو التفاصيل
استمرت الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة نحو ثلاث ساعات ونصف، وجرت في مقر إقامة سفير سلطنة عُمان في جنيف، حيث تبادل الوفدان الإيراني والأميركي الرسائل عبر الوسيط العماني.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات تابعتها المطلع، أن الجولة شهدت “تقدماً جيداً مقارنة بالجولة السابقة”، موضحاً أن الطرفين توصلا إلى مجموعة من المبادئ التوجيهية العامة التي يمكن أن تشكل أساساً لاتفاق محتمل.
وأضاف عراقجي أن:"المسار التفاوضي دخل مرحلة جديدة تقوم على إعداد نسختين من وثيقة الاتفاق المحتملة، يتم تبادلهما لاحقاً لمناقشة نقاط التقارب والاختلاف".
ورغم هذا التقدم، شدد عراقجي على أن:"الطريق لا يزال طويلاً، مشيراً إلى أن الانتقال إلى مرحلة صياغة النصوص يعني الدخول في مرحلة أكثر تعقيداً وحساسية، وأن التوصل إلى اتفاق نهائي “لن يكون سريعاً”.
ومن جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن المفاوضات انتقلت إلى “المرحلة الفنية”، حيث يجري التركيز على التفاصيل التنفيذية المرتبطة بملفين أساسيين:
* طبيعة ومستوى الأنشطة النووية الإيرانية.
*آليات رفع العقوبات الأميركية والضمانات الاقتصادية.
وأشار بقائي، في تصريحات تابعتها المطلع، إلى أن الوفد الإيراني يضم خبراء اقتصاديين وقانونيين وفنيين، ما يعكس أهمية البعد الاقتصادي بالنسبة لطهران، مؤكداً أن بلاده مستعدة للبقاء في جنيف لأيام أو حتى أسابيع إذا اقتضت الضرورة للتوصل إلى اتفاق.
-الموقف الأميركي: تفاؤل مشروط
في واشنطن، أقر مسؤولون بأن:"الجولة شهدت تقدماً"، لكنهم شددوا على أن:“تفاصيل عديدة لا تزال بحاجة إلى مناقشة”.
ونقلت مصادر عن البيت الأبيض أن:"الجانب الإيراني سيعود خلال أسبوعين بمقترحات تفصيلية لمعالجة الفجوات المتبقية".
وأكدت الإدارة الأميركية أن:"الدبلوماسية لا تزال الخيار المفضل لتجنب مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، في وقت تعكس فيه التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة رغبة واضحة في الحفاظ على عنصر الردع".
كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سينخرط بشكل غير مباشر في مسار المفاوضات، معتبراً أن الجولة الحالية “مهمة للغاية”، ومعبراً عن أمله في أن تتعامل طهران “بعقلانية”.
-الخطوط الحمراء الإيرانية
أكدت طهران مراراً أن مشاركتها في المفاوضات تأتي بحسن نية، لكنها تتمسك بعدة ثوابت تعتبرها غير قابلة للتفاوض، أبرزها:
* استمرار تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية دون التخلي عن القدرات النووية.
* الرفع الكامل للعقوبات الأميركية كشرط أساسي لأي اتفاق.
* حصر المفاوضات في الملف النووي فقط، دون إدراج برنامج الصواريخ الباليستية أو الملفات الإقليمية.
وترى إيران، بحسب تصريحات مسؤوليها أن:"أي قيود إضافية تتجاوز التزاماتها في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تمثل تجاوزاً لحقوقها السيادية".
- رسائل تهديد متبادلة وإيران تتحدى أمريكا وتسخر من قوتها
تحدى المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي واشنطن وقواتها، قائلاً إن: "الأخطر من حاملة الطائرات هو السلاح القادر على إغراقها في أعماق البحر"، وذلك رداً على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إرسال حاملة طائرات باتجاه إيران.
وأضاف خامنئي، في تصريحات تابعتها المطلع، أن: "ترامب يكرر القول إن الجيش الأمريكي هو الأقوى في العالم"، لكنه اعتبر أن: "أقوى جيش قد يتلقى أحياناً صفعة تجعله عاجزاً عن النهوض"، مشيراً إلى أن: "الولايات المتحدة لم تتمكن، على مدى 47 عاماً، من القضاء على الجمهورية الإسلامية".
وتابع: "هذا اعتراف جيد"… وأقول له: "لن تتمكن أنت أيضاً من القيام بذلك"، في إشارة إلى تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي.
وفي سياق متصل، انتقد خامنئي ما وصفه: "بازدواجية الموقف الأمريكي"، قائلاً إن: "واشنطن تارةً تهدد وتارةً تدعو إلى التفاوض"، معتبراً أن: "ذلك يعكس سعياً لفرض الهيمنة على الشعب الإيراني".
وأكد أن: "تحديد نتائج أي مفاوضات مسبقاً، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي، يُعد تصرفاً خاطئاً وأحمقاً"، مشدداً على: "رفض بلاده الإملاءات الخارجية".
وعلى الجانب المقابل، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة بشكل كبير خلال الأيام الماضية، في خطوة تعكس رغبتها في الحفاظ على عنصر الردع.
وشملت التحركات الأميركية نقل أكثر من خمسين طائرة مقاتلة متطورة، من طرازات F-35 وF-22 وF-16، إلى قواعد في الشرق الأوسط، إضافة إلى تعزيز الوجود البحري وحاملة طائرات إضافية في المنطقة، في رسالة مباشرة لطهران حول استعداد واشنطن لأي سيناريو محتمل.
ميدانياً، نفذت القوات الإيرانية مناورات بحرية وصاروخية في مضيق هرمز باستخدام الذخيرة الحية، فيما اعتُبر رسالة مباشرة بشأن قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.
- أبعاد دولية أوسع
وفي تطور يعكس البعد الجيوسياسي للأزمة، أعلنت روسيا أن موسكو وبكين وطهران ستشارك في مناورات بحرية مشتركة في مضيق هرمز ضمن مناورات “حزام الأمن البحري” لعام 2026.
كما أعلن الكرملين، عن استعداد روسيا لقبول فائض اليورانيوم المخصب من إيران كما سبق الإعلان، داعياً إلى عدم استباق نتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي.
وأكد الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتلقى تقارير مباشرة خلال محادثات جنيف، لكنه اعتبر أنه من السابق لأوانه إجراء أي تقييم نهائي أو مناقشة التفاصيل المتعلقة بمحادثات أوكرانيا، مشدداً على انتظار انتهاء الجولة الحالية.
وقد شارك المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في اجتماعات جنيف، حيث وصف حضوره بأنه عنصر مهم لدعم الجوانب الفنية المتعلقة بالرقابة والتحقق.
وأكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن:"الجولة انتهت بإحراز تقدم جيد نحو تحديد الأهداف المشتركة، مع خطوات متابعة واضحة قبل الاجتماع المقبل".
-الحسابات الإقليمية
تتابع دول المنطقة هذه المفاوضات عن كثب، في ظل مخاوف من انعكاسات أي تصعيد على أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
ويحظى مضيق هرمز بأهمية خاصة، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقول بحراً وخُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
كما تبدي إسرائيل تحفظات واضحة على أي اتفاق لا يشمل البرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي، معتبرة أن الملف النووي لا يمكن فصله عن بقية عناصر القوة الإيرانية.
- الخلفية الاستراتيجية: سيناريوهات النجاح والفشل
-في حال نجاح المفاوضات:
* خفض احتمالات المواجهة العسكرية في الخليج والشرق الأوسط.
* عودة تدريجية للنفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.
* استقرار نسبي في أسعار الطاقة.
* تخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية على إيران.
* فتح الباب أمام مسارات حوار إقليمية لاحقة.
- في حال فشلها:
* تصاعد خطر الضربات العسكرية المحدودة أو المواجهة المباشرة.
* تسريع محتمل للبرنامج النووي الإيراني.
* زيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
* احتمال استهداف القواعد الأميركية عبر أطراف إقليمية حليفة لطهران.
* مخاطر اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار عالمياً.
* تصاعد احتمالات المواجهة بين إيران وإسرائيل.
وتعكس جولة جنيف الثانية واقعاً معقداً تتداخل فيه الدبلوماسية مع الردع العسكري، والتقدم الفني مع انعدام الثقة السياسي.
بينما يشير الانتقال إلى مرحلة التفاصيل إلى جدية المسار التفاوضي، تؤكد التحركات العسكرية والتصريحات الحادة أن هامش الخطأ لا يزال ضيقاً.
ومع الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران، ورغبة واشنطن في تجنب صراع جديد، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه المفاوضات تمثل بداية انفراج تدريجي، أم مجرد هدنة مؤقتة في أزمة مرشحة للتصعيد مجدداً على وقع التوترات الإقليمية والدولية.
المصادر: وكالة المطلع + (صحيفة الشرق الأوسط ، صحيفة العرب اللندنية ، وسائل إعلام إيرانية وأجنبية)
