موعد ثابت ومشهد سياسي متقلب... رؤية باستعدادات الانتخابات العراقية المقبلة
في ظل تصاعد التوترات السياسية والانقسامات الحادة، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق أن الاقتراع العام في البلاد سيجري في موعده نهاية عام 2025، مستبعدة أي تغيير على القانون الانتخابي الذي جرت بموجبه انتخابات عام 2021.
وبحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط فإنه:"يتردد منذ أشهر أن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، يرغب في تعديل القانون الحالي الذي يعتمد نظام الدائرة الواحدة في كل محافظة.
وأكد رئيس الفريق الإعلامي للمفوضية عماد جميل، في تصريح لـ"الشرق الأوسط" أن:"الانتخابات العامة ستجري في موعد أقصاه 25 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حيث يلزم القانون الالتزام بموعد إجرائها قبل 45 يوماً من انتهاء ولاية الدورة البرلمانية الحالية ويحق لنحو 30 مليون شخص التصويت".
واستبعد جميل أي إمكانية لتغيير قانون الانتخابات.
وسط انقسامات ودعاوى ومحاولات اغتيال..
لا تزال الانقسامات الحادة والتوترات في الأوساط السياسية العراقية هي السمة الغالبة لعموم مشهد ما قبل الانتخابات القادمة، بدءاً من دعاوى قضائية تستهدف رأس السلطة التنفيذية، مروراً بموجة من العنف السياسي، واغتيالات، ومحاولات اغتيال مرشحين، وانتهاء بعدم اليقين من إجراء الانتخابات وتأجيلها أو إلغائها.
وزارد الطين بِلة العقوبات الأمريكية الأخيرة بتداعياتها المعروفة على المشهد السياسي، والانقسامات المحتملة داخل الإطار التنسيقي الذي يمثل الحزب الحاكم.
تعقيدات المشهد السياسي
وأدت العقوبات التي أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية أخيراً على أشخاص وكيانات وشركات عراقية، إلى تعقيد الصراعات السياسية القائمة.
ونتيجة لذلك، انقسم الإطار التنسيقي إلى فريقين؛ يرى الفريق الأول ضرورة تأجيل الانتخابات إلى 12 مايو 2026، معللاً ذلك بالخشية من أن مشاركة الشخصيات والكيانات المعاقبة أمريكياً قد تعرقل الاعتراف الدولي بمخرجات الانتخابات، فيما يرى الفريق الثاني الذي يمثله رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وقادة عدد من الفصائل المسلحة التي لها تمثيل نيابي وازن في البرلمان، أن تأجيل الانتخابات يعني انتهاء العملية السياسية وتقويض النظام السياسي القائم على هيمنة أحزاب بعينها على السلطة والموارد، لذلك لابد من إجراء الانتخابات في موعدها المقرر تحت أي ظرف كان.
ورصد مراقبون تحدثوا لـصحيفة "عكاظ" مساومة قادة في الحشدين (الشعبي والعشائري) منتسبيهم بتسليم ما بين 15 إلى 20 بطاقة انتخابية مسبقاً، على أن تُعاد قبل يوم واحد فقط من موعد التصويت، وإلزامهم بمنح أصواتهم لمرشحين محددين، خلاف ذلك يقوم قادة الحشد بحجب أو حرق البطاقات الانتخابية لمن يرون أنه غير موالٍ لهم، أو أنه لن يعطي مرشحهم صوته وأصوات الآخرين الذين أحضر بطاقاتهم الانتخابية وطردهم من الحشد.
شكوى ضد السوداني
وعلى صعيد الصراع السياسي، قام عدد من أعضاء مجلس النواب بتقديم شكوى رسمية إلى رئيس جهاز الادعاء العام ضد رئيس مجلس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني.
وتتهم الشكوى السوداني بـ استغلال منصبه لأغراض انتخابية بخروقات قانونية وإدارية ومالية، معتبرين أن:"هذه الأفعال تمثل إخلالاً بحسن السيرة والسلوك حسب قانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات والأقضية رقم 12 لسنة 2018".
وعلى المستوى الشعبي، صرح مصدر لـ"عكاظ" (رفض الكشف عن اسمه) أنه:"يجري حالياً الاستعداد للقيام بمظاهرات كبيرة قد تنطلق يوم 25 من الشهر الحالي، مشيراً إلى أن المظاهرات التي شهدتها البصرة قبل أيام بسبب شحّ المياه، وشهدت بعض المصادمات بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية، قد أُوقفت بعد تدخل شخصية تنتسب لبيت ديني كبير".
ورجح المصدر أن هذا التوقف قد يكون حتى يكتمل الإعداد للمظاهرات المرتقبة.
اغتيالات وأحداث أمنية
أمنياً، لا يزال استهداف المرشحين يشغل حيزاً كبيراً من القلق، فبعد عملية اغتيال المرشح صفاء المشهداني في منطقة الطارمية، هاجمت مجموعة مسلحة مكتباً لعضو مجلس محافظة بغداد المرشح للانتخابات البرلمانية القادمة مثنى العزاوي في قضاء اليوسفية (25 كيلومتراً جنوب بغداد)، كما نجت عضو مجلس محافظة كربلاء ماجدة العرداوي من محاولة اغتيال.
وفي تطور آخر، أقدم مجهولون على حرق مكتب النائب السابق محما خليل في قضاء سنجار التابع لمحافظة نينوى.
وجاء الهجوم على مكتب العزاوي المرشح عن تحالف عزم بقيادة مثنى السامرائي بعد 3 أيام من اغتيال العضو الآخر في مجلس محافظة بغداد صفاء المشهداني، وهو مرشح للانتخابات البرلمانية ضمن تحالف السيادة بقيادة خميس الخنجر، إثر تفجير عبوة ناسفة بسيارته في قضاء الطارمية (40 كيلومتراً شمال بغداد).
موقف المرجعية
حسم المرجع الشيعي علي السيستاني الجدل حول شرعية المشاركة في الانتخابات البرلمانية العامة المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل من عدمها.
وقال مكتب السيستاني، في إجابة مقتضبة وعامة عن سؤال أحد مقلديه بشأن المشاركة في الانتخابات، إن:"الجواب العام بشأن المشاركة في الانتخابات هو كالآتي: حسب قناعة المواطن، فإن وجد أن المشاركة أوفق بمصلحة العراق فليشارك بانتخاب المرشح الصالح والأمين".
وبهذا الجواب، حسم رجل الدين جدلاً استمر أسابيع عديدة في العراق حول رأي المرجعية في المشاركة الانتخابية؛ فقد عمدت أطراف وأحزاب ورجال دين شيعة إلى الترويج لفكرة أن مرجعية النجف تلزم الناخبين بالمشاركة، مدفوعين بالرغبة في الحصول على أصوات الناخبين الشيعة، وأيضاً الرغبة في مشاركة انتخابية واسعة في ظل الشكوك بتراجعها، خاصة مع عدم مشاركة "التيار الصدري" في الانتخابات، وما يمثله من ثقل سكاني في بغداد وبقية المحافظات.
ونشط بعض رجال الدين المحسوبين على بعض القوى السياسية أخيراً في الترويج لفكرة أن "المشاركة واجب ديني والامتناع عنها يدخل في مجال الذنوب الشرعية".
وكان مكتب السيستاني قد نفى، منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، صدور أي موقف رسمي يتعلق بالمشاركة في الانتخابات المقبلة، وأكد أن:"ما يُتداول عبر بعض وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الشأن لا أساس له من الصحة"، وذلك في إشارة إلى كتاب مزيف وضع عليه ختم المرجع الديني وتداولته المنصات الحزبية والسياسية الشيعية في ذلك الوقت، ويدعو إلى المشاركة في الانتخابات.
صمت منذ 2005
ومنذ موقف المرجعية الداعم لإجراء الانتخابات النيابية في دورتها الأولى عام 2005، التزمت المرجعية الصمت بعد ذلك التاريخ وأغلقت أبوابها بوجه جميع الشخصيات والمسؤولين الحزبيين والحكوميين، في إجراء يفسره معظم المراقبين بأنه يمثل حالة من الرفض الواضح من قبل المرجعية للسياسات المتبعة من قبل الأحزاب الحاكمة، خاصة الشيعية منها واحتجاجاً على سوء الإدارة والفساد الذي ارتبط بتلك القوى والأحزاب.
ويقوّض موقف المرجعية الدينية من الأحزاب والقوى الشيعية من شرعيتها بنظر الكثير من الأتباع والمقلّدين، ويدفعهم بالتالي إلى عدم المشاركة في الانتخابات، فيلجأ بعضها إلى بث الأكاذيب بشأن موقف المرجعية لإقناع المواطنين بالمشاركة.
وقال النائب أمير المعموري، في تصريحات صحافية، الاثنين، إن:"قوى سياسية كلاسيكية (شيعية) كانت تستخدم ختماً مزوراً لمكتب المرجعية وتستثمره في تصدير بعض الوثائق".
وعقد الإطار التنسيقي ،مساء الإثنين، اجتماعًا ناقش فيه الاستعدادات للانتخابات النيابية المقبلة، فضلاً عن أزمة المياه.
ووفق بيان صادر عن الإطار التنسيقي ، فإن:"الإطار التنسيقي عقد اجتماعه الاعتيادي المرقم (245) اليوم الإثنين في مكتب عضو قيادة الإطار التنسيقي عبد السادة الفريجي، لمتابعة آخر التطورات على المستويين الوطني والدولي، ومناقشة عدد من الملفات الحيوية التي تمس الشأن العام".
وقال إن:"الاجتماع استعرض التحضيرات الجارية لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد، مثمنًا الجهود الكبيرة التي تبذلها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والأجهزة الأمنية المختلفة لضمان سير العملية الانتخابية بسلاسة وشفافية، مشددًا على "أهمية الأمن الانتخابي وتوفير بيئة مستقرة تضمن حرية الناخب وسلامة الاقتراع".
وتتجه الأنظار إلى الأشهر المقبلة التي ستشكل اختباراً حقيقياً للعملية السياسية في العراق. فبين مواقف سياسية متباينة، وضغوط أمنية، واتهامات قضائية، يظل إجراء الانتخابات في موعدها المقرر رهيناً بقدرة الدولة على ضمان بيئة انتخابية آمنة ونزيهة، وبما يكفل الحفاظ على استقرار البلاد وشرعية نتائجها.
كلمات مفتاحية
- العراق
- انتخابات العراق 2025
- الساحة العراقية
- تقارير عربية ودولية
- السياسة العراقية
- الانتخابات العراقية المقبلة
- مفوضية الانتخابات
