علي وجيه يكتب ... السيادة بعين واحدة
الكاتب: علي وجيه
الاعتداء أسفر عن ضحايا مدنيين، اثنان منهما طفلةٌ بعمر عام واحد، وشاب تزوّج قبل استشهاده بثلاثة أيّام، والآخرون لا يختلفون عن هذين، وقدمت التوابيت من كردستان، بمشهدٍ موحش يتكرر في هذه البلاد كثيراً.
وبعيداً عن التنصّل، واتهام (حزب العمال الكردستانيّ) الذي يشكّل الشمّاعة الأساسية في هذا الملف، إلاّ أنّ التعاطي العراقي كان مشرّفاً بهذا الملف، شعبياً، وحكومياً كان لا بأس به، فهذا التصعيد الحكومي كان أعلى مرحلة وصلتها حكومة عراقية بين الحكومات العراقية الماضية، رغم أنه حظيَ بهجومٍ واسع، من جمهور غاضب كان يتوقع ردوداً أخرى.
لكنّ الغريب بالأمر، هو أنّ مفهوم "السيادة" يبدو مفهوماً مطّاطياً، كما يتعاطاه كتّاب ومدوّنون معروفون، فالسيادة بشكلها المبسّط هو أن تكون بلداً محترماً، وأن لا يطالك اعتداء، ويوم ينالك هذا الاعتداء، فليس مهمّاً مَن المعتدي، وإنما تقف مع بلادك ضدّ الاعتداء، من أيّ جهة صدرَ، لكن العورة "الأردوغانية"، كشفت عن اعورار أخلاقيّ، يرصدُ السيادة بعين واحدة، ولا أبالغ إن قلتُ إنها تتّبعُ نسقاً "طائفياً" واضحاً يفتحُ عيناً على محور، ويغلقُ عيناً على آخر.
ثمّة اختراقات ضدّ السيادة، متكررة، تمارسها جميع البلدان المحيطة بالعراق، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، وهي كأيّة بلدان "طبيعية"، لا تبالي إن تحطّم العراق ومَن فيه لانتعاش أنقرة أو الرياض أو طهران أو ما سواها من مدن، وقد يعبرُ المحيطات صاروخٌ أمريكي ليضرب سيادتك، لكن التعاطي مع الأمر ليس واحداً.
الجمهور تمزّق، والأمر لا يتعلق بـ"السيادة" بحدّ ذاتها، شاهدنا مَن صفّق حين اختُرقت السيادة العراقيّة بعملية المطار، ومَن صفّق بقصف أربيل، ومَن صفّق نسبياً بقصف زاخو، المهم أنّ صواريخ "جماعتنا" تهبطُ كالوسائد، وصواريخ الآخرين تهبطُ ثقيلة، فأين عزّ العراق، وأين أبطاله!
كثيرون ربطوا، بطريقةٍ مضحكة، بين هذا الاعتداء المستند على ملف شائك بين بغداد وأنقرة، وهو (حزب العمال الكردستاني)، وبين تريند التسريبات، وعمدَ أذكى هؤلاء إلى مهاجمة السلطات العراقية لأنها كتبت بيانات، دون المسّ بحرفٍ واحد بالاعتداء الأساسي، أو ذكر "الطيّب" أردوغان، وعمدت وسائل إعلامية معروفة، ينادي سياسيّوها ومدراؤها بـ"الوطنية" و"الوقوف مع السيادة" لإلغاء برامجهم الشهيرة، أو عدم تغطية بيانات ٣ رئاسات في العراقية، بينما سارعوا لنفي الخارجية التركيّة، الذي اتهم حزب العمّال الكردستاني بالاعتداء!
ليست السيادة مقولةً مطاطية، هي أمر واضح المعالم، لا يخضع كثيراً للتأويل، وإن خضع سياسياً فهو واضح شعبياً وثقافياً، لكن العين الطائفيّة من جهة، و"الدونيّة" التي ترى انتماءها عاراً، كفيلةٌ بأن تقلب هذا الأمر إلى قطعة بلاستيك، تُمطّ حين يُراد ذلك، ويُصمت عنها حين يكون الأمر "محرجاً".
خرجَ شبّانٌ محتجّون، واستقروا أمام القنصلية التركيّة في منطقة الوزيريّة، جلّ هؤلاء كانوا من مشتركي احتجاجات "تشرين"، أولئك الذين احتجّوا في وقت سابق، في خضمّ الاحتجاجات على اعتداء تركيّ حدوديّ آنذاك، أكملوا احتجاجهم وعادوا إلى "ساحة التحرير"، هاتفين ضدّ كل تجاوزات البلدان المحيطة وغير المحيطة، لأنهم كانوا ينظرون للأمر بعينين كاملتين، عين مَن لا يحاول استغفال القارئ والمتتبع، يشاهد خروقات أنقرة وواشنطن، طهران ودمشق، الرياض وغيرها في وقت واحد، ويأمل أن تكون السيادة هي العلامة الفارقة، في أن تكون مع العراق أيّاً كان مَن مسّه، بكلمة أو صاروخ، بملف مياه أو استيراد وتصدير.
الجالسون على عشب الحديقة أمام القنصلية التركيّة، حاملو اللافتات في النجف وكربلاء، مَن وقفوا ضد كل الانتهاكات، حملوا عيوناً واسعةً ترى المشهد من كل نواحيه، في زمن عوران التريند والتأويلات التي تمسحُ الدم عن بندقية القاتل!
