أوميد والرصيف 41... أخطر فضيحة تهريب نفطي بالعراق
في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وإثارة للجدل في تاريخ قطاع الطاقة العراقي، تتجه الأنظار نحو رجل الأعمال المعروف باسم "أوميد"، واسمه الحقيقي سالم أحمد سعيد، بعد أن بات محور تحقيقات محلية ودولية تتعلق بتهريب النفط وتزوير مستندات رسمية واستخدام ميناء استراتيجي في البصرة كمركز عمليات سرية.
"أوميد"، الذي يحمل أيضًا الجنسية البريطانية ويُعرف باسمه المهني "أوميد حاجي أحمد"، يقود شبكة شركات يُطلق عليها محليًا اسم "أسطول الظل"، تنشط في مجال النقل والتصدير، وتورطت – وفق وثائق رسمية – في تهريب النفط الإيراني وتقديمه في الأسواق العالمية على أنه نفط عراقي من خلال عمليات خلط وتزوير معقدة، وسط اتهامات بدفع رشاوى لمسؤولين عراقيين.
العقوبات الأميركية تدخل على الخط
في 3 تموز 2025، وجّهت وزارة الخزانة الأميركية ضربة موجعة لهذا النشاط، بفرض عقوبات مباشرة على أوميد وعدد من شركاته، وأعلنت تجميد أصوله ومنع أي تعامل مالي أو تجاري معه، مشيرة إلى تورطه في تهريب نفط بمليارات الدولارات، فضلاً عن دعم شبكات تمويل غير شرعية بينها "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني.
واعتبرت واشنطن أن شركات أوميد شكلت غطاءً لعمليات منظمة هدفها الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على طهران، ما دفع نحو تشديد الرقابة على التعاملات النفطية الصادرة من العراق، وخاصة عبر الموانئ الجنوبية.
الرصيف 41.. مركز العمليات المشبوهة
يتصدر "الرصيف 41" في ميناء خور الزبير بمحافظة البصرة قائمة المواقع المثيرة للشبهات، حيث أصبح خلال السنوات الأخيرة مركزًا رئيسيًا لنشاطات شركات VS Oil Terminal التابعة لأوميد، والتي استأجرت الموقع وخزاناته لتخزين وتصدير النفط الأسود.
خبراء اقتصاديون أكدوا أن العقوبات الأميركية طالت هذا الرصيف بشكل مباشر، ما أدى إلى إخراجه فعليًا من الخدمة، في خطوة اعتُبرت ضربة قوية لمشروع نفطي كان من المفترض أن يكون أحد أعمدة البنية التحتية للتصدير، لكنه تحوّل إلى بوابة تهريب وتزوير.
نواب في البرلمان أثاروا تساؤلات حول كلف الإيجار، والعوائد الشهرية، وآلية التعاقد مع شركة "سومو"، بالإضافة إلى شكوك بوجود تلاعب في العقود وعمليات الصيانة، ووجود تسهيلات غير مبررة قد تكون ساهمت في تهريب النفط بطرق غير قانونية.
لجنة النزاهة تتحرك.. ملفات وأسماء وأرقام
في 5 تموز 2025، أعلنت لجنة النزاهة النيابية فتح تحقيق موسّع في عقود شركات أوميد، وخاصة ما يتعلق بعقود الرصيف 41 وخزاناته وشروط التعاقد، ودور "سومو" في النقل والتسويق. كما شمل التحقيق ملفات صيانة أجريت خارج العراق وُصفت بأنها تحوي شبهات فساد واضحة.
اللجنة البرلمانية دعت إلى استضافة مدير عام شركة الناقلات النفطية لبحث تفاصيل التعاقدات، إلا أن وزارة النفط اعتذرت بداية بسبب الوضع الصحي للمدير، فيما أكدت اللجنة أنها ماضية في فتح ملفات مالية وإدارية شاملة، تتضمن أسماء المتورطين، والمبالغ المدفوعة والمستلمة، وستعلن النتائج حال اكتمال التحقيقات.
اختبار جديد للثقة
القضية باتت اختبارًا حقيقيًا لمصداقية مؤسسات الدولة، وسط تصاعد مطالبات شعبية وسياسية بكشف الحقائق دون مجاملة أو تمييع، ومحاسبة كل من ساهم في تمكين هذه الشبكة التي تستغل أحد أهم الموارد السيادية للبلاد في ظل غياب واضح للرقابة والحوكمة.
ويرى مراقبون أن قضية "أوميد" ليست سوى نموذج صارخ لحجم التحديات التي تواجه قطاع النفط العراقي، من تغلغل النفوذ المالي العابر للحدود، إلى الثغرات القانونية التي تسمح بتحويل منشآت استراتيجية إلى أدوات لنهب الثروة الوطنية.
الرصيف الذي أصبح شاهدًا
بينما تنتظر الأوساط العراقية نتائج التحقيق البرلماني، يبقى "الرصيف 41" شاهدًا على واحدة من أخطر حلقات التلاعب بثروة العراق منذ عام 2003، ومرآة لانهيارات المنظومة الرقابية التي سمحت لرجل أعمال عراقي–بريطاني بأن يُدير ما يشبه "دولة ظل نفطية" داخل دولة تعاني من أزمات الفساد والتهريب منذ سنوات طويلة.
