الانتخابات العراقية 2025: صراع القوى السياسية يواجه وعي الناخب
يدلي الناخبون اليوم الثلاثاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية العراقية السادسة منذ غزو العراق عام 2003، مع عودة القوى السياسية إلى المنافسة وهي محملة بإرث طويل من التحالفات المتقلبة والتجارب الحكومية المثيرة للجدل.
وقبل فتح صناديق الاقتراع، تتبلور خريطة تنافس معقدة تتوزع على ثلاثة محاور رئيسية، ممثلة بالقوى العربية السياسية السنية، والشيعية، والكردية، حيث تسعى كل قوة لترسيخ حضورها واستقطاب جمهورها التقليدي، مع محاولة توسيع نفوذها في محاور الخصوم كلما أمكن.
وعلى مستوى القوى العربية الشيعية، تبرز عدة قوى أساسية في الانتخابات العراقية أبرزها ائتلاف "الإعمار والتنمية"، برئاسة محمد شياع السوداني، وائتلاف "دولة القانون"، بزعامة نوري المالكي، و"منظمة بدر"، بزعامة هادي العامري، و"تيار الحكمة"، بزعامة عمار الحكيم، و"حركة صادقون"، بزعامة قيس الخزعلي، وتحالف "خدمات" بزعامة شبل الزيدي، إضافة الى "حركة حقوق" بزعامة حسين مؤنس، وقوى شيعية أخرى متفرقة في بغداد ومدن الوسط والجنوب، أبرزها "تحالف البديل" بقيادة عدنان الزرفي وسجاد سالم.
أما في الساحة السنية، فيشتد التنافس بين "تحالف السيادة" بزعامة خميس الخنجر، وحزب "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، و"تحالف العزم" بزعامة مثنى السامرائي، و"تحالف الحسم" بزعامة ثابت العباسي، مقابل قوى سنية أخرى تسعى لاستعادة ثقلها التقليدي في الأنبار وصلاح الدين وديالى، أو تثبيت تمثيلها في المدن المختلطة التي كثيراً ما كانت محور صراع انتخابي وسياسي.
وفي المشهد الكردي، يستمر التوازن الدقيق بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني و"الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي يقوده بافل طالباني، مع منافسة تتصاعد داخل إقليم كردستان العراق ومع بغداد في آن معاً، وسط محاولات أحزاب أصغر، مثل "حركة الجيل الجديد"، و"التغيير" وجماعات المعارضة المدنية، كسر الثنائية التاريخية وتقريب جمهور ناقم من الأداء الحزبي التقليدي.
وجاء في تقرير لـ" العربي الجديد" وتابعته "المطلع" أن:" بين هذا التداخل السياسي والمجتمعي، يقبل العراق على استحقاق انتخابي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة، ويكشف عما إذا كانت القوى المتنافسة تمتلك القدرة على إنتاج معادلة حكم جديدة، أم أنها ستعيد تدوير الأزمات ذاتها التي أثقلت كاهل البلاد طوال عقدين".
حسابات النفوذ
وقال الخبير في الشأن السياسي والانتخابي حسين الأسعد، لـ"العربي الجديد"، إن "المشهد الانتخابي العراقي الحالي لا تحكمه قواعد أيديولوجية كما كان في مراحل سابقة، بل تحكمه حسابات النفوذ داخل المكونات الثلاثة الكبرى: الشيعية والسنية والكردية، فالأحزاب الشيعية تتجه لصراع داخلي بين مشروع يريد استعادة السيطرة الحكومية ضمن أطر تقليدية يمثله الإطار التنسيقي، ومشروع شعبي تعبوي يحافظ عليه التيار الصدري رغم غيابه عن المشهد السياسي والانتخابي.
وفي المقابل، يحاول السنة التخلص من حالة التشتت عبر تحالفات تبحث عن موطئ قدم أكبر داخل المعادلة الوطنية، بينما يواصل الحزبان الكرديان الرئيسيان التنافس على إدارة الإقليم والتمثيل في بغداد، مع بروز أصوات معارضة تتحدى الثنائية التاريخية".
وبين الأسعد أن "الانتخابات البرلمانية القادمة ليست مجرد سباق على المقاعد، بل اختبار حقيقي لقدرة هذه القوى على تقديم رؤية حكم جديدة، أو البقاء في دائرة تدوير الأزمات، خاصة وأن الناخب العراقي بات أكثر وعياً ويميل إلى المحاسبة، وهو ما يجعل الأداء السابق للأحزاب عامل حاسم في نتائج الاقتراع"، معتبراً أنه "إذا فشلت القوى السياسية في قراءة التحولات الاجتماعية ومطالب الجيل الصاعد، فقد نشهد تحولاً صامتاً داخل صناديق الاقتراع، يغير قواعد اللعبة من دون ضجيج".
الجبوري: اختبار لمصداقية الدولة
من جهته قال الخبير في الشؤون الاستراتيجية عباس الجبوري، لـ"العربي الجديد"، إن "القوى السياسية القائمة اليوم لا تتنافس على مشاريع دولة بقدر ما تتصارع على مقاعد ونفوذ داخل المكونات، فالصراع الشيعي ـ الشيعي مثلاً لم يعد حول من يقود الحكومة بقدر ما أصبح حول من يضمن السيطرة على القرار الأمني والاقتصادي، بينما يلوح كل طرف بشارعه وقوته التنظيمية كورقة ضغط بديلة عن الشرعية الانتخابية".
وأضاف الجبوري أن "القوى السنية ما زالت تدور في حلقة النفوذ الشخصي والزعامة المناطقية، والتحالفات تفكك وتعاد صياغتها وفق الحسابات الفردية لا وفق المصلحة العامة، والنتيجة أن الجمهور السني يشعر بأن صوته لم يتحول يوماً إلى تمثيل حقيقي داخل الدولة".
وأوضح أن الانتخابات "لن تكون فقط اختباراً للأحزاب، بل لمصداقية الدولة نفسها، فإذا أصر السياسيون على إدارة البلاد بالذهنية ذاتها، فالجمهور قد يستخدم صناديق الاقتراع هذه المرة لمعاقبتهم لا لمكافأتهم، والتحول قد يكون بطيئا، لكنه قادم، والشارع حين ينقلب لن يستأذن أحداً".
وتابع التقرير، في حين جرت الانتخابات السابقة، في عام 2021، في أعقاب الحركة الاحتجاجية التي شهدتها البلاد في خريف 2019، والمعروفة بـ "احتجاجات تشرين"، فإن الانتخابات الراهنة تجري في سياق التغييرات الإقليمية التي أدت إليها الحروب الإسرائيلية العدوانية على غزة ولبنان وإيران بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وإسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
ولا تتفق القوى السياسية العراقية النافذة، سواء أكانت في مؤسسة الحكم أم خارجها، على رؤية موحدة إزاء هذه الأحداث، أو مقاربة مشتركة في كيفية التعامل معها؛ ما أسفر عن انقسامات حادة في المشهد السياسي العراقي، انعكست آثارها على الحملات الانتخابية.
وتشهد الانتخابات العراقية الراهنة، بحسب الأرقام الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، مشاركة 31 تحالفاً و38 حزباً و75 مرشّحاً مستقلاً، للتنافس على 329 مقعداً، يخصص تسعة منها لكوتا المكوّنات.
