الصدر يفتح الباب لعودة محتملة للانتخابات: الإصلاح عبر المشاركة لا المقاطعة
في تطور لافت على صعيد الموقف السياسي للتيار الصدري، بدا أن هناك تلميحاً من قبل التيار بإمكانية مراجعة قراره السابق القاضي بمقاطعة الانتخابات التشريعية المقبلة، والتي من المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
هذه الإشارات جاءت عبر "صالح محمد العراقي"، الشخصية الإعلامية البارزة التي يُعرف عنها قربها من زعيم التيار مقتدى الصدر.
ورغم تأكيدات سابقة وحاسمة من قبل الصدر نفسه بشأن عدم العودة إلى المشهد الانتخابي، بل وحتى إقصاء أي جهة داخل التيار تحاول المشاركة، فإن الرسائل الأخيرة التي بثها العراقي فتحت باب التأويل بشأن إمكانية العودة، ولكن ضمن شروط صارمة ترتبط بـ"إصلاح شامل وتغيير جذري".
هذه التطورات تطرح رسالة واضحة للجمهور العراقي: حتى التيارات الكبرى التي كانت قد أعلنت المقاطعة تدرك اليوم أن الإصلاح لا يتحقق بالانسحاب، وإنما بالمشاركة الواعية والفاعلة في العملية الانتخابية لإزاحة الطبقة السياسية الفاسدة عبر صناديق الاقتراع.
وفي منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تابعته وكالة المطلع، نقل "العراقي" عن الصدر موقفاً بدا أكثر تفصيلاً مما سبق، حيث أوضح أن المقاطعة ليست نهائية من حيث المبدأ، بل إن إنهاءها مرهون بتحقيق سلسلة من المطالب، على رأسها إزاحة الفاسدين بالطبقة الحاكمة الحالية.
وقال إن: "البديل الحقيقي للمقاطعة، هو تبديل الوجوه الحالية، عسى أن تفتح أبواب الإصلاح ويغلق باب التبعية والانبطاح، ويأمن الشعب من السلاح المنفلت، ومِن قمع الأصوات ويتخلص الشعب من الماء الملوث، وارجاع حصة العراق المائية والكهرباء المفقودة، ومن الحدود المشرعة أمام الإرهاب والتهريب، وفرض الأجندات الخارجية التي أضعفت المذهب والوطن".
إن هذه العبارات – رغم حدتها – تقدم درسًا مهمًا لكل العراقيين: "المقاطعة تعني ترك الساحة للفاسدين، أما المشاركة الشعبية فهي الطريق لتحقيق الإصلاح الشامل وتغيير الوجوه والسياسات والعقليات، فالتغيير الحقيقي يبدأ من صناديق الاقتراع، لا من الانسحاب".
وأكد في منشوره أن "بديل المقاطعة: (الإصلاح الشامل) وتغيير الوجوه، بل وتغيير (الصماخات) لإنقاذ العراق بطرق سياسية وقانونية بلا تدخلات خارجية، وأنى لهم ذلك".
هذه الكلمات تدعو العراقيين إلى أن يكونوا هم صانعي التغيير بأنفسهم، لا أن ينتظروا الآخرين.
وعكست هذه العبارات، رغم حدتها،– لأول مرة منذ قرار المقاطعة – تصوراً لسيناريو "بديل"، يمكن للتيار أن يعيد فيه النظر بموقفه في حال تحقق ما وصفه بـ"الإصلاح الجذري"، بما يشمل تغيير الأشخاص والسياسات، وحتى "العقليات" التي تدير السلطة في البلاد.
وكان مقتدى الصدر قد أعلن في مارس/آذار الماضي أنه لن يشارك في الانتخابات القادمة، مرجعاً ذلك إلى استمرار الفساد وهيمنة "الفاسدين" على مفاصل الدولة، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن العراق "يعيش أنفاسه الأخيرة".
وقبل ذلك، كان الصدر قد اتخذ قراراً حاسماً في يونيو/حزيران 2022 بالانسحاب من العملية السياسية، بما في ذلك سحب نواب كتلته الـ73 من البرلمان، مؤكداً أن لا عودة إلى المشاركة "في ظل استمرار الفساد والمحاصصة".
لكن اليوم، ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، باتت الصورة مختلفة، فحتى القيادات التي كانت ترى أن المقاطعة هي الخيار الأفضل بدأت تتحدث عن بدائلها، في إشارة ضمنية إلى أن التغيير ممكن عبر المشاركة.
هذا ما يجب أن يلتقطه المواطن العراقي: أن صوته هو السلاح الأقوى للتغيير، وأن مقاطعة الانتخابات لن تفيد إلا الفاسدين.
مع ذلك، يرى مراقبون أن التصريحات الأخيرة تشير إلى تحول محتمل – حتى وإن لم يكن مباشراً – في خطاب التيار، وهو ما يمكن اعتباره تمهيداً نفسياً للأنصار، أو حتى استعداداً لمراجعة الموقف في حال تغيرت موازين القوى السياسية، أو طرأت تسويات معينة على الساحة.
ويشار إلى أن التيار الصدري كان قد حصل على أكبر عدد من المقاعد في انتخابات أكتوبر/تشرين الاول 2021، ما منحه تفويضاً شعبياً واسعاً. غير أن تلك النتيجة لم تُترجم إلى تشكيل حكومة، بسبب معارضة "الإطار التنسيقي" الشيعي، الذي لجأ إلى المحكمة الاتحادية لمنع عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، معطلاً بذلك مسار تشكيل الحكومة.
وقد أسفر هذا الانسداد السياسي حينها عن انهيار "التحالف الثلاثي" الذي جمع الصدر مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة، في أعقاب انسحاب نواب التيار من البرلمان.
ومنذ ذلك الحين، ظل التيار خارج المعادلة السياسية الرسمية، مع تمسك الصدر بموقفه الرافض للمشاركة.
ورغم التلميحات المحتملة بالانفتاح على خيار المشاركة، إلا أن الشروط التي حددها الصدر – وفق ما نقله العراقي – تبقى بالغة الصعوبة، لا سيما في ظل تعقيد الوضع السياسي وهيمنة تحالفات ذات نفوذ عسكري وسياسي واسع.
وفي أكثر من مناسبة، طالب الصدر بحل جميع الفصائل المسلحة، بما فيها "سرايا السلام" التابعة له، وتسليم السلاح للدولة، وهو مطلب يبدو بعيد المنال حالياً.
وتحذر قوى سياسية ومراكز بحثية من تدني نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة في حال استمرت مقاطعة التيار، الذي يمثل شريحة شعبية واسعة، خصوصاً في محافظات الجنوب والوسط.
لكن الرسالة الأهم للجمهور اليوم أن الانتخابات المقبلة هي فرصة ذهبية لإعادة رسم المشهد السياسي، وأن صوت الناخب هو الأداة الأقوى لإحداث التغيير وإزاحة الفاسدين، فبدلاً من المقاطعة، يجب تكثيف المشاركة لتفتح أبواب الإصلاح ويُغلق باب التبعية والفساد.
وبينما تصر القيادات على رفض المشاركة في ظل الواقع القائم، فإن تكرار الإشارة إلى: "بدائل للمقاطعة" يوحي بإمكانية التغيير، إذا ما استجابت القوى السياسية الأخرى للمطالب المعلنة.
إن المشاركة في الانتخابات المقبلة واجب وطني ومسؤولية جماعية، فالعراق لن يتغير إلا بإرادة أبنائه وصناديق اقتراعهم، ولن يُقصى الفاسدون إلا حين يتقدم الناخبون بكثافة ليقولوا كلمتهم ويختاروا من يمثلهم حقاً.
كلمات مفتاحية
- العراق
- بغداد
- مقتدى االصدر
- التيار الوطني الشيعي
- الانتخابات النيابية
- البرلمان العراقي
- المالكي
- العامري
- مجلس النواب
- الحلبوسي
