العراق بعد 90 يوماً من الانتخابات: جهود مستمرة لتجاوز الانسداد السياسي
يزداد المشهد السياسي في العراق تعقيداً، مع استمرار الجمود بين القوى السياسية المسيطرة على الحكم، وسط خلافات عميقة حول مرشحي رئاسة الجمهورية والحكومة. مرور نحو 90 يوماً على الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كشف عن تمسك واضح بمبدأ المحاصصة الطائفية والسياسية، كآلية تقليدية لإدارة السلطة، في الوقت الذي يستمر فيه “الفراغ الدستوري” بتأجيل انتخاب الرئاسات الثلاث الأعلى في الدولة.
خلفية الأزمة
يشير مصطلح “الفراغ الدستوري” إلى التجاوز عن المدد الزمنية التي حددها الدستور العراقي لاختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، فيما يفضل بعض الأحزاب تسميته بـ”الانسداد السياسي”، في إشارة إلى فشل التفاهمات بين التحالفات المبنية على أسس طائفية وقومية.
وينص الدستور على ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً من انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، مع استمرار الرئيس القائم بتصريف مهامه لحين انتخاب بديل.
غير أن إخفاق البرلمان في الوصول إلى اتفاق أدى إلى دخول البلاد في حالة فراغ دستوري، تخلق إشكالات على مستوى صلاحيات المسؤولين وتأخر إنجاز المشاريع اليومية، دون أي نص قانوني يلزم الأحزاب بالعقاب على التجاوز.
وحتى على مستوى القوى الكردية، فشل حزبا الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل الطالباني، والديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، في الاتفاق على مرشح موحد لمنصب رئاسة الجمهورية، وهو المنصب التقليدي المخصص للكرد.
ترشيح المالكي وخلافات داخلية وخارجية
في ما يخص منصب رئيس الوزراء، لا يزال مرشح تحالف “الإطار التنسيقي”، نوري المالكي، يتمسك بالترشح رغم تحفظات متعددة، تشمل موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعض الأحزاب الشيعية مثل ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، وحركة صادقون بزعامة قيس الخزعلي، وتيار “الحكمة” بقيادة عمار الحكيم، فضلاً عن رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي غيّر موقفه بعد بيان ترامب والتحفظات الأميركية.
وتصاعدت حالة الانقسام إلى حد دفع بعض الأطراف نحو تمديد عمل الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، كحل مرحلي لإفساح المجال أمام مزيد من التوافقات وتقسيم المناصب بشكل مبدئي.
وكشف ضياء الناصري، عضو ائتلاف دولة القانون، أن:"المالكي اقترح تشريع قانون نيابي لتمديد الحكومة الحالية، وسط تحريض لإطلاق تغريدة ثانية من الرئيس الأميركي ضد مرشح الإطار التنسيقي".
تحذيرات قضائية وسياسية
وشدّد مجلس القضاء الأعلى برئاسة فائق زيدان على الالتزام بالتوقيتات الدستورية، ومنع أي تدخل خارجي في اختيار الرئاسات الثلاث.
ومن جانبها، أكدت رئيسة ائتلاف الإعمار والتنمية، عالية نصيف، أن:'الدستور العراقي لا يتضمن أي نص قانوني يفرض عقوبات على تجاوز المدد الزمنية، ما يفتح المجال أمام انسداد سياسي محتمل".
ووصف الباحث غالب الدعمي الوضع بأنه “قمة انعدام النضج السياسي”، مشيراً إلى أن الخلافات قائمة على المصالح الحزبية الخاصة، وليست لصالح الشعب، مع توقعات بأن تطول الأزمة وأن يكون تمديد حكومة السوداني الخيار الأكثر ترجيحاً إذا استمرت الأحزاب بمناوراتها لتأمين المناصب واختيار المرشحين وفق مصالحها، بعيداً عن الكفاءة.
وتظهر الأزمة العراقية الحالية مدى هشاشة التوافقات السياسية التقليدية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مع إبقاء البلاد في حالة جمود دستوري يعيق إدارة الدولة واستكمال المشاريع الحيوية.
وفي ظل غياب آليات قانونية ملزمة، يبقى الحل مرتبطاً بقدرة الأطراف على تجاوز الانقسامات والتوصل إلى توافقات حقيقية تحترم الدستور وتعيد الاستقرار السياسي في العراق.
المصدر: صحيفة العربي الجديد.
