بين طموحات نتنياهو وواقعية ترامب... تصاعد الخلافات بقلب التحالف الأميركي - الإسرائيلي
بينما بدت العودة الثانية لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض وكأنها إعادة اصطفاف تلقائي بين واشنطن وتل أبيب، لا سيما في الملفات الساخنة مثل الحرب في غزة ومواجهة إيران، بدأت ملامح التوتر والتباين تظهر سريعًا خلف العناوين الودية.
فمن التناغم في التصريحات والتوافق في المواقف، انتقلت العلاقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ساحة خلافات متزايدة، يعززها تباين حاد في الرؤى حيال مستقبل إيران والخيارات العسكرية ضدها.
ففي بداية ولايته الجديدة، سارع ترامب إلى اتخاذ خطوات داعمة لتل أبيب، فأعاد تفعيل شحنات الأسلحة الثقيلة التي كانت إدارة بايدن قد علّقتها، ومنح الضوء الأخضر لعمليات موسعة ضد حركة حماس في غزة، مؤكدًا على ضرورة "إنهاء المهمة".
كذلك تبنى بحماس خطاب نتنياهو المتشدد ضد طهران ووكلائها الإقليميين.
لكن هذا الانسجام بدأ يتلاشى تدريجيًا، بحسب ما نقلته شبكة "ABC News" ومصادر دبلوماسية أميركية وشرق أوسطية تابعتها "وكالة المطلع".
ويعود السبب الأساسي إلى تباين النظرة بين الزعيمين تجاه المرحلة المقبلة، خصوصًا بعد تراجع قوة حماس وتضرر إيران في أكثر من جبهة.
نتنياهو يعتبر أن الظروف باتت مثالية لتنفيذ ضربة عسكرية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، بينما يرى ترامب أن هذه اللحظة فرصة لعقد صفقة دبلوماسية تُقيّد القدرات النووية لطهران دون الدخول في مواجهة مفتوحة. وعلى عكس التصعيد الإسرائيلي المتواصل في غزة، يدفع ترامب نحو تهدئة ميدانية ويضع تصوره لما بعد الحرب، متخيلًا القطاع كـ"ريفييرا الشرق الأوسط".
إحدى محطات الخلاف المفصلية كانت عندما قرر ترامب وقف الحملة العسكرية الأميركية ضد الحوثيين، بعد إعلانهم وقف الهجمات على السفن الأميركية في البحر الأحمر.
قرار أثار استياء نتنياهو، خاصة بعدما أطلق الحوثيون صاروخًا سقط قرب مطار بن غوريون، ما اعتُبر تصعيدًا مباشرًا ضد إسرائيل.
إيران في قلب الأزمة: حسابات متضاربة
الخلاف الأكبر يتمحور حول إيران، حيث يبدي نتنياهو استياءً متزايدًا من رفض ترامب توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، مقابل انفتاحه على فتح حوار مباشر مع طهران. ويؤكد الإسرائيليون أن أي اتفاق يسمح لطهران بتخصيب اليورانيوم، ولو لأغراض مدنية، غير مقبول.
أما ترامب، فقد أبدى مرونة في هذا الشأن، بل وصرّح علنًا أنه لم يحسم قراره حول السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم ضمن اتفاق محتمل، ما اعتبره نتنياهو "صفعة علنية".
خلال اجتماع في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، نقل مستشار نتنياهو، رون ديرمر، هذه الهواجس مباشرة إلى مبعوث ترامب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بحسب المصادر.
ويزداد قلق إسرائيل من ضياع فرصة "الضربة المباغتة"، خاصة بعد نجاحها في إضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية خلال أكتوبر الماضي، في وقت بدأت فيه طهران إعادة بناء تلك القدرات.
حليف قوي بشروط دقيقة
رغم هذه التباينات، لا تزال واشنطن تؤكد على متانة تحالفها مع إسرائيل.
وصرّح المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، جيمس هيويت، أن: "إسرائيل لم تعرف صديقًا أفضل من الرئيس ترامب"، مشددًا على: "استمرار التعاون لتحرير الرهائن في غزة، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتعزيز أمن المنطقة".
إلا أن الواقع وراء الكواليس يشير إلى ضعف التنسيق، خصوصًا بعد قرارات ترامب الأخيرة بشأن الحوثيين، والتي اتخذها دون تشاور مع تل أبيب.
وخلال زيارة نتنياهو الأخيرة إلى البيت الأبيض، كان يأمل بالحصول على دعم صريح لأي عملية ضد إيران، لكنه فوجئ بنيّة ترامب التفاوض مع طهران، مما اعتبره إخلالًا بأولويات الأمن الإسرائيلي.
الكونغرس يتحرك... ونتنياهو يراقب بحذر
في الكونغرس، أعلن عضوا مجلس الشيوخ الجمهوريان، توم كوتون وليندسي غراهام، رفضهما لأي اتفاق لا يمنع إيران بالكامل من تخصيب اليورانيوم، وطالبا ترامب بعرض أي صفقة على مجلس الشيوخ.
ورغم إمكانية تجاوز ترامب لهذه الإجراءات كما فعلت إدارة أوباما في 2015، إلا أن ذلك يثير قلقًا إسرائيليًا متصاعدًا.
لكن، وعلى الرغم من هذه التحفظات، لا يبدو أن نتنياهو في موقع يسمح له بمواجهة ترامب علنًا، فشعبية الأخير لا تزال مرتفعة بين أنصار نتنياهو داخل إسرائيل، ما يدفعه لاعتماد نهج حذر في التعامل مع البيت الأبيض.
ويأتي هذا التوتر بينما يستعد ترامب لجولة شرق أوسطية تشمل السعودية وقطر والإمارات، دون أن تشمل إسرائيل، في خطوة تحمل دلالات سياسية واضحة، وتؤشر إلى أن التحالف التاريخي بين واشنطن وتل أبيب يمر بمرحلة إعادة تموضع لا تخلو من التحديات.
