تشويش "GPS" يربك العراق: بين الغموض الأمني والهشاشة التقنية
في ظاهرة غير مسبوقة، شهد العراق خلال الأيام الماضية خللاً واسعاً في خدمات "GPS" المستخدمة في أنظمة الملاحة والتطبيقات الذكية، ما تسبب بإرباك كبير في حركة النقل داخل المدن. وأفاد مواطنون من بغداد بأن تطبيقات مثل "Google Maps" و"Waze" باتت تشير إلى مواقع خاطئة أو متبدّلة، ما أدى إلى حالة من الفوضى في شوارع العاصمة وأربك أعمال النقل والخدمات اليومية.
وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، إنه:"واجه سائقو السيارات تأخيرات متكررة في تحديد المواقع الصحيحة، ما انعكس سلباً على أدائهم ومواعيد عملهم، وبحسب شهادات ميدانية، فإن المناطق الأقرب إلى "المنطقة الخضراء" وسط بغداد التي تضم مبنيي السفارتين الأميركية والبريطانية والمقار الحكومية، هي الأكثر تأثراً، بينما بقيت الأطراف أقل تضرراً نسبياً".
وأضاف التقرير:"رغم الانتشار الواسع للحالة، لم تصدر حتى الآن أي تصريحات رسمية عن الجهات الحكومية المختصة حول أسباب التشويش أو الجهة المسؤولة عنه، ما أثار موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وذهب البعض إلى ربط ما يجري بالتحضيرات الأمنية للانتخابات المقبلة، مشيرين إلى أن التشويش قد يكون جزءاً من إجراءات احترازية مؤقتة تهدف إلى تأمين الأجواء المحيطة بالمراكز الحكومية والحساسة".
وفي المقابل، عبّر آخرون بحسب العربي الجديد، عن مخاوف من أن تكون هذه العمليات مؤشراً على خلل أمني أوسع أو تدخل إلكتروني خارجي يستهدف البنية الرقمية للبلاد.
وأكد الخبير التقني أمجد محمد، أن:"ما يحدث هو نتيجة مباشرة لما يُعرف بـ "التشويش على إشارات جي بي أس، إذ إن هذه التقنية تعتمد على بث إشارات راديوية أقوى من الإشارة الأصلية، مما يؤدي إلى تعطيل استقبالها من الأجهزة الذكية أو تحريف مواقعها الجغرافية".
وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن:"مثل هذه الظواهر تسبب اضطراباً مباشراً في حركة النقل والتوصيل، وقد تمتد تأثيراتها إلى قطاعات الطيران المدني والاتصالات والمراقبة المرورية وغير ذلك".
ويرى الخبير في الاتصالات بسام الكرخي، أن:"العراق يعاني من هشاشة في البنية التحتية الخاصة بأنظمة الملاحة، وأن أي تدخل بسيط في الإشارات الكهرومغناطيسية ينعكس فوراً على الأنشطة التجارية والخدمية".
وأشار في حديثه مع "العربي الجديد"، إلى أن:"غياب أنظمة بديلة مثل الملاحة بالقصور الذاتي (INS) أو الشبكات المحلية المعززة يجعل البلاد أكثر عرضة لمخاطر التشويش".
ودعا، إلى:"ضرورة اعتماد حلول هجينة في إدارة خدمات النقل الذكي، تتضمن دمج بيانات الإنترنت الخلوي وإشارات المواقع لتعويض فقدان GPS في حال حدوث أي تداخل".
ومن الناحية الأمنية، يؤكد خبراء بحسب التقرير، أن:"عمليات التشويش تُستخدم أحياناً أداةً لحماية منشآت أو فعاليات حساسة من محاولات المراقبة الجوية أو استخدام الطائرات المسيّرة، خصوصاً في فترات الانتخابات أو الأحداث السياسية الكبرى. غير أن اتساع نطاق الحالة في البلاد، دون توضيح رسمي، أثار تساؤلات حول مدى التنسيق بين الجهات الأمنية والتقنية، وحول قدرة الدولة على إدارة بيئة رقمية آمنة تضمن استمرار الخدمات الأساسية دون تعطيل".
وتحذر مصادر اقتصادية من أن، استمرار التشويش لفترة طويلة قد يؤدي إلى خسائر مباشرة في قطاعات التوصيل والنقل الحضري، فضلاً عن اضطرابات في إدارة الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد داخل المدن الكبرى.
كما يمكن أن يؤثر على تطبيقات الطوارئ والإسعاف التي تعتمد على تحديد المواقع بشكل دقيق، ما يجعل المشكلة تتجاوز نطاقها التقني لتتحول إلى مسألة تتعلق بالأمن العام والسلامة المدنية.
ويرى مختصون بالأمن السيبراني بحسب ما ورد في التقرير، أن:"معالجة الظاهرة تتطلب شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، عبر إنشاء مركز وطني لمراقبة إشارات GPS وتحديد مصادر التشويش بسرعة"، واقترح المختص أنس الساعدي، في حديثه مع "العربي الجديد"، "تفعيل نظام إنذار مبكر يعتمد على تحليل بيانات التطبيقات المتضررة، لتحديد مناطق الاضطراب الجغرافي وإبلاغ المستخدمين بشكل فوري".
وفي غياب الإجابات الواضحة واستمرار الغموض المحيط بالمشهد، يبقى العراقيون عالقين بين التكهنات والتأويلات، فيما تتزايد الأسئلة حول قدرة البنية التكنولوجية على الصمود أمام الأزمات، في بلد تتقاطع فيه السياسة بالأمن والتقنية على نحو معقد.
