خدمة "الديليفري" في العراق: مصدر رزق محفوف بالمخاطر والفوضى
في مشهد أصبح مألوفاً في العراق، تجوب آلاف الدراجات النارية الخاصة بخدمات التوصيل السريع "الديليفري" شوارع المدن، لتتحول إلى ظاهرة متنامية تثير قلق المواطنين والسلطات معاً. فبينما توفر هذه المهنة مصدر رزق للشباب الباحثين عن العمل، أصبحت في المقابل سبباً لفوضى مرورية متزايدة وحوادث سير شبه يومية تسجلها الجهات المختصة.
يقول رامي حسن، في تصريح لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، وهو شاب يبلغ من العمر 24 عاماً ويعمل في خدمة التوصيل ببغداد، إنه لجأ إلى هذا العمل بعد أن فشل في الحصول على وظيفة حكومية، ويوضح في حديثه، "الديليفري أصبح وسيلتنا الوحيدة للعيش. نعمل ساعات طويلة ونتحمل ضغط الزبائن والشركات التي تراقب كل حركة لنا عبر تطبيقاتها، وهو ما يجبرنا على السير بسرعة خطيرة أحياناً في الطرقات لأجل السيطرة على عدد الطلبات التي يجب علينا إيصالها"، ويضيف: "رغم الضغوط الكبيرة التي نواجهها في العمل، فإنّنا نبذل جهداً ونواصل العمل من أجل تأمين لقمة العيش لعائلاتنا".
والاثنين الماضي، أقرت الحكومة العراقية تأسيس نقابة خاصة بعمّال التوصيل، وفقاً لبيان صدر في ختام اجتماعها، كلّف فيه رئيس الوزراء وزارة العمل بالمضي قدماً في هذه الخطوة التي تهدف إلى تنظيم عمل هذه الفئة. وتأتي هذه المبادرة، التي اعتبرها أصحاب شركات التوصيل خطوة مهمة، في إطار المساعي الحكومية لتنظيم القطاع وضمان حقوق العاملين فيه.
شركات بلا رقابة في العراق
خدمة التوصيل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في المدن العراقية، إلّا أن الشركات المشغلة لها تعمل غالباً من دون ضوابط واضحة، فبعضها يسجل العاملين لديه بوصفهم "متعاونين مستقلين"، ما يعفيها من أي مسؤولية قانونية أو تعويضية في حال وقوع حادث.
يضيف حسن، "نُعامل بوصفنا أرقاماً في تطبيق إلكتروني، الشركة لا تهتم بسلامتنا، المهم أن تصل الطلبات في الوقت المحدد حتى نحصل على تقييم جيّد"، مؤكداً أن "الكثير من زملائنا تعرضوا لحوادث خطيرة ولم يجدوا من يسأل عنهم".
ويرى ناشطون أن المشكلة تتجاوز السائقين لتشمل غياب التشريعات التي تنظم هذا القطاع الجديد نسبياً في العراق.
ويشير الناشط المدني باسم رضا، إلى أن "الديليفري أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، لكن يجب أن يدرج ضمن نظام النقل الوطني، مع فرض تراخيص محدّدة وتأمين إلزامي للدراجات والسائقين".
ويضيف لـ"العربي الجديد"، يجب أن "تجري متابعة شركات التوصيل الرئيسة والعمل على مراجعة سجلاتها في ما يخص موظفيها، وتسجيلهم وضبط عقودهم، بما يضمن لهم حقوقهم القانونية"، مشدداً على "ضرورة عدم ترك هؤلاء تحت استغلال شركات التوصيل بلا ضامن".
ضغط في الشوارع وغياب التنظيم
تشير تقديرات غير رسمية إلى أنّ أعداد سائقي التوصيل في بغداد وحدها تجاوز 20 ألف سائق، معظمهم يعملون على نحوٍ غير منظم ومن دون تراخيص أو تأمينات، وتنتشر الدراجات النارية في كل الأوقات، خاصة في ساعات الذروة، ما يؤدي إلى اختناقات مرورية ومخاطر متكرّرة.
ورغم أن هذه الفرصة أنقذت آلاف الشباب من البطالة، لكنها تحولت في الوقت نفسه إلى عبء على النظام المروري في البلاد، ويؤكد ضابط في مديرية المرور العامة، أن "المشكلة لا تكمن في الخدمة بحد ذاتها، بل في غياب الإطار التنظيمي والقانوني لها"، ويضيف المقدم علي السعدي، لـ"العربي الجديد"، أن "الكثير من سائقي التوصيل يسيرون عكس الاتجاه أو يتجاوزون الإشارات المرورية من أجل كسب الوقت وتسجيل نقاط تسويقية أكثر لدى الشركات، وهو ما يؤدي إلى حوادث يومية".
وأضاف "وفق إحصاءات غير رسمية، فإنّ نسبة الحوادث المرتبطة بالدراجات النارية ارتفعت في العام الماضي بأكثر من 30% مقارنة بالعام الذي سبقه، ومعظمها ناجم عن مخالفات مرورية جسيمة يرتكبها سائقو الديليفري".
دعوات إلى تنظيم القطاع
وتصاعدت، أخيراً، دعوات إلى تنظيم عمل الدراجات النارية وتقييدها بلوحات تعريفية ورخص قيادة خاصة، وأن يكون هذا ضامناً للعاملين وللمواطنين، خاصة مع تسجيل حوادث دهس من سائقي الديليفري، ومن ثم يلوذون بالفرار من دون معرفتهم.
وقال الحاج عصام الزيدي، وهو صاحب مطعم للأكلات السريعة في بغداد، إنّ "خدمة التوصيل مفيدة اقتصادياً، لكنها بحاجة إلى ضبط صارم وإجراءات أمنية للحد من التجاوزات"، وأكد لـ"العربي الجديد"، "وردتنا شكاوى عن حوادث سجلها سائقو الديليفري ومخالفات أخرى، لكنّنا لم نحدّد الأشخاص، وهو ما يحتم على مديرية المرور ترقيم الدراجات على نحوٍ رسمي لمنع استغلالها في نشاطات غير قانونية".
وبينما تحاول السلطات العراقية موازنة الحاجة لتوفير فرص الشغل مع واجب حفظ النظام والأمن في الطرقات، تعكس فوضى "الديليفري" أزمة أعمق في سوق العمل العراقية، التي تدفع الشباب إلى المهن غير المنظمة بحثاً عن لقمة عيش قد تكلفهم حياتهم في لحظة واحدة.
كلمات مفتاحية
- العراق
- ديليفري العراق
- عمال ديليفري
- خدمات التوصيل
- بغداد
- تقارير عربية دولية
- نقابة عمال التوصيل العراقية
