سنجار وحزب العمال الكردستاني في قلب الاهتمام العراقي _ التركي مجدداً
تصاعدت التوترات بين أنقرة وبغداد بعد تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حول نشاطات حزب العمال الكردستاني في مدينة سنجار العراقية، في حين استدعت بغداد السفير التركي للتأكيد على سيادة العراق ورفض أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية.
و تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه مناطق شمال العراق وسورية تحولات عسكرية وأمنية مهمة أثارت قلق تركيا بشأن انتشار عناصر بارزة في الحزب داخل الأراضي العراقية.
وأكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال حوار متلفز على قناة "سي أن أن" التركية، أن حزب العمال الكردستاني أصبح "قضية رئيسية في العراق"، مشدداً على أن التنظيم لا يمكنه البقاء في قضاء سنجار أو السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، فيما تساءل عن قدرة الدولة العراقية على منع ذلك.
وأشار فيدان إلى احتمال حدوث تغييرات عسكرية في مناطق سنجار ومخمور وقنديل شمالي العراق، مطالباً الحكومة العراقية بإظهار إرادتها تجاه الحزب.
وأوضح الوزير التركي أنه عقد نحو 20 اجتماعاً مع رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، مشيراً إلى أن أي تنسيق بين الحشد والعمليات الجوية التركية "قد يتم خلال يومين أو ثلاثة"، واصفاً ذلك بـ"العملية العسكرية البسيطة".
وأكد فيدان أن تركيا تتعامل مع أي حكومة أو رئيس وزراء منتخب في العراق وأن سياستها مستقرة تجاه بغداد.
وردت وزارة الخارجية العراقية باستدعاء السفير التركي، أنيل بورا إينان، حيث أعرب وكيل الوزارة للعلاقات الثنائية، السفير محمد حسين بحر العلوم، عن استياء العراق من تصريحات فيدان، واعتبرها "تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية"، مؤكداً أن سنجار وباقي المناطق العراقية شأن وطني يُدار وفق الأولويات الوطنية.
وفي المقابل، أوضح السفير التركي أن تصريحات الوزير فُهمت بشكل غير دقيق بسبب ترجمة غير صحيحة، وأنها كانت تتعلق بنشاطات حزب العمال الكردستاني في العراق، وليس بالشأن الداخلي العراقي، مؤكداً احترام تركيا لسيادة العراق وعدم التدخل في شؤونه.
وفي بيان لاحق، شددت وزارة الخارجية التركية على أن تصريحات فيدان حُرفت من قبل بعض وسائل الإعلام، مؤكدة دعم أنقرة لوحدة أراضي العراق وسيادته، وأن أي إشارة كانت بشأن حزب العمال تهدف إلى تسليط الضوء على التهديد الذي يشكله التنظيم الإرهابي على الأمن الإقليمي.
محلياً، تحدث مستشار حكومي عراقي عن تقارير تشير إلى انتقال عناصر كردية مسلحة من الحسكة السورية إلى سنجار، معتبرًا أن هذا التحرك قد يكون سبب التصعيد التركي.
وأوضح السياسي الكردي ياسين عزيز أن نحو 100 عنصر من حزب العمال من غير السوريين تم نقلهم إلى جبال قنديل شمالي العراق، في إطار الاتفاقية بين "قسد" والحكومة السورية، دون أن يكون للعراق دور في ذلك.
وأشار إلى أن استيعاب هؤلاء العناصر في مناطق واسعة يتطلب اتفاقية شاملة تشمل بغداد وأربيل وأنقرة وحتى الولايات المتحدة وربما إيران، وأن عملية السلام التركية مع الحزب تتطلب خطوات عملية وجدية.
تاريخياً، تعد مدينة سنجار مركزاً متنوعاً سكانياً من العرب والأكراد والأيزيديين والمسيحيين والتركمان، وقد شهدت مآسي تنظيم داعش في 2014 قبل أن تدخل وحدات حزب العمال الكردستاني ضمن العمليات العسكرية لتحريرها.
و منذ 2016، فرض الحزب وأذرعه المسلحة سيطرته على المدينة ومحيطها، مما أعاق جهود إعادة الإعمار وعودة النازحين.
وفيما يخص العمليات العسكرية التركية، أشار خبراء إلى صعوبة تنفيذ هجوم بري داخل سنجار، نظرًا لبعد المنطقة عن الحدود التركية ووجود عدة قوات عراقية وأكراد، مما يجعل الهجمات الجوية الخيار الأكثر فعالية.
ويرى بعض المحللين أن التصعيد التركي قد يكون رسالة ضغط على حزب العمال لتسريع تسليم الأسلحة، وأيضًا لدفع بغداد إلى مراقبة الحدود مع الحسكة السورية بشكل أكثر جدية.
وعلى صعيد السياسة الداخلية العراقية، أعرب أعضاء في ائتلاف الإطار التنسيقي عن قلقهم من لغة التهديد التركية، معتبرين أنها "تجاوز خطير" وتهدد الاستقرار الإقليمي، ودعوا إلى اعتماد خطاب متوازن يحترم سيادة العراق ويعتمد على المسارات الدبلوماسية والقانونية الدولية لمواجهة أي تهديد.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس يشهد تحولات أمنية وسياسية في شمال العراق وسورية، وسط تساؤلات حول مستقبل عملية السلام التركية مع حزب العمال الكردستاني. فيما يظل ملف سنجار مركز توتر بين تركيا والعراق، مع تأكيد كل من الطرفين على مصالحه وأولوياته، ما يضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد محتملة في حال عدم التوصل إلى تفاهمات واضحة.
وتقع سنجار شمال غرب الموصل بنحو 115 كيلومتراً، وتجاورها مناطق جبلية حدودية مثل قنديل وخانصور، وتعد منطقة استراتيجية بسبب قربها من الحدود السورية. شهدت المدينة في 2014 سيطرة داعش ومجازره ضد السكان الأيزيديين والعرب والمسيحيين، قبل تحريرها بمشاركة البيشمركة ووحدات حزب العمال الكردستاني.
و منذ ذلك الحين، تسيطر أذرع الحزب على المنطقة، مما أعاق عمليات إعادة الإعمار واستقرار السكان، وجعلها محور اهتمام تركيا بسبب وجود التنظيم المصنف إرهابياً لديها.
المصدر: صحيفة العربي الجديد
