ملف السفراء على نار المحاصصة: برلمان مأزوم وحكومة تتفادى المواجهة
يشهد البرلمان العراقي حراكاً مكثفاً لتمرير قائمة تضم عشرات السفراء الجدد، في خطوة تعكس استمرار اعتماد نظام المحاصصة السياسية في توزيع المناصب الدبلوماسية، وهو ما أثار مجددًا جدلاً واسعاً حول كفاءة هذا النظام وتداعياته على تمثيل العراق الخارجي.
ورغم الانتقادات التي تطال هذه الآلية، خصوصاً لكونها تُقدّم الولاءات الحزبية والطائفية على الكفاءة المهنية، فإن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب تمضي بالتنسيق مع وزارة الخارجية والحكومة نحو إدراج ملف تعيين السفراء ضمن جدول الأعمال البرلماني، كما كشف عضو اللجنة عامر الفايز، بحسب تقرير لصحيفة العرب الصادرة في لندن، وتابعته المطلع.
وأكد الفايز، في تصريحات صحفية أن القائمة التي تُعد للتصويت تشمل عشرات الأسماء من مختلف الطوائف والمكونات، مشيراً إلى "عدم تهميش أي جهة"، ومؤكداً أن التصويت سيجري دفعة واحدة خلال جلسة مرتقبة.
وأضاف أن الكتل السياسية توصلت إلى توافق مبدئي بشأن تمرير القائمة قبل نهاية الدورة البرلمانية الحالية.
وفي تصريح آخر تابعته المطلع، أوضح الفايز أن عدداً من السفراء الحاليين بلغوا سن التقاعد، ولم تُعيّن بدائل لهم حتى الآن، مشيراً إلى أن بعض الأسماء المتبقية جارٍ استكمالها لتحقيق توافق سياسي شامل يمهّد للتصويت النيابي قريباً.
لكن هذا التوافق يأتي في وقت حرج، إذ يعاني البرلمان من شلل جزئي وتعطيل مستمر في جلساته بسبب تفاقم الخلافات بين الكتل، ما يهدد بعرقلة تمرير هذه القائمة، إلى جانب قوانين حيوية أخرى.
وأكد نواب مستقلون أن الانقسامات العميقة تجعل من الصعب عقد جلسات استثنائية، رغم دعوات رئاسة البرلمان الأخيرة لمناقشة الملفات المعلقة.
من جانبه، عبّر النائب جواد اليساري عن تشاؤمه حيال قدرة المجلس على تجاوز هذه العقبات، داعياً القوى السياسية إلى تغليب المصلحة الوطنية وتحمل مسؤولياتها لإعادة الثقة بالمؤسسة التشريعية التي تمر بمرحلة حرجة.
ويرى مراقبون أن أزمة تعيين السفراء تفاقمت نتيجة تكرار غياب النواب عن الجلسات، فضلاً عن اتهامات تطال الحكومة بالتسبب بهذا الجمود لتفادي الإحراج حيال بعض القوانين الخلافية.
هذا التعطيل لا يؤثر فقط على ملف التمثيل الدبلوماسي، بل يعيق أيضاً إقرار تشريعات تمس حياة المواطن، أبرزها قانون الموازنة.
وفي ظل هذه الفوضى التشريعية، تزداد حالة السخط الشعبي على الأداء البرلماني، وتتراجع الثقة في قدرة السلطة التشريعية على تحقيق إصلاحات في الملفين الدبلوماسي والخدماتي.
وكانت رئاسة مجلس النواب قد أنهت الفصل التشريعي الأول من السنة الرابعة (ضمن الدورة النيابية الخامسة) في 9 مايو الماضي، استنادًا إلى المادة 57 من الدستور والمادة 22 من النظام الداخلي، المحددة لدورتي الانعقاد السنوية بثمانية أشهر.
وفي هذا الإطار، سُرّبت وثيقة غير رسمية كشفت عن ترشيح 38 سفيراً، جميعهم موظفون في وزارة الخارجية، تم ترشيحهم عبر الكتل السياسية وفق ما يُعرف بـ"الوزن السياسي"، لتوزيعهم على السفارات العراقية في الخارج كبدلاء للمتقاعدين أو الذين تم سحبهم من مهامهم.
ورغم أن قانون وزارة الخارجية لعام 2008 ينص على أن 75% من السفراء يجب أن يُختاروا من الكوادر المتدرجة داخل الوزارة، ابتداءً من رتبة ملحق وحتى وزير مفوض، فإن نسبة الـ25% الأخرى تُمنح للأحزاب لترشيح شخصيات وفق شروط معينة، منها المؤهل الأكاديمي والخبرة، على أن يُخضع المرشح لمقابلة تجريها لجنة من دبلوماسيين لا يقل عددهم عن خمسة، برتبة سفير أو وكيل وزارة.
وتُعد هذه العملية، رغم ظاهرها التنظيمي، موضع جدل دائم، كونها تكرّس مبدأ المحاصصة وتُضعف مهنية السلك الدبلوماسي العراقي، الذي من المفترض أن يكون انعكاساً لسيادة الدولة ومصالحها العليا، وليس لتمثيل التوازنات السياسية الداخلية.
