من الخليج إلى العراق ولبنان: سيناريو الحرب الأميركية - الإيرانية يتسع
تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في مشهد يعيد إلى الواجهة سيناريوهات المواجهة الكبرى في الشرق الأوسط، وسط تبادل التحذيرات العسكرية وتعزيز الانتشار العسكري من جهة، واستمرار الاتصالات الدبلوماسية من جهة أخرى.
وبينما تلوّح طهران برد شامل قد يتجاوز حدودها الجغرافية، تتحرك قوى وفصائل إقليمية حليفة لها في المنطقة في اتجاه رفع الجاهزية، ما يعزز المخاوف من تحول أي مواجهة محتملة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
- تصعيد محسوب ورسائل ردع متبادلة
في خطوة تعكس انتقال الخطاب الإيراني إلى مستوى أكثر صرامة، كشفت صحيفة الجريدة الكويتية، وتابعتها وكالة المطلع، أن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وجّه القيادات العسكرية لاعتماد استراتيجية تقوم على مبدأ "الحرب الشاملة"، مع التشديد على أن أي ضربة لطهران ستقابل برد حازم يستهدف إسرائيل والقواعد الأميركية، إلى جانب إشراك الحلفاء الإقليميين في أي مواجهة محتملة.
حيث قال المرشد الإيراني، وتابعته وكالة المطلع، إن: "الولايات المتحدة إذا أشعلت الحرب، فستكون هذه المرة حرباً إقليمية"، مضيفاً أن: "طهران لا تسعى إلى الحرب، لكنها ستوجّه ضربة قوية وحاسمة لأي جهة تعتدي عليها"، وذلك في تهديد واضح بكسر قواعد الاشتباك في ظل تصاعد التوتر مع واشنطن.
في المقابل، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقل اكتراثاً بهذه التحذيرات، معرباً عن أمله في التوصل إلى اتفاق، لكنه ذكّر بأن بلاده تمتلك “أقوى الأساطيل في العالم” في المنطقة، وفق ما أوردته الشرق الأوسط، في تقريرها الذي تابعته وكالة المطلع.
كما أشار لاحقاً إلى توجه سفن “كبيرة وقوية جداً” نحو إيران، ما يعكس استمرار سياسة الضغط المتوازي بين الدبلوماسية واستعراض القوة.
- استعدادات عسكرية ترفع احتمالات المواجهة
تزامناً مع التصعيد السياسي، عقد كبار الجنرالات الأميركيين والإسرائيليين اجتماعات مغلقة لبحث السيناريوهات المحتملة، بالتوازي مع تعزيز منظومات الدفاع الجوي الأميركية في المنطقة، في خطوة رأت فيها الشرق الأوسط مؤشراً على جدية الاستعدادات العسكرية.
كما أرسلت واشنطن مجموعة بحرية ضاربة تقودها حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، التي تحمل أكثر من 80 طائرة وترافقها مدمرات مزودة بصواريخ توماهوك، بحسب ما أوردته الجزيرة، وهو انتشار أثار مخاوف من احتمال الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ويستحضر هذا المشهد سوابق قريبة، إذ ذكرت تقارير نقلتها صحيفة الشرق الأوسط، بأن إسرائيل شنت بدعم أميركي هجوماً على إيران في يونيو/حزيران 2025 استمر 12 يوماً، قبل أن ترد طهران بقصف قاعدة “العديد” الأميركية في قطر، ما انتهى بإعلان وقف لإطلاق النار.
- الرد الإيراني: ضرب العمق وتوسيع ساحة المعركة
ضمن إطار رفع الجاهزية، أكد مستشار المرشد الإيراني علي شمخاني أن الرد "المتناسب" على أي هجوم أميركي قد يشمل ضربات في عمق إسرائيل، مشيراً إلى امتلاك طهران “سيناريوهات أوسع” دفاعية وهجومية، وفق ما نقلته الجزيرة.
الرسالة ذاتها كررها رئيس هيئة الأركان الإيرانية، الذي توعد برد "انتقامي" محذراً من أن نيران المنطقة قد "تحرق أميركا وحلفاءها من الداخل"، في إشارة إلى استراتيجية تقوم على توسيع نطاق المواجهة بدلاً من احتوائها.
أما وزير الخارجية عباس عراقجي فقدم التوصيف الأكثر وضوحاً لاحتمالات التصعيد، إذ قال في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" إن إيران مستعدة للحرب إذا فشلت المفاوضات، مرجحاً أن يتجاوز الصراع حدود بلاده وأن تتحول القواعد الأميركية في المنطقة إلى أهداف مباشرة.
- قوى إقليمية على خط المواجهة
تقوم الاستراتيجية الإيرانية، وفق ما أشارت إليه الجريدة الكويتية، على تعزيز دور الحلفاء الإقليميين لضمان ردع متعدد الجبهات، وهو ما يفسر التحذيرات المتزايدة من احتمال اتساع رقعة الحرب لتشمل ساحات عدة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، حذر القنصل الإيراني في البصرة "علي عابدي" من أن التهديدات الموجهة لخامنئي قد تدفع "المقاومة" إلى خطوات "غير متوقعة"، مؤكداً وجود جاهزية لاتخاذ مواقف حازمة، بحسب وكالة الأنباء العراقية.
كما تتخوف طهران، وفق تقارير إعلامية، من أن الضغوط والعقوبات ومحاولات إثارة الاضطرابات قد تُستخدم ذريعة للتدخل الخارجي، متوعدة برد "شامل وغير مسبوق" حتى على الهجمات المحدودة.
- حلفاء طهران... قدرات عسكرية تعزز سيناريو تعدد الجبهات
في حال انزلاق التوتر إلى مواجهة مفتوحة، لا تبدو إيران وحدها في ساحة الصراع، إذ تمتلك شبكة من الحلفاء الإقليميين القادرين على التأثير في مسار أي حرب محتملة، ما يعزز المخاوف من اتساعها جغرافياً وتحوّلها إلى نزاع متعدد الجبهات.
في العراق، كشفت "سرايا أولياء الدم" جانباً من ترسانتها الصاروخية داخل ما وصفته بـ"نفق سري"، وفق ما أوردته وكالات عراقية، تابعتها وكالة المطلع، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها رسالة ردع موجهة إلى واشنطن.
وكان الفصيل قد أعلن في وقت سابق استعداده لمواصلة "المواجهة ضد الوجود الأميركي"، رابطاً ذلك بتطورات المشهد الإقليمي، ولا سيما ما يتعلق بإيران، ومؤكداً رفضه الحياد مع التمسك بخيارات التصعيد والدفاع عما يعدّه ثوابت دينية وسياسية.
ويُذكر أن "سرايا أولياء الدم"، التي تشكلت عقب اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس عام 2020، تبنّت هجمات استهدفت القوات الأميركية في العراق، من بينها قاعدة عين الأسد، إضافة إلى عمليات طالت قاعدة حرير في أربيل.
أما في اليمن، فقد فرض الحوثيون أنفسهم خلال السنوات الأخيرة قوة عسكرية مؤثرة في البحر الأحمر، بعدما حولوا مضيق باب المندب إلى منطقة عالية المخاطر عبر هجمات متكررة على السفن التجارية، وفق تقارير لوكالات أنباء عالمية.
كما استخدمت الجماعة الصواريخ والطائرات المسيّرة وأغرقت سفناً تجارية ضمن حملة ضغط مرتبطة بتداعيات حرب غزة، وأطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل دفعتها إلى تعزيز دفاعاتها قرب إيلات.
وعلى الرغم من الضربات الأميركية، تشير التقديرات إلى احتفاظ الحوثيين بقدرة عملياتية تتيح لهم التأثير في الأمن البحري وخلق تداعيات اقتصادية عابرة للحدود.
وفي لبنان، يُعدّ "حزب الله" أحد أبرز الفاعلين المسلحين غير الحكوميين، إذ يمتلك ترسانة تُقدَّر بنحو 150 ألف صاروخ وقذيفة قادرة على بلوغ عمق إسرائيل، بحسب ما نقلته الجزيرة ووكالات عالمية.
وتشمل قدراته صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة ومنظومات مضادة للسفن والدروع، إضافة إلى دعم تسليحي إيراني عزز تطوره العسكري، بينما يتجاوز مدى بعض صواريخه 500 كيلومتر، ما يضع كامل الأراضي الإسرائيلية ضمن نطاق الاستهداف.
-العراق على حافة التداعيات
ربما يظهر العراق بوصفه الساحة الأكثر عرضة للارتدادات المباشرة لأي صراع، فقد تحدثت صحيفة العربي الجديد، في تقرير لها، تابعته وكالة المطلع، عن فتح فصائل عراقية موالية، مكاتب لتسجيل متطوعين تحسباً لهجوم أميركي، مع تنظيم مسيرات تعبئة وارتداء أكفان بيضاء في رمزية تعكس الاستعداد للقتال.
وشملت هذه الأنشطة مدناً عدة بينها بغداد والبصرة والنجف، بينما اعتبر مصدر أمني أنها فعاليات "اجتماعية ودينية للتكاتف"، في حين رأى آخرون أنها تعكس تحركاً عقائدياً للدفاع عن إيران.
وأعلنت "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" استعدادها للانخراط في أي رد، مع حديث عن احتمال صدور فتاوى دينية لدعم طهران إذا تعرضت لهجوم، وفق ما أوردته وكالة الأنباء العراقية.
غير أن هذه التحركات تثير قلقاً داخلياً، إذ حذر ناشطون، نقلت عنهم العربي الجديد، من أن الزج بالعراق في صراع إقليمي قد يهدد استقراره الاقتصادي والأمني، ويضع الدولة أمام اختبار قدرتها على ضبط السلاح خارج الإطار الرسمي.
وفي السياق ذاته، شدد الأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي على أن أي اعتداء أميركي على إيران سيؤدي إلى اتساع الصراع في غرب آسيا، مؤكداً أن المقاومة تعتبر القوات الأجنبية أهدافاً مشروعة.
- الدبلوماسية والضغط العسكري ما بين الولايات المتحدة وإيران
على الرغم من حدة الخطاب، لا تزال القنوات السياسية مفتوحة، فقد أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن وزير الخارجية سيمثل طهران في مفاوضات نووية مباشرة مع واشنطن ضمن "بيئة مناسبة وخالية من التهديدات".
وأكد عراقجي أن الدبلوماسية لا تزال ممكنة، مع وجود اتصالات عبر دول صديقة، بينما أشارت مصادر تحدثت للشرق الأوسط إلى جهود تقودها تركيا ومصر وقطر لترتيب اجتماع محتمل بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في أنقرة.
كما أعلنت السعودية تمسكها بدعم الحلول السلمية وحرصها على تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد، في موقف يعكس قلقاً إقليمياً من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ومع ذلك، تضع طهران سقفاً واضحاً للمفاوضات، مؤكدة أن الحوار يجب أن يقتصر على الملف النووي مع رفض بحث برنامجها الصاروخي، في محاولة للحفاظ على توازن بين الانفتاح الدبلوماسي والتمسك بعناصر القوة.
-هل تقترب المنطقة من الحرب فعلاً؟
يعكس الخطاب الإيراني، كما لاحظت الجريدة الكويتية، رسالة مزدوجة تجمع بين التهديد المباشر وإبراز الاستعداد للتفاوض، وهو توازن دقيق يسعى إلى ردع الخصوم دون إغلاق الباب أمام الحل السياسي.
لكن تراكم المؤشرات — من التحركات العسكرية الأميركية، إلى رفع جاهزية الحلفاء، مروراً بتوسع بنك الأهداف المحتملة — يوحي بأن المنطقة تقف عند حافة سيناريو قد يتحول سريعاً إلى صراع فعلي إذا انهارت المسارات الدبلوماسية.
وأخيراً... يقف الشرق الأوسط اليوم أمام معادلة شديدة الهشاشة، حيث يتجاور الردع العسكري مع الدبلوماسية في سباق لاحتواء التصعيد.
فبينما تؤكد واشنطن وطهران عدم رغبتهما في الحرب، تشير الاستعدادات الميدانية وتعبئة الحلفاء إلى أن أي خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة تتجاوز حدود البلدين.
وفي حال اندلاع الصراع، تبدو ملامحه مرشحة لأن تكون إقليمية بامتياز، مع احتمالات استهداف القواعد الأميركية وانخراط قوى حليفة لإيران على عدة جبهات.
لذلك يبقى مستقبل الاستقرار في المنطقة رهناً بقدرة الجهود السياسية على كبح منطق القوة، ومنع الشرق الأوسط من الانزلاق إلى حرب قد تكون تداعياتها الأوسع منذ سنوات.
