المطلع
عاجل

post-image

لبنان..رصاص التباعد بين القواميس..!

الكاتب: ادارة الموقع


00:10 مقالات عامة
2021-10-19
33099

ما أصعبَ الكتابة وسط الحرقة واللوعة! بكاء من خسرت ابنَها، وحزن من فقدت شقيقَها، ودموع من انضم إلى قافلة الأيتام. وواضح أنَّ كلَّ قتل داخل الوطن يتضمَّن قتلاً للوطن، وبغض النظر عن الملابسات والظروف، دمُ كل مواطن جزء من دم الوطن، إهداره جريمة تستحقُّ شديدَ العقاب ولكن عبر العدالة.

ما أصعبَ الكتابة! لأنَّنا نحكي عن بلاد الخوف والخائفين. بلاد لا يجيد القوي الحالي فيها فنَّ طمأنة المذعور، ولا يجيد الخائف سلوكَ طريق الواقعية وخفض الأضرار. وتتكرَّر المآسي كلما تغيّر اسم القوي واسم المذعور.

أعرف تماماً مسرحَ الأحداث الأخيرة المؤلمة في لبنان ، جلتُ فيه مراتٍ كثيرة منذ عقود.

وأتردّد عليه خلال زياراتي إلى لبنان كمن يتفقَّد المسرح الذي انطلقت منه الرصاصة الأولى في حرب لبنان في 13 أبريل (نيسان) 1975.

تفقَّدت كثيراً الطريق التي تفصل عين الرمانة عن الشياح. افتعلت أسباباً عدة لزيارة الدكاكين الصغيرة على الجانبين ومعاينة الصور المعلقة فيها والتمعن في قواميس أصحاب الدكاكين وتعابيرهم. كنت أكتب عن الحرب واجتذبني مربع ولادتها.


على جانبي الطريق احتشد لبنانيون فقراء أو من ذوي الدخل المحدود من العمّال وصغار الموظفين والجنود والمتقاعدين.

جاؤوا إلى بيروت بعدما ضاقت بهم سبلُ العيش في الجنوب أو البقاع أو الشمال. 

وبينهم من جاؤوا مرغمين يحملون مرارات التهجير الذي أطلقته الحرب. لبنانيون بسطاء يحلمون بالكرامة والخبز وتأمين إرسال الأطفال إلى المدارس.

الشياح يكتظُّ بالشيعة وعين الرمانة تكتظُّ بالمسيحيين. وكان بين شباب الشياح من تستميله الأحزاب اليسارية قبل أن تجتذبَهم هالة الإمام موسى الصدر فينخرط كثير منهم في حركة «أمل» خصوصاً بعد انتفاضة 6 فبراير (شباط) 1984 بقيادة نبيه بري.

وكان شباب عين الرمانة ينجذبون إلى حزبي «الكتائب» و«الوطنيين الأحرار» قبل أن تنعقد السيطرة لـ«القوات اللبنانية» بزعامة بشير الجميل.

لم يخطر ببال سكان عين الرمانة ولا ببال سكان الحي المجاور أنَّ حدثاً بدا بعيداً للوهلة الأولى سيحضر بقوة لاحقاً على جانبي الطريق التي لا يتعدَّى عرضها عشرة أمتار. إنَّه الثورة الإيرانية بقيادة الخميني في 1979.

وفي 1982 وبعد الغزو الإسرائيلي للبنان وفيما كان أبناء عين الرمانة يحتفلون بانتخاب بشير الجميل رئيساً ثم يبكون في وداعه قبل دخوله القصر، كانت إيران تضع اللبنات الأولى لبناء «حزب الله» اللبناني. 

الحزب هو التغيير الكبير الذي طرأ على الساحة الشيعية والمشهد اللبناني، خصوصاً بعد دوره في تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي. 

وفي حين كان الحزب يعزز حضوره السياسي وآلتَه العسكرية والأمنية في بداية القرن الحالي، كان سمير جعجع في السجن وميشال عون في منفاه الفرنسي. وسرعان ما بدا أنَّ الحزب الذي ورث دور سوريا في لبنان بعد انسحاب قواتها من لبنان إثر اغتيال رفيق الحريري هو مشروع أكبر من قدرة الدولة اللبنانية على احتوائه.

تأكد هذا الانطباع حين كسر الحزب بالقوة العسكرية إرادة اللاعبين السنّي والدرزي في أحداث 7 مايو (أيار) 2008. 

كما تأكد حين خرج الحزب من لبنان ليلعب أدواراً عسكرية وأمنية في سوريا وغيرها.

ما يسمعه زائر «المناطق الحدودية» بين الطوائف اللبنانية كعين الرمانة والشويفات وقصقص وصيدا وغيرها يشير إلى أزمة عميقة تعيشها البلاد وتبدو غير قادرة على مواجهتها.

يستحيل بناء دولة طبيعية في ضوء الواقع القائم على الأرض والدليل هو انهيار ما كان تبقى من الدولة.

اقتصاد مدمر، وعزلة عربية ودولية، وقلق متصاعد لدى المجموعات اللبنانية، فهي تشعر بسقوط لبنان السابق وليست مطمئنة إلى موقعها في لبنان المقبل.

يضاف إلى ذلك شعور بقية الطوائف أنَّ «حزب الله» أخرج الطائفة الشيعية من النسيج الوطني ليبني فيها نموذجاً صارماً وموصداً يهدّد بالاصطدام الدائم بالمكونات الأخرى في بلد قام على التعدد.

كانت تفصل الشياح عن عين الرمانة طريق يمكن عبورها بسهولة حين يتوقف إطلاق النار. الآن تتَّسع المسافة بين سكان المنطقتين. 

في الدكان في الشياح يمكنك العثور على صورة الإمام الصدر ونبيه بري أو صورة حسن نصر الله وصور عناصر «حزب الله» و«المقاومة الإسلامية» الذين سقطوا في معاركهما. 

وفي الدكان في عين الرمانة يمكنك العثور على صورة لبشير الجميل وسمير جعجع، وأحياناً للبطريرك الراحل نصر الله صفير فضلاً عن شارات «المقاومة المسيحية».

قبل خمسة أعوام كان هناك في عين الرمانة والمناطق التي تشبهها من يراهن على ترميم الحد الأدنى من الدولة بعد انتخاب ميشال عون. 

وتوقع كثيرون أن يحصلَ الجنرال بعد موقفه الملتبس من الاغتيالات والمحكمة الدولية، وبعد تحالفه مع «حزب الله» على هدايا لمصلحة الدولة وهيبتها. 

حصل ما هو العكس تماماً. تسمع في عين الرمانة وغيرها مرارات من عون «الذي أخذ ما يعتبره حقَّه في الرئاسة وتخلى عن الجمهورية». 

ينتقدون بقوة الرجل «الذي شارك في تعطيل الاستحقاقات الدستورية ودخل القصر وانشغل بترتيب مستقبل صهره لا مستقبل البلاد والأجيال».


قبل خمسة أعوام كان هناك من يعتقد أنَّ عون لن يضيع الفرصة، وأنَّه سيحاول جدياً أن يكونَ الجسر بين المكونات، وأن يستعيدَ للدولة شيئاً من بريق مؤسساتها فيتجدد رهان المجموعات على الدولة لا على الصقور. 

وكان هناك من يعتقد أنَّ عون سيخلع لدى دخوله القصر عباءته الحزبية وأحقاد الماضي، وأنَّه سيكرّس نفسه مرجعاً وطنياً وراعياً لترميم المعادلة اللبنانية. 

وفوجئ كثيرون أنَّ سنوات الرئيس انقضت في حروب صغيرة غير مقنعة، وكيديات أضعفت علاقته بمعظم المكونات ضاعفها غياب الود القديم مع الرئيس بري.

الانهيار الكبير وغير المسبوق الذي شهده عهد عون وسلوك الرئيس كأنَّه مراقب معارض أضعف رصيده وشعبيته، خصوصاً بعد اغتيال مرفأ بيروت. انحسار الرهان على عون ساهم في تعزيز موقع سمير جعجع الذي بات كبير المنخرطين في مواجهة مشروع «حزب الله».

هل يريد اللبنانيون العيش معاً؟ إذا كان الرد بالإيجاب فلا خيار غير تبادل التنازلات. 

لا بد من موعد في منتصف الطريق أو نقطة قريبة منها. إنَّ التخاطب بالرصاص والإملاءات وفرض الملامح بالغ الخطورة في بلد متعدد تشكل الهشاشة جزءاً من قصته.

لا بدَّ من العودة إلى الجلوس تحت سقف الدستور. 

لا بدَّ من قضاء مستقل لا تكسر إرادته ولا تنتقص عدالته تبعاً لمزاج القوى السياسية. 

لا بدَّ من العودة إلى مفردات مشتركة، فالدولة العادلة لا تؤسس على الغلبة أو القهر أو كسر الإرادات.

لا بدَّ من مراجعة كي لا تتحول الطريق التي كانت تفصل بين حيين هما عين الرمانة والشياح إلى هاوية تفصل بين عالمين. لا بد من محاكمة كل من قتل. لكن لا بدَّ أيضاً من العودة إلى روح لبنان واحترام حق الاختلاف واستجماع شظايا دولة تعيد البناء من الصفر. دولة تستطيع ترميم الحديقة الهشة التي مزقتها وطأة الصقور.

ولم يعد سراً أنَّ التباعد يقضم التعايش. وأنَّ الهوة بين الأحياء المتجاورة تتسع، وأنَّ افتراق القواميس يتضاعف. كان من المؤلم أن يدوّي رصاص جديد قرب مسرح الرصاصة الأولى.

واضح أنَّ نصر الله يغرف من قاموس لا يشبه القاموس الذي يغرف منه جعجع ، و واضح أنَّ عون ضاع في الهوة الفاصلة بين القواميس!

المصدر: الشرق الأوسط

 

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

ابتكار مذهل ينهي كابوس نقل النباتات ويسهل الزراعة المنزلية للمبتدئين

ابتكار مذهل ينهي كابوس نقل النباتات ويسهل الزراعة المنزلية للمبتدئين

2026-07-04 19:30 224
تراجع جديد لأسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

تراجع جديد لأسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-07-04 17:45 1949
الأمن الوطني العراقي يُحبط تهريب أدوية وأطنان من الأغذية الفاسدة

الأمن الوطني العراقي يُحبط تهريب أدوية وأطنان من الأغذية الفاسدة

2026-07-04 17:43 1512
الزيدي: مكافحة الفساد معركة وطن بأكمله ولن نتراجع مهما بلغت الضغوط

الزيدي: مكافحة الفساد معركة وطن بأكمله ولن نتراجع مهما بلغت الضغوط

2026-07-04 17:07 2307
الصحة تصدر بياناً عاجلاً بشأن أنباء إلزام أطباء العيادات الخاصة بالاستقالة

الصحة تصدر بياناً عاجلاً بشأن أنباء إلزام أطباء العيادات الخاصة بالاستقالة

2026-07-04 16:35 2792
الزيدي يُعلنها من "الداخلية": الفساد خط أحمر ومكافحته تحولت إلى مطلب شعبي

الزيدي يُعلنها من "الداخلية": الفساد خط أحمر ومكافحته تحولت إلى مطلب شعبي

2026-07-04 15:45 2076
الحكيم يؤكد دعم الحكومة ويطالب بإصلاح إداري شامل واعتماد الأتمتة

الحكيم يؤكد دعم الحكومة ويطالب بإصلاح إداري شامل واعتماد الأتمتة

2026-07-04 15:05 2939
ليلة حاسمة في المونديال… المغرب وفرنسا أمام اختبارات نارية

ليلة حاسمة في المونديال… المغرب وفرنسا أمام اختبارات نارية

2026-07-04 14:04 2561
حارس مجهول يخطف المونديال ويُشعل العالم رقمياً… ما القصة

حارس مجهول يخطف المونديال ويُشعل العالم رقمياً… ما القصة

2026-07-04 12:43 3726
طهران: أمن هرمز خط أحمر ولن نسمح باستعراضات عسكرية أجنبية

طهران: أمن هرمز خط أحمر ولن نسمح باستعراضات عسكرية أجنبية

2026-07-04 11:51 3595
"المطلع" تنشر قائمة صباحية بأسعار الدولار في الأسواق العراقية

"المطلع" تنشر قائمة صباحية بأسعار الدولار في الأسواق العراقية

2026-07-04 11:32 3382
مصر تتجاوز أستراليا بركلات الترجيح وتتأهل رسمياً لدور الـ 16 بالمونديال

مصر تتجاوز أستراليا بركلات الترجيح وتتأهل رسمياً لدور الـ 16 بالمونديال

2026-07-03 23:58 4062
محافظات عراقية تُعطل الدوام الرسمي الأربعاء لإتاحة المشاركة في تشييع خامنئي

محافظات عراقية تُعطل الدوام الرسمي الأربعاء لإتاحة المشاركة في تشييع خامنئي

2026-07-03 23:24 6476
المالكي يحذر من التخلي عن الإطار التنسيقي: مشروع وطني أثبت نجاحه

المالكي يحذر من التخلي عن الإطار التنسيقي: مشروع وطني أثبت نجاحه

2026-07-03 21:37 4871
"المطلع" تنشر جدول أعمال جلسة البرلمان ليوم الاثنين المقبل

"المطلع" تنشر جدول أعمال جلسة البرلمان ليوم الاثنين المقبل

2026-07-03 20:27 7878
احذروا "خديعة الجميلي".. القضاء يكشف مخططاً لابتزاز رجال الأعمال باسم التحقيقات

احذروا "خديعة الجميلي".. القضاء يكشف مخططاً لابتزاز رجال الأعمال باسم التحقيقات

2026-07-03 19:29 5487
تعرف على أبرز الشخصيات والوفود الدولية التي شاركت بتشييع خامنئي بطهران

تعرف على أبرز الشخصيات والوفود الدولية التي شاركت بتشييع خامنئي بطهران

2026-07-03 18:01 13013
آميدي والحلبوسي يشاركان في مراسم تشييع خامنئي بالعاصمة الإيرانية طهران

آميدي والحلبوسي يشاركان في مراسم تشييع خامنئي بالعاصمة الإيرانية طهران

2026-07-03 17:05 5955