المطلع
عاجل

post-image

علي وجيه يكتب: هل سمعوا قصائد حسين السلطاني؟

الكاتب: علي وجيه


17:07 مقالات عامة
2022-07-11
896757

علي وجيه

مشكلةُ الطبقة السياسيّة الحاليّة، بمجملها، أنّها لا تمتلكُ مجسّاتٍ لتفهم وضع المجتمع العراقيّ، هم بغالبيّتهم في منفى اختياري، جغرافيّ: المنطقة الخضراء، والبيوت المعزولة عن سواها بالحرس والكونكريت. والمنفى البشريّ المكوّن من الحواشي التي تطبخُ لذيذَ الوعود والآراء، لتزيّن للمسؤول أجمل ما في العالم، حتى ينصدمَ في الاحتجاجات مرةً إثر أخرى، برأي الناس فيه.
هل هي حالة عراقية؟ على الإطلاق، شاهدناها لدى صدّام والقذّافي وكل سياسيّ ظالمٍ أو متجاهل.
الفيسبوك هو مجرّد "جيوش ألكترونية"، والإعلام هو "مدفوع الثمن"، والقلّة التي يواجهونها تكون بالغالب تحاول الحصول على تعيين أو نقل إداريّ، وهذه القلّة هي "الشعب" بالنسبة لهم".
حسين السلطاني شاعرٌ شاب، لا أعرفه شخصيّاً، يكتبُ الشعر العامّي، ومثل كلّ شعر عاميّ مختلف، ومؤثر، فهو من المحافظة التي لا يُشبهها شيء في أيّ شيء: ذي قار.
على مدى ساعةٍ كاملة، في برنامج "اشتاكَلي" مع رائد أبو فتيان، كان هذا الشاب مختلفاً جداً، لدرجة أنني لم أتلقّ الحلقة تلقيَ شعرٍ واستمتاع، بل استمتعتُ لنسقٍ اجتماعيّ، سياسيّ، رغم خلوّ القصائد من أيّ ذكرٍ سياسيّ.
يشبه حسين السلطاني الآلاف من شباب الناصرية وضواحيها من الأقضية والنواحي، الشاب المهذب، المبتسم، المسحوق، الذي يبحث عن عملٍ في العاصمة، ومع "الأنا" الجمعية الخارقة التي يحملها أبناء مدينة كلّ ما فيها يبعثُ على رفع الأنف عالياً، وواقعٍ هو أسوأ ما يمكن التعامل معه: نحن لا نعرفُ كيف نتصرف بالضبط مع شباب ذي قار!
أنتَ في مدينةٍ هي محجّ الكرة الأرضية والسياحة الأثرية والدينية، لكن من المستحيل أن تجدَ فرصة عمل بسلاسة، وإن طالبتَ بأيّ شيء، سيكون القمعُ والرصاص والمتسلّقون على تعبك حاضرين، ليصنعوا منك مجزرةً وتشويه سمعة، تلفظك المدن الكبرى، فأنت "شروكَي"، وإن كنتَ في الجيش أو الحشد الشعبي، فستكون مدينتك، ذات ملامح الغبار والجفاف، هي صاحبة الأرقام الأعلى، ومهما بالغتَ بإكرام ضيوفك، وأن تفزعَ لهم، تبقى تلك "الشجرة الخبيثة" التي لا يرتاحُ لها المرء، من خارجها! 
حتى في أيّام الاحتجاجات، كان احتجاج الناصرية يحملُ نَفَساً عدميّاً، ثمّة متظاهرون غير معنيين بما سيحدث، لكنهم الأقرب للموت، كانت الفيديوات حيث يركض شباب بفانيلات نحيلة بين الرصاص الحيّ، هو أقسى ما رأيناه، قبل أن يسيل نهر توابيت في اليوم التالي على جسر الزيتون. 
هذه لمحة سريعة لشباب غاضب، لم تنجح كل الحكومات بتحريك وضعها الاقتصادي، أو الترفيهي في المدينة ولو بشكلٍ قليل، هذه العدمية تنعكسُ على أهازيج الاحتجاج، وحتى في منشورات الفيسبوك، وليس انتهاءً بالشعر.
يقول حسين السلطاني 
"عود ردت ظهورنا بنفس الصليب
ليش عيسى بدينه وآنه بديني؟
هسّه بالله الكَلبه ما ينطيه: رِجيج
آنه كَلبي وعقلي ما ينطيني
وجنت أحبك، وخاف اخسرك
وخاف أضيع
وجان هذا براسي ليليّة الكلام
وأطلع من الدِين، ويردني اليقين
وأطلع من البيت ويردني الظلام
والشمس تطلع وألف راسي وأكَوم
آنه اذا ما روحي تطلع: ما أنام!"
ويكمل، الشاب المبتسم، المهذب، المُجامل، نصوصاً عدميّة أخرى، لا تشبه ما نراه في الشعر الشعبي العراقي، فحتى زيادة "جرعة الفلسفة" في يسار الشعر الشعبي، ستّينيّاته وسبعينيّاته، لكنه كان عمقاً مُستعاراً، وعدمية مقروءة، أكثر من كونها معاشة.
كان لسان جيل كامل: 
"محّد حاس بإحساسي
يمعودين، ما ناسي، وكَلت "ناسي"
وبراسي سوالف مالهن ردّاد
على ساعة أفرّغ مخزن براسي
وأبوي يخاف ربّه 
وملتهي بربّه 
بس ما يدري بابنه شصاير بكَلبه
لو كَايلّي: بويه شبيك ما مرتاح؟
جا ما سولفت مالاتي عالغربة.
وآنه من العراق، شعندي غير البيت؟
وبعد منّاه وغاد البيت ما اطبّه
عِليل وما طبت، راح أكَطع التدخين
وكَطعته وما طبت، راح أكَطع الركَبة".
هذا ليس إبداعاً فردياً، أعني: ليس مجرّد شاعر قرّر أن يكون مختلفاً، هذا منطوق جيل كامل، غير معنيّ بالنظام الأبويّ "الملتهي بربّه" ولا يسأل ابنه عمّا يحدث معه في حياته، الانتحار ورمي النفس أمام الرصاص، قطع الطريق بالإطارات المشتعلة بسبب وبدون، التحفّز وانتظار أيّ حدث للإعلان عن الذات، هو كلام أكثر من جيلين، غير معنيين بسرديات الإيديولوجيا الكلاسيكيّة، وما فعلته قبل ولادتها بعقدين أو ثلاثة! 
هذا بارومتر جاهز، قصائد حسين السلطاني وأبناء جيله والجيل الذي سبقه، من بينها قصائد شاعرين توفيا بحادث سير مؤلم (زيد السومري، علي مهدي)، والشعراء الأحياء الآخرين الشباب، هذا مجسّ إضافيّ لطبقة سياسيّة لا تعرف شيئاً عن الشعر، ولا عن الشباب، ولا حتى ما يدور خارج غرف الاجتماعات التي لا علاقة لها بالموضوع المُجتَمع بشأنه! 

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

أسعار الدولار تنخفض في بغداد وأربيل مع إغلاق الأسواق

أسعار الدولار تنخفض في بغداد وأربيل مع إغلاق الأسواق

2026-08-19 17:48 261
الزيدي وقاليباف يبحثان تعزيز التعاون ويرسخان عمق الشراكة العراقية الإيرانية

الزيدي وقاليباف يبحثان تعزيز التعاون ويرسخان عمق الشراكة العراقية الإيرانية

2026-08-19 16:47 2169
القضاء يبرئ مدير استخبارات "حزام بغداد" ويلغي القضايا بحقه

القضاء يبرئ مدير استخبارات "حزام بغداد" ويلغي القضايا بحقه

2026-08-19 15:32 2501
باراك: كنا على بعد خطوة واحدة من مواجهة عسكرية بين تركيا وإسرائيل

باراك: كنا على بعد خطوة واحدة من مواجهة عسكرية بين تركيا وإسرائيل

2026-08-19 14:47 2663
الحلبوسي وقاليباف يبحثان تعزيز التعاون البرلماني والأوضاع الإقليمية

الحلبوسي وقاليباف يبحثان تعزيز التعاون البرلماني والأوضاع الإقليمية

2026-08-19 14:43 2166
أسعار صرف الدولار ترتفع في أسواق بغداد وأربيل

أسعار صرف الدولار ترتفع في أسواق بغداد وأربيل

2026-08-19 11:23 3529
​قاليباف من بغداد: العراق دولة مهمة بالمنطقة وزيارتنا لبحث التعاون

​قاليباف من بغداد: العراق دولة مهمة بالمنطقة وزيارتنا لبحث التعاون

2026-08-19 10:01 3355
رهانات تثبيت الفائدة تدعم الذهب الفوري فوق مستوى 4350 دولاراً للأونصة

رهانات تثبيت الفائدة تدعم الذهب الفوري فوق مستوى 4350 دولاراً للأونصة

2026-08-19 09:18 3808
أسعار النفط تواصل الارتفاع لليوم الرابع وسط ضبابية الملاحة في هرمز

أسعار النفط تواصل الارتفاع لليوم الرابع وسط ضبابية الملاحة في هرمز

2026-08-19 09:12 3505
رئيس مجلس الشورى الإيراني يصل العاصمة بغداد على رأس وفد رفيع

رئيس مجلس الشورى الإيراني يصل العاصمة بغداد على رأس وفد رفيع

2026-08-19 08:41 15591
"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

2026-08-19 00:24 28845
توقيف مسؤولين بوزارة النقل العراقية بقرار من القضاء

توقيف مسؤولين بوزارة النقل العراقية بقرار من القضاء

2026-08-18 22:40 19953
عراقجي: لا نقبل وقف إطلاق النار بل يجب إنهاء الحرب

عراقجي: لا نقبل وقف إطلاق النار بل يجب إنهاء الحرب

2026-08-18 21:45 6732
العراق يستنفر أمنياً إثر كشف مخطط لاغتيال القاضي زيدان.. وإدانات واسعة

العراق يستنفر أمنياً إثر كشف مخطط لاغتيال القاضي زيدان.. وإدانات واسعة

2026-08-18 21:11 6330
الإعلام الأمني عن ملف حصر السلاح: لا يستهدف فصيلاً أو جهة أو مكوناً بعينه

الإعلام الأمني عن ملف حصر السلاح: لا يستهدف فصيلاً أو جهة أو مكوناً بعينه

2026-08-18 20:30 6626
أسعار الدولار تغلق على ارتفاع في العراق

أسعار الدولار تغلق على ارتفاع في العراق

2026-08-18 18:03 6511
ترامب: لا توجد محادثات أو مناقشات جارية أو مقررة مع إيران

ترامب: لا توجد محادثات أو مناقشات جارية أو مقررة مع إيران

2026-08-18 16:51 6206
مستشار الزيدي: حصر السلاح إطار تنظيمي لحماية المقاتلين وليس للتفريط بتضحياتهم

مستشار الزيدي: حصر السلاح إطار تنظيمي لحماية المقاتلين وليس للتفريط بتضحياتهم

2026-08-18 14:59 6397