هل يطوي "العمال الكردستاني" صفحته الأخيرة... إعلان الحل يفتح باب الأسئلة الصعبة إقليمياً
أثار إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) عن حلّ نفسه جدلًا واسعًا حول مدى واقعية هذه الخطوة، وتداعياتها المحتملة على الساحة الإقليمية والدولية، خاصة في العراق، حيث يمتد نفوذ الحزب على نطاق جغرافي واسع يبدأ من مرتفعات قنديل في أقصى شرقي كردستان وصولًا إلى سنجار غربًا.
في تحليل نشرته "شبكة 964" وتابعته "وكالة المطلع"، حيث ناقشت فيه عدد من الباحثين الكرد من إقليم كردستان وخارجه سيناريوهات حلّ الحزب، وأجمعوا على أن الخطوة تُعد تطورًا كبيرًا بحجم حساسيتها، وسط احتمالات مفتوحة لتنفيذها.
حل معقد... وساحات متعددة
تبدو إمكانية تنفيذ حلّ الحزب في تركيا أسهل نسبيًا، بل ومفيدة سياسيًا، وفق بعض القراءات، إلا أن الأمور تزداد تعقيدًا في إيران، بينما تبدو إمكانيات التنفيذ في سوريا أكبر رغم التحديات، في حين يُعد الوضع في العراق من بين الأكثر تشابكًا، بسبب انتشار عناصر الحزب في مناطق استراتيجية ووعرة يصعب إخضاعها لأي سلطة.
ويمتلك الحزب شبكات مصالح تمتد عبر العراق وسوريا وإيران وتركيا، وصولًا إلى أوروبا، فيما يتركز وجوده العسكري في شمالي إقليم كردستان داخل مناطق جبلية صعبة مثل قنديل، متين، گارة، آڤاشين، وحفتانين.
ولم تتمكن أي حكومة عراقية من فرض سيطرتها الكاملة على هذه المناطق التي طالما كانت ساحة صراع بين البيشمركة والجيش العراقي المدعوم بالطيران الحربي.
السؤال المطروح هنا: كيف سيتم إخلاء تلك المناطق؟ وهل ينسحب مقاتلو الحزب نحو المدن الكردية؟ ولمن سيسلمون أنفسهم؟ لحكومة الإقليم؟ أم الحكومة الاتحادية؟ أم ربما للقوات الأميركية؟
مصير القواعد التركية... ملف لا يقل تعقيدًا
هذه التساؤلات تقود إلى نقطة حساسة أخرى تتعلق بمصير 138 قاعدة وموقعًا عسكريًا تركيًا أقامتها أنقرة في شمال العراق بذريعة ملاحقة عناصر الحزب. فماذا سيكون مصير هذه القواعد في حال تنفيذ الحل فعليًا؟
ويحكم وجود الحزب في قنديل تفاهمات إقليمية معقدة، أبرزها التسهيلات الإيرانية غير المعلنة مقابل التزام جناحه الإيراني "PJAK" بوقف العمليات داخل إيران.
هذا التفاهم كان جزءًا من اتفاق رعاه الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني وشارك فيه نظام بشار الأسد، وأدى إلى انسحاب القوات السورية من المناطق الكردية عام 2011، وتسليمها لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذراع السوري للـ PKK.
منذ ذلك الحين، لم ينفذ PJAK أي هجمات داخل إيران، في حين واصلت طهران استهداف باقي الأحزاب الكردية الإيرانية المتواجدة في إقليم كردستان العراق.
سوريا... نفوذ عسكري وسياسي باسم "قسد"
في سوريا، يسيطر حزب الاتحاد الديمقراطي فعليًا على مناطق الإدارة الذاتية، رغم أن الواجهة الرسمية هي قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وتمثل وحدات حماية الشعب (YPG) والمرأة (YPJ) الذراعين العسكريين للحزب، وقد شكلا القوة الأساسية في معركة كوباني ضد داعش عام 2014.
ومع تدخل الولايات المتحدة، تشكلت "قسد" من فصائل كردية وعربية، وأصبحت الشريك الحصري لواشنطن.
وفي هذا السياق، حاول القائد العام لقسد، مظلوم عبدي، الابتعاد سياسيًا عن حزب العمال، وسعى لتوثيق علاقاته مع قيادة إقليم كردستان، وخصوصًا مع الزعيم مسعود بارزاني، في تحرك لم ينجح إلا بعد انطلاق "مسيرة السلام" ولقاءات أوجلان، ما أتاح لعبدي زيارة أربيل وفتح قناة سياسية جديدة.
ويرى محللون أن حلّ الحزب قد يخدم مشروع عبدي إذا قرر فعليًا فك الارتباط مع PYD وPJAK. وستكون بيانات هذه الأطراف خلال الأيام المقبلة مؤشرًا حاسمًا على الاتجاه المقبل.
تركيا... بين المصالحة والمحاسبة
داخليًا، تبدو مهمة حلّ الحزب أكثر سهولة في تركيا، حيث لا يزال عبد الله أوجلان يتمتع بنفوذ واسع بين أنصاره، يشبه ما يتمتع به زعماء تيارات كبرى مثل مقتدى الصدر في العراق.
كما أن حزب الشعوب الديمقراطي (DEM) يشكل واجهة سياسية شرعية للحراك الكردي داخل تركيا.
في أوروبا، يمتلك الحزب شبكات اقتصادية معقدة يصعب تفكيكها، وغالبًا ما تكون مُسجلة بأسماء أفراد، ما يطرح تحديات إضافية أمام أي عملية حل شاملة.
لكن العنصر الأهم في المرحلة القادمة سيكون الموقف التركي الرسمي، الذي لم يتضح بعد. فإذا قررت أنقرة التعامل مع عناصر الحزب السابقين كـ"مجرمين تائبين"، فقد تلجأ إلى المسارات الأمنية والقضائية. أما إذا اختارت فتح مسار سياسي، فقد نكون أمام نسخة جديدة من "عملية السلام" التي جرت بين 2013 و2015.
مستقبل سنجار ومصير وحداتها المسلحة
أما في العراق، فالعيون تتجه نحو سنجار، التي تمثل ملفًا معقدًا بسبب تداخل نفوذ حزب العمال مع التركيبة السكانية الحساسة والتوازنات الأمنية في المنطقة، خاصة مع وجود وحدات حماية سنجار التابعة فعليًا للحزب.
ختامًا، ما زالت جميع الاحتمالات مفتوحة. هل يمثّل إعلان الحل بداية لنهاية حزب العمال، أم أنه مجرد إعادة تموضع تحت مسميات جديدة؟ الإجابة، كما يقول المحللون، ستبدأ من أنقرة، وستنعكس سريعًا في قنديل وسنجار وكوباني وأربيل وطهران.
