النفط العراقي بين التهريب والمصالح السيادية: صراع مستمر ينهك الاقتصاد
لا يزال ملف تصدير النفط في العراق محور جدل واسع، في ظل تصاعد الحديث عن تفاقم ظاهرة تهريب النفط وتداعياتها الخطيرة على الاقتصاد الوطني. وبينما تؤكد الحكومة العراقية التزامها المتواصل بحماية الثروة الوطنية، تتزايد الدعوات لاتخاذ إجراءات صارمة لوقف التهريب والحد من الممارسات غير القانونية التي تستنزف موارد الدولة وتضعف إيراداتها من العملة الصعبة.
وجاء في تقريرلـ"العربي الجديد"وتابعته "المطلع" أنه:"شدد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء الماضي، بحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، على ضرورة استئناف تصدير النفط عبر الأنبوب العراقي التركي، كونه خطوة استراتيجية لاستقرار الإيرادات وتعزيز موقع العراق في الأسواق العالمية، في وقتٍ تواجه فيه المنشآت النفطية في إقليم كردستان تحديات أمنية خطيرة تمس استقرار الاقتصاد الوطني".
وخلال الاتصال، تطرق السوداني إلى رؤية العراق الاقتصادية، مؤكداً أهمية استئناف تصدير النفط عبر خط الأنابيب العراقي التركي، وإيقاف كل أشكال التهريب والممارسات غير القانونية التي تتعرض لها الثروة النفطية.
وتابع التقرير، تأتي هذه التصريحات في ظل استمرار التحديات الكبيرة التي تواجه قطاع النفط العراقي، ومنها عمليات التهريب والممارسات غير القانونية التي تستنزف موارد البلاد، وتضعف السيطرة الحكومية على الثروة الوطنية.
ورغم المحاولات الرسمية لإعادة تنظيم خطوط التصدير الرسمية وتفعيلها، وضم صادرات نفط إقليم كردستان للمركز، لا يزال العراق يواجه صعوبات في ضبط هذه العمليات، وسط تصاعد التحديات التي تهدد استقرار الأسواق والإيرادات الحكومية.
جوهر المشكلة
في السياق، قال النائب في البرلمان العراقي، ناظم الشبلي، إن الحكومة العراقية حددت جوهر المشكلة التي أشار إليها رئيس الوزراء، حول وجود تهريب وممارسات غير قانونية في تصدير النفط، تتمثل في صادرات نفطية غير معلنة أو خارج الإشراف الاتحادي، مما أدى إلى خسارة إيرادات الدولة وبيع النفط بأسعار غير شفافة.
وتحدث الشبلي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، عن أن أي تصدير أو تسويق للنفط خارج الإطار الرسمي المتمثل بوزارة النفط وشركة سومو (شركة تسويق النفط الوطنية) ومن خلال القنوات غير الرسمية، يُعد انتهاكاً للسيادة الاقتصادية وتهريباً للثروة الوطنية.
وأوضح أن خط أنابيب جيهان النفطي كان سابقاً طريقاً رئيسياً لتصدير نحو 150 ألف برميل يومياً من نفط كركوك وحقول شمال العراق إلى الأسواق الدولية عبر ميناء جيهان في تركيا، حيث تصل الشحنات إلى عدة بلدان في أوروبا وآسيا، ما يسهم في تنويع مسارات التصدير ويقلل الاعتماد على المنافذ الجنوبية.
وأكد الشبلي أن إعادة تشغيل هذا الخط يُمكن أن تعزز الاقتصاد العراقي بشكل ملحوظ عبر زيادة الإيرادات وتحسين السيولة المالية، إضافة إلى دعم الأمن الطاقي من خلال توفير مسارات بديلة للتصدير، مشيراً إلى أهمية سعي الحكومة إلى العمل عبر القنوات الرسمية لضمان عودة التشغيل بما يتوافق مع السيادة العراقية والمصالح الوطنية العليا.
مصالح اقتصادية سيادية
من جانبه، اتفق الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، مع ما ذهب إليه الشبلي، في أن أي عملية تصدير للنفط خارج الأطر الرسمية، دون المرور بوزارة النفط وشركة سومو، تُعد تهريباً صريحاً للثروة السيادية، سواء صدرت عن طريق إقليم أو محافظة.
وأضاف علي، لـ"العربي الجديد"، أن النفط العراقي مورد سيادي اتحادي بموجب الدستور، وأي تصرف به خارج منظومة الدولة يُعد تجاوزاً على الصلاحيات، ويضر بمصالح العراق الاقتصادية والسيادية.
ولفت إلى أن العراق سبق أن ربح دعوى قضائية أمام محكمة التجارة الدولية ضد تركيا بسبب سماحها بتصدير نفط إقليم كردستان بشكل مستقل دون الرجوع الى الحكومة العراقية، ما ألزم أنقرة بدفع أكثر من مليار دولار تعويضات للحكومة الاتحادية، وهو ما يعزز الحجة القانونية للعراق تجاه أي تصدير مشابه مستقبلاً.
وأضاف أن التقديرات تشير إلى أن العراق خسر خلال السنوات الماضية أكثر من 18 مليار دولار، بسبب تهريب نفط الإقليم، وهي خسائر لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تنعكس أيضاً على مكانة العراق القانونية والسيادية في السوق العالمية.
وأوضح أن هذه الخسائر المالية الفادحة تضر بشكل مباشر بميزانية الدولة وقدرتها على تمويل الخدمات والمشاريع التنموية، فضلاً عن أن الآثار السلبية تتجاوز الجانب المالي لتطال المكانة القانونية والسيادية للعراق في الأسواق العالمية.
تهريب النفط
من جانبه، قال الناشط في مجال مكافحة الفساد، سعيد ياسين، إن "ملف تهريب النفط في العراق يشكل قضية خطرة جداً، حيث يتضمن استغلالاً واضحاً للنفوذ السياسي على مستويات متعددة، ويعكس عمق الفساد المستشري في مؤسسات الدولة التي يفترض أن تحمي الثروة الوطنية".
وأوضح ياسين، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، أن عمليات التهريب لا تقتصر على مناطق محددة أو مجموعات محلية، بل تمتد لتشمل أطرافاً فاعلة في مفاصل القرار، ما يجعل من مهمة الحكومة في مكافحتها أمراً معقداً ومحفوفاً بالتحديات.
وأشار إلى أن هذه الشبكات تنشط بشكل رئيسي في مناطق الوسط والجنوب، مستفيدة من ضعف الرقابة وغياب التنسيق الأمني بين الجهات المعنية، كاشفاً عن وجود مصاف نفطية غير قانونية تُستخدم لتكرير النفط المهرب.
ولفت ياسين إلى أن تقديرات غير رسمية تشير إلى تهريب ما بين 40 ألفاً إلى 80 ألف برميل يومياً في أوقات الذروة، خاصة من الحقول الجنوبية مثل البصرة وميسان وذي قار، مبيناً أن هذه الكميات الهائلة تُحدث استنزافاً مباشراً لثروة العراق النفطية.
وحسب ياسين، "يعادل تهريب 50 ألف برميل يومياً بسعر متوسط يبلغ 75 دولاراً للبرميل نحو 3.75 ملايين دولار يومياً، أي ما يقارب 1.36 مليار دولار سنوياً، وهي خسائر جسيمة تُضعف قدرة الدولة على تمويل الخدمات والمشاريع الحيوية".
وأوضح ياسين أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب إجراءات حاسمة تبدأ بتعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والعدلية، وحصر كافة التعاملات النفطية ضمن الإطار الرسمي والشفاف، مع ضرورة إنشاء آليات مراقبة فعالة مشتركة بين الجهات الأمنية والمالية والفنية، بالإضافة إلى تنسيق دولي لملاحقة عمليات التهريب ومصادر تمويلها، حفاظاً على موارد العراق الوطنية.
كلمات مفتاحية
- العراق
- نفط العراق
- تركيا
- كردستان
- سومو
- تهريب النفط العراقي
- محمد شياع السوداني
- ماركو روبيو
- تصدير نفط العراق
- تقارير عربية دولية
