تحول إستراتيجي في قطاع النفط العراقي: اكتفاء ذاتي وفائض للتصدير
أكّد العراق، الأحد، عن تمكنه من زيادة قدراته التكريرية بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويغطي الطلب المحلي بالكامل على المشتقات النفطية، واضعاً نصب عينيه تصدير الفائض وتوسيع الإنتاج وفق خطط إستراتيجية.
ويُنظر إلى هذه الخطوة المهمة على أنها جزء من رؤية متكاملة للحكومة لتطوير البنية التحتية النفطية التي تضررت بشكل كبير جراء الحروب وسنوات الإهمال، رغم أن البلد يعد ثاني أكبر مصدّر للخام في منظمة أوبك.
وذكر مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في بيان، أن البلاد “رفعت طاقة التكرير إلى 1.3 مليون برميل يوميا من 1.1 مليون برميل يوميا في 2024”.
وأوضح أن “هذا التطور الإستراتيجي سيسهم في تغطية كامل الاستهلاك المحلي من المشتقات النفطية، الذي سجل عام 2024 مستوى 1.1 مليون برميل يوميا والذي وضع العراق على مقربة كبيرة من الاكتفاء الذاتي بمختلف المنتجات النفطية”.
وأشار المكتب إلى أن ذلك “سيحقق جملة من المكاسب، أبرزها خفض أعباء استيراد المشتقات النفطية إلى أدنى مستوى منذ عقود وتعزيز الميزان التجاري وإتاحة إمكانية التصدير للفائض من المشتقات في المستقبل القريب”.
وتطرق أيضا إلى توفير فرص عمل جديدة في قطاع الطاقة والقطاعات المتصلة به، وتحسين جودة الوقود وفق المواصفات العالمية، وتقليل مستويات انبعاث الكربون والتلوّث.
وقال السوداني في وقت سابق هذا العام، إن العراق، العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، “يستهدف طاقة تكرير تصل إلى 1.65 مليون برميل يوميا”.
ويعكس هذا التحول نجاح الحكومة في تنفيذ إستراتيجيتها الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز مقومات التنمية الاقتصادية المستدامة، وتحقيق مصلحة العراقيين عبر ضمان استقرار أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية.
كما وضعت وزارة النفط خطّة للبدء بتصدير مادتي زيت الغاز ووقود الطائرات بعد أن تحقق الاكتفاء الذاتي منهما، وفق بيان المكتب.
ووقّع العراق، الذي يسعى لجذب شركات النفط العالمية العملاقة، مؤخراً اتفاقيات مع شركات نفط أجنبية كبرى منها شيفرون الأميركية وتوتال إنيرجيز الفرنسية وبي.بي البريطانية.
ويُقدّر أن الحكومة تنفق قرابة 4 مليارات دولار سنويا لاستيراد المشتقات النفطية، رغم تصدير البلاد أكثر من ثلاثة ملايين برميل من النفط الخام يومياً، وفق حصص متفق عليها ضمن تحالف أوبك+ الذي تقوده كل من السعودية وروسيا.
وبحسب المعلومات المتوفرة، تتألف صناعة التكرير المحلية من ثلاث شركات حكومية هي نفط الشمال ونفط الوسط ونفط الجنوب، تدير القطاع الذي يضم نحو 14 مصفاة.
ويواجه العراق منذ سنوات تحديات كبيرة في قطاع الطاقة، وعلى رأسها ضعف القدرة التكريرية للمصافي المحلية مقابل الطلب المتزايد على المشتقات النفطية.
ورغم أن البلد، وهو ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك بعد السعودية، يمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم، فإنه لا يزال يعتمد بشكل كبير على استيراد البنزين ووقود الديزل لتلبية الاحتياجات المحلية.
ولذلك فإن الاستثمار في قدرات التكرير الداخلية، وعلى رأسها توسعة مصفاة الديوانية، يُعد خطوة ضرورية لتحسين الميزان التجاري وخفض الاعتماد على الأسواق الخارجية.
وتأتي توسعة مصفاة الديوانية التي تم إطلاق أعمالها بداية يوليو الماضي كمبادرة إستراتيجية تهدف إلى تعزيز صناعة التكرير وتقليل الاعتماد على الواردات، ما يسهم في تحسين أمن الطاقة وتحقيق قيمة مضافة إلى الموارد الوطنية.
ويقول الخبراء، إن السياسة النفطية الجديدة في العراق، التي تركز على تحديث وتوسيع المصافي بدلا من الاعتماد على تصدير الخام فقط، تُعد تحولا مهما في التفكير الإستراتيجي.
ويرون أن الحكومة من خلال وزارة النفط وشركاتها التابعة لها، تحاول الاستفادة من الاستقرار النسبي في بعض المحافظات لتنفيذ مشاريع طويلة الأمد، رغم التحديات الأمنية والسياسية والبيروقراطية التي لا تزال قائمة.
وضمن سياسة وزارة النفط وبرنامج الحكومة، فقد شهد قطاع الطاقة منذ 2023 متابعة حثيثة لاستكمال المشاريع المتلكئة، حيث تم وضع برنامج ضمن خطة زمنية لإكمالها.
وكان من بين أهم المشاريع استكمال مصفاة كربلاء خلال العام قبل الماضي، والتي تعتبر مصدراً رئيساً للمنتجات المحلية.
وتظهر المعطيات الرسمية أن المصفاة تكرر ما يقارب 140 ألف برميل نفط خام يومياً بمنتجات مطابقة للمواصفات التسويقية العالمية، بينها بنزين سوبر 95 أوكتان وزيت الغاز (الكاز) والنفط الأبيض وكافة المنتجات الأخرى.
وفي فبراير 2024 أعادت وزارة النفط تشغيل مصفاة الشمال في بيجي لتبلغ طاقة إنتاجها 150 ألف برميل يوميا، مما يرفع القدرات الإجمالية لمجمع بيجي إلى 290 ألف برميل يومياً.
وتطمح بغداد لبناء مصاف جديدة بعد أن تقلصت طاقتها لتكرير النفط بشدة جراء الأضرار التي لحقت بمصفاة بيجي الأكبر في البلاد خلال سيطرة تنظيم داعش عليها في منتصف عام 2014.
وفي مايو الماضي كشف نزار الشطري مدير عام شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، أن بغداد تدرس خططاً للاستثمار بمصافٍ خارجية بسعات عالية التكرير لضمان تسويق النفط وتعظيم العائدات مع التركيز على أسواق آسيا سريعة النمو.
ويوجه العراق 75 في المئة من صادرات النفط إلى آسيا “نظرا للنمو السريع الذي تشهده هذه المنطقة والزيادة المستمرة في طاقة التكرير مُقارنةً بالسوقين الأوروبية والأميركية”، وفق تصريحات الشطري خلال مقابلة مع بلومبيرغ الشرق.
وتأتي الصين والهند وكوريا وإندونيسيا وماليزيا على قائمة الوجهات الرئيسية للصادرات العراقية.
وأشار الشطري إلى أن التوجه نحو الاستثمار بمصافٍ خارجية يهدف إلى تعزيز القدرة التسويقية للخام العراقي من خلال ضمان نسبة محددة ثابتة لصالحه في هذه المنشآت مهما كانت تقلبات الأسعار.
وتظهر الإحصائيات أن صادرات العراق من الخام بلغت العام الماضي 1.2 مليار برميل بعوائد تخطت نحو 95 مليار دولار، وهي ثروة تشكّل المصدر الأساسي للميزانية العامة بنسبة تتجاوز 90 في المئة من إيراداتها.
كلمات مفتاحية
- العراق
- قطاع النفط العراقي
- تصدير نفط العراق
- اقتصاد العراق
- قطاع الطاقة العراقي
- تقارير عربية دولية
- منظمة اوبك
- وزارة النفط العراقية
