المطلع
عاجل

post-image

العراقيون العائدون من المهجر: بين حلم الاستقرار وواقع التحديات


15:32 تقارير عربية ودولية
2025-12-17
25361

لم تعد الهجرة بالنسبة لآلاف العراقيين خياراً دائماً كما كانت في سنوات سابقة، فبعد تجارب طويلة في دول اللجوء، يعود كثيرون محمّلين بخبرات، وآمال مؤجلة، وخيبات غير معلنة، وبين تحسّن نسبي في بعض المناطق العراقية، وتشدد متزايد في سياسات الهجرة الأوروبية، تتشكل موجة عودة سنوية تطرح سؤالاً أساسياً: هل العودة بداية استقرار، أم محطة مؤقتة قبل رحلة جديدة؟.

وعلى مدى السنوات الأخيرة، سجّلت المنظمة الدولية للهجرة عودة أكثر من سبعة آلاف عراقي سنوياً من دول المهجر إلى العراق.

وهذه الأرقام لا تعكس قراراً فردياً معزولاً، بل ظاهرة متشابكة الأسباب، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية، والتحديات القانونية، والعوامل النفسية والاجتماعية.

وفي مقدمة هذه الأسباب، يبرز تشدد قوانين الإقامة واللجوء في عدد من الدول الأوروبية، ورفض كثير من الطلبات، إلى جانب طول فترات الانتظار للحصول على الإقامة أو الجنسية.

وكما شكّل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الاندماج في المجتمعات الغربية عاملاً ضاغطاً دفع العديد من العراقيين إلى إعادة التفكير بالبقاء خارج البلاد.

وإلى جانب ذلك، لعب الحنين إلى العائلة والشعور بالعزلة الاجتماعية دوراً حاسماً في اتخاذ قرار العودة، لا سيما لدى كبار السن والعائلات التي وجدت صعوبة في التكيّف مع أنماط الحياة الجديدة.

وفي مقابل هذه العوامل، ساهم تحسّن نسبي في الوضع الأمني ببعض المناطق العراقية، وتنامي فرص العمل المحدودة، في تشجيع عدد من العائلات على العودة.

ولكن تجربة العودة لم تكن دائماً كما هو متوقَّع. علي السيد، العائد من فنلندا بعد سبع سنوات من الهجرة، يروي لـ"العربي الجديد" أن:"خروجه من العراق عام 2004 جاء هرباً من واقع أمني قاسٍ، وأن رحلة اللجوء نفسها كانت مليئة بالتعقيدات القانونية والانتظار الطويل".

ويؤكد أن:"العودة التي كانت بدافع الحنين والضغط العائلي لم توفّر له الاستقرار المنشود، إذ واجه مخاوف أمنية متواصلة واضطر إلى تغيير سكنه أكثر من مرة، في ظل غياب دعم فعلي من مؤسسات الدولة أو منظمات المجتمع المدني".

ويرى الباحث الاقتصادي الدكتور علي الكعبي أن:"عودة آلاف العراقيين سنوياً تعكس فشل تجربة الهجرة لدى شريحة واسعة بقدر ما تعكس تحسناً نسبياً داخل العراق".

ويشير إلى أن، كثيراً ممن غادروا بعد عام 2014 فعلوا ذلك لأسباب أمنية واقتصادية، إلا أن الواقع في أوروبا لم يكن أسهل، سواء من حيث فرص العمل أو الاندماج الاجتماعي أو الشعور بالانتماء، ما جعل العودة خياراً مطروحاً، خاصة مع برامج العودة الطوعية التي دعمتها بعض الحكومات الأوروبية.

ويحذّر الكعبي من أن:"هذه العودة، رغم بعدها الإنساني، تضع الحكومة العراقية أمام تحدٍ اقتصادي حقيقي، يتمثل في ضرورة توفير فرص عمل وبرامج دمج اقتصادي واجتماعي، لمنع إعادة إنتاج أزمة الهجرة مرة أخرى".

ومن جهتها، تؤكد مديرة منظمة تمكين المرأة في العراق، ميسون البدري، أن العودة لا تعني فقط الانتقال من بلد إلى آخر، بل تمثل تجربة نفسية واجتماعية معقّدة.

وتوضح أن:"منظمتها، بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، تعمل عبر المراكز الألمانية–العراقية للوظائف والهجرة وإعادة الإدماج في بغداد وأربيل على تقديم الاستشارات الفردية، والتدريب المهني، والمساعدة في إيجاد فرص عمل، إضافة إلى دعم مالي وفني لإطلاق مشاريع صغيرة".

وتشير البدري إلى أن:"هذه البرامج ترافقها جهود للدعم النفسي والاجتماعي بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، بهدف تمكين العائدين من بناء حياة مستقرة والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل العراق".

وفي الإطار الحكومي، يوضح الدكتور فراس الراوي، العامل في دائرة القنصليات المعنية بملف عودة المهاجرين، أن عودة العراقيين جاءت نتيجة تنسيق مشترك بين الحكومة العراقية والمنظمات الدولية، ولا سيما المنظمة الدولية للهجرة.

ويؤكد أن:"السفارات العراقية لعبت دوراً أساسياً في فتح قنوات تواصل مع العائلات الراغبة بالعودة، وتقديم التسهيلات الإدارية والقنصلية، فضلاً عن تنظيم رحلات طوعية خاصة".

ويضيف أن:"وزارة الخارجية تعمل بالتعاون مع وزارة الهجرة والمهجرين وجهات حكومية أخرى على برامج لإعادة دمج العائدين، تشمل التدريب المهني وحزم دعم مالي أولية، لضمان أن تكون العودة بداية جديدة لا مجرد انتقال جغرافي".

ومن جانبه، يشير مدير عام دائرة شؤون الهجرة الدكتور صفاء أحمد إلى أن:"وزارة الهجرة تتابع ملف العائدين بشكل مستمر، وقد وضعت خطة شاملة لتسهيل اندماجهم في المجتمع المحلي"، معتبراً أن عودة هذا العدد من العراقيين تمثل مؤشراً على تنامي الثقة بالاستقرار النسبي في البلاد.

وأما المحلل السياسي الدكتور أسامة السعيدي، فيرى أن:"هذه الظاهرة تتجاوز بعدها الاجتماعي والاقتصادي، لتشكّل مؤشراً استراتيجياً على تغيّر المزاج العام لدى المهاجرين العراقيين، في ظل تشدد السياسات الأوروبية تجاه الهجرة".

ويؤكد أن:"عودة العقول والخبرات يمكن أن تكون فرصة حقيقية للعراق إذا ما أُحسن استثمارها، لكنها قد تتحول إلى عبء إضافي في حال غياب رؤية واضحة لإدارة هذا الملف".

وبين ضغط الغربة وتعقيدات الداخل، تبقى عودة العراقيين من المهجر مساراً مفتوحاً على احتمالات متناقضة.

فنجاح هذه التجربة لا يعتمد فقط على قرار العودة، بل على قدرة الدولة والمجتمع على توفير بيئة آمنة، وفرص عمل حقيقية، وبرامج دمج مستدامة، تحول العودة من مجرّد خيار اضطراري إلى خطوة ثابتة نحو الاستقرار والتنمية.

المصدر: موقع العربي + المطلع.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

النقل تعلن خطة التفويج العكسي لزائري عاشوراء وتستنفر حافلاتها في كربلاء

النقل تعلن خطة التفويج العكسي لزائري عاشوراء وتستنفر حافلاتها في كربلاء

2026-06-26 10:37 1007
الذهب يواصل النزيف للأسبوع الرابع على التوالي ويفقد مستوياته القياسية

الذهب يواصل النزيف للأسبوع الرابع على التوالي ويفقد مستوياته القياسية

2026-06-26 10:00 1175
النفط ينخفض مع عودة تدفق الشحنات وترقب تطورات مضيق هرمز

النفط ينخفض مع عودة تدفق الشحنات وترقب تطورات مضيق هرمز

2026-06-26 09:31 1524
السنغال ترفع شعار "الخطأ ممنوع" أمام العراق.. وسار: فرصة التأهل قائمة

السنغال ترفع شعار "الخطأ ممنوع" أمام العراق.. وسار: فرصة التأهل قائمة

2026-06-25 23:29 3934
أرنولد: نسعى للفوز على السنغال.. ومستقبلي مع المنتخب العراقي يُحسم بعد المونديال

أرنولد: نسعى للفوز على السنغال.. ومستقبلي مع المنتخب العراقي يُحسم بعد المونديال

2026-06-25 23:09 4154
رئيس البرلمان: نهضة الحسين جسّدت قيم التضحية والإصلاح والعدالة

رئيس البرلمان: نهضة الحسين جسّدت قيم التضحية والإصلاح والعدالة

2026-06-25 22:03 5953
الصدر: من رضي أو تعاون أو سكت عن قتل الحسين فقد نقض عهد الله

الصدر: من رضي أو تعاون أو سكت عن قتل الحسين فقد نقض عهد الله

2026-06-25 21:31 4617
عراقجي: عازمون على رسم مستقبل مضيق هرمز بالتشاور مع جيراننا

عراقجي: عازمون على رسم مستقبل مضيق هرمز بالتشاور مع جيراننا

2026-06-25 20:54 4077
الزيدي: العراق سيظل عزيزاً كريماً بأهله ما دام صوت الحسين حاضراً بالوجدان

الزيدي: العراق سيظل عزيزاً كريماً بأهله ما دام صوت الحسين حاضراً بالوجدان

2026-06-25 20:07 5025
​رد حاسم من طيف سامي على اختفاء 140 مليار دولار من الأموال العامة

​رد حاسم من طيف سامي على اختفاء 140 مليار دولار من الأموال العامة

2026-06-25 20:02 3796
تأمين اتصال ملايين الزائرين.. تفاصيل خطة هيئة الإعلام والاتصالات لزيارة عاشوراء

تأمين اتصال ملايين الزائرين.. تفاصيل خطة هيئة الإعلام والاتصالات لزيارة عاشوراء

2026-06-25 19:50 3295
اللجنة الأمنية للزيارات المليونية تصدر 4 توجيهات لتأمين زيارة العاشر من محرم

اللجنة الأمنية للزيارات المليونية تصدر 4 توجيهات لتأمين زيارة العاشر من محرم

2026-06-25 19:42 3743
رغم الخسارتين... كيف يحافظ العراق على أمل التأهل إلى دور الـ32 بكأس العالم

رغم الخسارتين... كيف يحافظ العراق على أمل التأهل إلى دور الـ32 بكأس العالم

2026-06-25 17:39 4688
ثمانية منتخبات تتنافس على بطاقات العبور الأخيرة إلى دور الـ32 في كأس العالم

ثمانية منتخبات تتنافس على بطاقات العبور الأخيرة إلى دور الـ32 في كأس العالم

2026-06-25 17:05 5022
مسؤول نفطي عراقي سابق يكشف تعرضه لابتزاز إلكتروني بفيديوهات مفبركة ومطالب مالية ضخمة

مسؤول نفطي عراقي سابق يكشف تعرضه لابتزاز إلكتروني بفيديوهات مفبركة ومطالب مالية ضخمة

2026-06-25 16:38 9741
باكستان ترد على أنباء محاولة إسرائيل اغتيال قائد جيشها في سويسرا

باكستان ترد على أنباء محاولة إسرائيل اغتيال قائد جيشها في سويسرا

2026-06-25 12:05 5292
تصويت جديد في مجلس الشيوخ يمنح ترامب ضوءاً أخضراً تجاه إيران

تصويت جديد في مجلس الشيوخ يمنح ترامب ضوءاً أخضراً تجاه إيران

2026-06-25 09:14 4146
النفط تنفي أنباء تلويح العراق بالانسحاب من أوبك وتؤكد العمل لرفع الإنتاج

النفط تنفي أنباء تلويح العراق بالانسحاب من أوبك وتؤكد العمل لرفع الإنتاج

2026-06-25 13:22 6129