إجراءات وضرائب غير مسبوقة بالعراق... هل طرق الإفلاس أبواب الدولة؟
في خطوة وصفت بالأكثر صرامة منذ سنوات، أطلقت حكومة تصريف الأعمال العراقية برئاسة محمد شياع السوداني حزمة واسعة من القرارات الاقتصادية والإدارية، في محاولة لضبط الإنفاق العام وترشيد الموارد المالية للدولة، وسط مخاوف متزايدة من تزايد الضغوط المالية في البلاد.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت يترقب فيه العراقيون تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بينما يواجه الاقتصاد العراقي تحديات متعددة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على عائدات النفط التي تمثل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة، إلى جانب ارتفاع الالتزامات المالية، لا سيما رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية.
حزمة الإجراءات الحكومية
أقرّ مجلس الوزراء، خلال جلسته الاعتيادية الأولى في 7 كانون الثاني 2026، جملة قرارات تقشفية تهدف إلى ضبط الإنفاق الحكومي، وشملت ملفات التعيينات والشهادات الدراسية، الإيفادات والإجازات، إدارة الأصول الحكومية، وتنظيم الوقود والطاقة، فضلاً عن إجراءات تتعلق بالمناطق الحرة وحماية المنشآت.
وفي المجال الوظيفي، تم اعتماد الشهادة الدراسية التي جرى على أساسها تعيين الموظف، مع إيقاف احتساب الشهادات الإضافية المكتسبة أثناء الخدمة لأغراض الترفيع أو النقل بين الوزارات، باستثناء بعض الحالات المستثناة قانونياً.
و كما أُوقف الابتعاث والإجازات الدراسية على نفقة الدولة لمدة خمس سنوات، مع إيقاف النقل إلى وزارات النفط والمالية والدفاع والتعليم العالي، أو أي جهة يترتب على النقل إليها زيادة في التخصيص المالي.
وعلى صعيد إدارة الأصول، قرر المجلس بيع جميع السيارات الحكومية التي مضى على سنة صنعها أكثر من 15 سنة، إلى جانب المعدات والآليات الإنتاجية وغير الإنتاجية والمولدات، مع إلزام الجهات المعنية بتقديم كشوف تفصيلية خلال 30 يوماً.
و كما تم تخفيض حصص الوقود للوزارات والجهات الحكومية بنسبة 50% لمدة ستة أشهر، مع إلزام التحول إلى الطاقة الشمسية لتغطية احتياجات الكهرباء للمولدات، بهدف ترشيد الاستهلاك وخفض النفقات التشغيلية.
وفيما يخص المناطق الحرة، وافق المجلس على تخصيص أراضٍ لإنهاء عمليات إعادة التصدير، تفعيل إجراءات إعادة التصدير وفق قانون الكمارك المعدل، وتخويل وزارة الداخلية صلاحية فرض أجور خدمة على حماية الجهات والمنشآت غير الحكومية.
ردود الفعل والتحديات
تباينت ردود الفعل على هذه الإجراءات، إذ أعرب بعض أعضاء مجلس النواب عن رفضهم للقرارات، معتبرين أن فرض الضرائب والرسوم من صلاحيات المجلس حصراً، في حين رأى خبراء الاقتصاد والمال أن:"القرارات ضرورية لتقليل النفقات وتعظيم الإيرادات غير النفطية، لكنها تحتاج إلى استكمال بسياسات بعيدة المدى لدعم الاقتصاد وتنويع مصادره".
وأظهرت التحديات الاقتصادية الأخيرة عراقيل عدة، من بينها ارتفاع التعرفة الجمركية وتأخر صرف رواتب الموظفين، وتراجع حركة التجارة عبر المنافذ الحدودية، ما يعكس الضغط على المالية العامة نتيجة الاعتماد على النفط والتزامات القطاع العام الكبيرة.
السياق الاقتصادي
تشير بيانات رسمية إلى أن:"العراق يعاني من تقلبات شديدة في أسعار النفط، حيث تشكّل عائداته نحو 92% من إجمالي موارد الموازنة، في حين أن الاقتصاد غير النفطي لا يزال محدوداً، ما يجعل المالية العامة عرضة للصدمات والتقلبات الخارجية.
وأوصت مؤسسات مالية دولية، بينها صندوق النقد الدولي، بضرورة إعادة هيكلة الإنفاق والحد من النفقات غير الضرورية، وتعزيز الإدارة الضريبية، ومكافحة الفساد المالي والإداري لضمان استدامة الموارد المالية للدولة.
تأتي القرارات الحكومية في ظل مرحلة انتقالية حساسة، قبيل تشكيل حكومة جديدة، وسط جدل سياسي وشعبي حول آثارها على المواطن العراقي والاقتصاد الوطني.
وبينما تعتبر السلطات هذه الإجراءات ضرورية لضبط الإنفاق وتحقيق الاستقرار المالي، يبقى الرهان على قدرتها على تحقيق التوازن بين ضبط الموارد المالية واستمرار تقديم الخدمات العامة دون تحميل المواطنين أعباء إضافية غير محتملة.
المصدر: المطلع + صحيفة العربي الجديد.
