قراءة بتحولات الميدان: فاعلية حلفاء طهران تحرج واشنطن وتكشف وهن شركائها
دخلت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران شهرها الثاني، وسط تحولات متسارعة تعيد رسم موازين القوى الإقليمية والدولية. وبينما كانت التقديرات الأولية، وفق ما أوردته تقارير "واشنطن بوست" وتحليلات "رويترز"، تشير إلى مواجهة قصيرة، تكشف الوقائع الميدانية اليوم عن صراع مفتوح تتقدم فيه إيران عبر استراتيجية "وحدة الساحات"، في مقابل ارتباك واضح داخل منظومة التحالفات الأميركية، كما لفتت إليه أيضاً تقارير "فاينانشال تايمز".
وحدة الساحات: تنسيق متعدد الجبهات يربك واشنطن
تؤكد التطورات الميدانية أن إيران نجحت في تفعيل شبكة حلفائها الإقليميين ضمن استراتيجية متكاملة تقوم على فتح جبهات متزامنة، وهو ما وصفته تقارير "العربي الجديد" بأنه انتقال من الدعم السياسي إلى الانخراط العملياتي المباشر.
في لبنان، صعّد حزب الله عملياته الصاروخية، بما في ذلك هجمات واسعة ومتزامنة، بينما دخلت فصائل عراقية مسلحة على خط المواجهة عبر عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد أهداف أميركية، وفق ما نقلته مصادر أمنية عراقية وتقارير إعلامية متعددة.
وفي اليمن، كثّفت جماعة أنصار الله عملياتها ضد الملاحة والمصالح الغربية، في تطور يعكس اتساع رقعة الاشتباك.
ويعزز هذا المشهد ما نقلته وكالة "رويترز" عن تصريحات منسوبة لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، تحدث فيها عن "غرفة عمليات موحدة" و"نظام جديد في المنطقة"، ما يشير إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق بين هذه الجبهات.
الصمود الإيراني: من الدفاع إلى فرض معادلة الكلفة
رغم الضربات المكثفة، أظهرت إيران قدرة واضحة على امتصاص الهجمات وإعادة تنظيم صفوفها، وهو ما أكدته تحليلات نشرتها "CNN ونيويورك تايمز"، حيث انتقلت طهران تدريجياً من موقع الدفاع إلى تنفيذ ضربات انتقائية دقيقة.
وشملت هذه الردود استهداف قواعد أميركية في الخليج وضرب منشآت طاقة، إلى جانب التأثير المباشر على الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، كما تشير بيانات وتقارير اقتصادية دولية.
ويرى محللون، بحسب ما نقلته "رويترز"، أن إيران لا تسعى إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إلى فرض معادلة تقوم على رفع كلفة الحرب اقتصادياً واستراتيجياً، بما يجعل استمرارها عبئاً على خصومها.
استنزاف أميركي: ضغط عسكري واستراتيجي متزايد
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة مؤشرات متزايدة على الاستنزاف، حيث أفادت "فاينانشال تايمز" بتراجع ملحوظ في مخزونات الصواريخ المتقدمة وأنظمة الدفاع الجوي نتيجة الاستخدام المكثف في العمليات الجارية.
كما ذكرت "واشنطن بوست" أن واشنطن اضطرت إلى إعادة نشر أصول عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك أنظمة دفاع صاروخي وقوات من مشاة البحرية، وهو ما أثار قلقاً داخل الدوائر العسكرية بشأن الجاهزية في مناطق أخرى.
ويحذر خبراء، وفق تلك التقارير، من أن هذا الاستنزاف قد يؤثر بشكل مباشر على قدرة الولايات المتحدة في مواجهة تحديات استراتيجية، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
حلفاء أميركا في آسيا: قلق من الفراغ الاستراتيجي
في شرق آسيا، أبدت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين قلقاً متزايداً من انشغال واشنطن، وهو ما أبرزته "واشنطن بوست" في تقاريرها عن مخاوف هذه الدول من صعود الصين في ظل تراجع التركيز الأميركي.
كما أشار تحليل نشره موقع" العربي الجديد"، إلى أن سحب بعض الأصول العسكرية الأميركية من المنطقة عزز هذه المخاوف، وطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية.
هذا القلق لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى، في ظل احتمالات تغير ميزان القوى في المنطقة.
أوروبا: توتر غير مسبوق داخل المعسكر الغربي
على الجانب الأوروبي، كشفت الحرب عن فجوة متزايدة في العلاقات مع واشنطن، حيث أشارت تقارير "التلغراف" وتحليلات صحف فرنسية إلى تصاعد التوتر بسبب غياب التنسيق الأميركي ورفض عدد من الدول الأوروبية الانخراط في الحرب.
كما زادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال الانسحاب من حلف شمال الأطلسي من حدة الأزمة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على تحول في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي.
ويرى محللون أوروبيون أن هذه التطورات قد تدفع القارة نحو تعزيز استقلالها الاستراتيجي، في ظل تراجع الثقة بالقيادة الأميركية.
دول الخليج: بين الاستهداف المباشر والقلق من المستقبل
رغم تحالفها الوثيق مع واشنطن، وجدت دول الخليج نفسها في قلب تداعيات الحرب، حيث نقلت "CNN" عن مسؤولين إقليميين تعرض منشآت طاقة وبنية تحتية لهجمات إيرانية مباشرة.
وفي الوقت نفسه، تشير تقارير "رويترز" إلى أن هذه الدول تسعى إلى موازنة دقيقة بين دعم الجهود الأميركية وتجنب التصعيد، في ظل مخاوف من استمرار الحرب أو انتهائها دون إضعاف إيران.
ويؤكد مسؤولون خليجيون، وفق تلك التقارير، أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تشمل معالجة التهديدات الصاروخية الإيرانية وأمن الممرات البحرية.
سلاح الطاقة: ورقة الضغط الإيرانية
برزت الطاقة كأحد أبرز أدوات الصراع، حيث أدت الهجمات والتهديدات الإيرانية، وفق ما أوردته "رويترز" و"CNN"، إلى اضطراب في أسواق النفط وارتفاع الأسعار عالمياً.
كما أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز شكّل ضغطاً مباشراً على الاقتصاد العالمي، ما وسّع نطاق تأثير الحرب إلى ما يتجاوز حدود المنطقة.
ويرى خبراء أن هذه الورقة تمنح إيران قدرة استراتيجية كبيرة، تتيح لها التأثير في مسار الحرب دون الحاجة إلى تفوق عسكري تقليدي.
أزمة ثقة في التحالفات الأميركية
تكشف هذه الحرب عن تآكل تدريجي في ثقة الحلفاء بالقيادة الأميركية، وهو ما أبرزته تقارير "واشنطن بوست" وتحليلات دولية متعددة، حيث أشار مراقبون إلى أن الحلفاء لم يُستشاروا بشكل كافٍ قبل بدء العمليات.
كما أن تحميلهم جزءاً من تبعات الحرب، مع انتقادهم عند التردد، عزز الانطباع بوجود خلل في طبيعة العلاقة بين واشنطن وشركائها.
هذه المعطيات تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التحالفات التقليدية، وقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على دورها كضامن أمني عالمي.
نظام دولي جديد يتشكل
في المحصلة، لا تبدو هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل النظام الدولي، وهو ما تجمع عليه تحليلات صادرة عن "رويترز ونيويورك تايمز وعدد من مراكز الدراسات".
فقد نجحت إيران في توظيف شبكة حلفائها ضمن استراتيجية "وحدة الساحات"، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة على مستوى القدرات والتحالفات.
قد لا تُحسم المعركة عسكرياً بشكل واضح، لكن المؤكد أن تداعياتها ستستمر لسنوات، مع بروز عالم أكثر تعقيداً، تتراجع فيه الأحادية الأميركية، وتتصاعد فيه قوى قادرة على فرض معادلات جديدة.
وفي ظل استمرار القتال، يبقى السؤال مفتوحاً كما تطرحه العديد من التحليلات الدولية:
هل ما نشهده اليوم هو مجرد حرب… أم بداية لمرحلة دولية مختلفة بالكامل؟.
