المطلع
عاجل

post-image

جولة الزيدي الإقليمية المرتقبة.. هندسة التوازنات وتكريس عقيدة النأي بالنفس عراقياً


20:31 تقارير عربية ودولية
2026-07-20
4916

في أعقاب حراكٍ دبلوماسي لافت في واشنطن أسفر عن حزمة تفاهماتٍ عابرة للقطاعات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، يستعد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لخوض جولةٍ إقليميةٍ رفيعة المستوى نهاية الأسبوع الجاري، حطّتها الأبرز العاصمة الإيرانية طهران. وتأتي هذه التحركات الخارجية المكثفة في خضم مساعٍ بغدادية حثيثة لبلورة تفاهماتٍ ثلاثية الأبعاد—أمنية وسياسية واقتصادية—تُرسخ عقيدة "النأي بالنفس" وتكرس موقع العراق كفاعلٍ هادئٍ خارج تجاذبات المحاور الإقليمية المتشكلة.

وتكتسب محطة طهران، وهي الثانية للزيدي منذ تسنمه مقاليد السلطة، أهميةً استراتيجية استثنائية، بالنظر إلى طبيعة الملفات المعقدة المطروحة على طاولة البحث والتوازنات الدقيقة التي تحاول بغداد صونها بين حليفيها المتخاصمين.

وأعلنت وزارة الخارجية العراقية، في بيان أوردته وكالة الأنباء الرسمية، أمس الأحد، أن الزيدي "سيزور إيران نهاية الأسبوع الحالي"، مشيرة إلى أن الزيارة سيتخلّلها "توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات التعاون المشترك، بما يعزز العلاقات الثنائية ويخدم المصالح المشتركة للبلدين".

وقال مسؤول عراقي بارز في بغداد لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، إن الزيدي سيزور إيران، وتركيا، وسورية، والسعودية، في جولة يصطحب فيها وزراء ومسؤولين أمنيين واقتصاديين. وأكد المسؤول لـ"العربي الجديد"، أن أجندة كل دولة تختلف عن الأخرى، لكن العامل المشترك بينها هو سعي العراق لإيصال رسالة بقراره النأي بنفسه عن أي اصطفاف في المنطقة، وهو ما سيبلغه لإيران بالدرجة الأولى.

وأشار المسؤول إلى أنه من المتوقع أن تتصدر المباحثات بين الجانبين العراقي والإيراني ملفات الأمن، والفصائل العراقية، والتعاون المعلوماتي، والحدود، وتداعيات الحرب في المنطقة، وآليات الحد من آثارها على العراق، لافتاً إلى أن فريقاً حكومياً يتولى إعداد برنامج زيارات الدول الأربعة، وهو مرهون بطبيعة الحال، بالتطورات المتسارعة في المنطقة لناحية توقيت زيارة كل دولة.

وفي السياق، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي، مختار الموسوي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن جولة الزيدي تشمل التوجه إلى دول أخرى جميعها مجاور للعراق، على رأسها تركيا مطلع الشهر المقبل، في زيارة مهمة نظراً لحجم الملفات الشائكة المطروحة على جدول الأعمال.

ومن أبرز هذه الملفات، مستقبل الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، والتعاون الأمني في مواجهة عناصر حزب العمال الكردستاني، إلى جانب ملف المياه الذي يمثل أحد أكثر القضايا حساسية بالنسبة للعراق، في ظل انخفاض الإطلاقات المائية من نهري دجلة والفرات.


ولفت إلى أن "الزيدي سيبحث في أنقرة مستقبل استئناف تصدير النفط العراقي عبر ميناء جيهان التركي، وهو الملف الذي يحمل أبعاداً اقتصادية ومالية كبيرة، فضلاً عن بحث فرص توسيع التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والربط الكهربائي ومشاريع البنى التحتية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة العراقية لتعزيز الشراكات الاقتصادية مع دول الجوار".

وكشف الموسوي أن "مكتب رئيس الوزراء يعمل على استكمال ترتيبات زيارات خارجية أخرى، من المتوقع أن تشمل المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية خلال الشهر المقبل، رغم عدم تحديد مواعيد نهائية لها حتى الآن، وتكتسب هاتان الزيارتان أهمية خاصة في ظل وجود ملفات مشتركة تتعلق بالتعاون الاقتصادي والأمني، وأمن الحدود، والطاقة، والاستثمار، والتبادل التجاري، فضلاً عن التنسيق السياسي بشأن التطورات الإقليمية، وهو ما يعكس توجه الحكومة العراقية نحو توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية، وتعزيز دور العراق جسراً للحوار والتقارب بين مختلف الأطراف".

وتشير هذه الجولة الدبلوماسية المكثفة إلى أن بغداد تسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع القوى الإقليمية والدولية لإعادة ترسيخ دورها في معادلات المنطقة، عبر انتهاج سياسة خارجية تقوم على الانفتاح، وتغليب الحوار، وبناء الشراكات الاقتصادية، بما يحقق المصالح الوطنية العراقية ويعزز الاستقرار الإقليمي، في مرحلة تتسم بتحديات سياسية وأمنية معقدة.

من جانبه، أكد عضو الائتلاف الحاكم في العراق (الإطار التنسيقي)، علي الياسري، لـ"العربي الجديد"، أن التحالف وكل القوى السياسية داعمة لتحركات الزيدي الخارجية، معتبراً أن "زيارتي إيران وتركيا لا تقل أهمية عن زيارة واشنطن، وما سيتبعها من جولات تشمل المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية، تمثل امتداداً لسياسة خارجية متوازنة تهدف إلى تعزيز المصالح الوطنية، وترسيخ مكانة العراق طرفاً فاعلاً في معالجة أزمات المنطقة".

وبيّن الياسري أن "هناك توافقاً واسعاً داخل الأوساط السياسية على أهمية استمرار الحراك الدبلوماسي الذي يقوده الزيدي، ولا سيما بعد زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب انفتاحاً عراقياً على مختلف العواصم المؤثرة، بما يساهم في حماية أمن البلاد، وتوسيع فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري. وأضاف أن "زيارة رئيس الوزراء المرتقبة إلى طهران تحمل أهمية استثنائية في ظل التطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة، إذ ستبحث ملفات الأمن المشترك والعلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي، فضلاً عن مناقشة المبادرة العراقية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، خصوصاً أن العراق يمتلك اليوم فرصة حقيقية للقيام بدور الوسيط الإقليمي، مستفيداً من علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما يعزز حضوره السياسي، ويؤكد تحوله من ساحة للتجاذبات إلى دولة تسعى للمساهمة في تخفيف التوترات ودعم الاستقرار الإقليمي".

وأوضح أنه "في ما يتعلق بالزيارة المرتقبة إلى تركيا، فجميع القوى السياسية تدرك أهمية التوصل إلى تفاهمات مع أنقرة بشأن الملفات الأمنية، وفي مقدمتها الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، وملف حزب العمال الكردستاني، إلى جانب معالجة ملف المياه، واستئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان، فضلاً عن توسيع التعاون في مجالات الطاقة والكهرباء والاستثمار والتبادل التجاري، وهذه الزيارة بداية الشهر المقبل".

وأكد الياسري أن "الزيارات المزمع إجراؤها إلى السعودية وسورية خلال المرحلة المقبلة، تكتسب أهمية استراتيجية أيضاً، نظراً لما تمثله من فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني والسياسي، ودعم مشاريع الربط الإقليمي، بما ينسجم مع رؤية الحكومة العراقية الرامية إلى بناء شراكات متوازنة مع محيطها العربي والإقليمي".

وختم الياسري بالقول إن "نجاح هذه التحركات الدبلوماسية يتطلب دعماً وطنياً موحداً، باعتبار أن نتائجها تنعكس بصورة مباشرة على الأمن الوطني والاقتصاد العراقي وعلاقات بغداد الخارجية، وإن توحيد الموقف الداخلي يمنح الحكومة زخماً أكبر في التفاوض مع مختلف الشركاء الإقليميين والدوليين، ويعزز من قدرة العراق على حماية مصالحه وترسيخ دوره لاعباً محورياً في المنطقة".

مباحثات عراقية إيرانية تسبق زيارة الزيدي

وأمس الأحد أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مباحثات هاتفية مع نظيره العراقي فؤاد حسين، سعى خلالها إلى احتواء التداعيات السياسية للانتقادات اللاذعة التي وجهها مستشار المرشد للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي ضد رئيس الوزراء العراقي، واصفاً إياها بأنها "تصريحات شخصية وغير رسمية".

وحسب بيان للخارجية الإيرانية، بحث الجانبان خلال الاتصال آخر التطورات الإقليمية في أعقاب الهجمات العسكرية الأميركية على إيران، والانتهاكات المتكررة من جانب واشنطن لبنود مذكرة تفاهم إسلام أباد، فضلاً عن الرد الإيراني على ذلك.

ووصف عراقجي العلاقات بين بلاده والعراق بأنها "متجذرة واستراتيجية" وتستند إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة ومصالح مشتركة بين الشعبين.

وفي إشارة غير مباشرة إلى تصريحات ولايتي ضد الزيدي، قال عراقجي إن هذه العلاقات القيمة "لا ينبغي أن تتأثر ببعض التصريحات الشخصية وغير الرسمية"، مشدداً على حرص طهران على مبدأ الاحترام المتبادل وحسن الجوار وتطوير العلاقات مع الحكومة والشعب العراقي. كما استعرض الوزيران أبعاد التطورات الجارية وتداعياتها على أمن واستقرار المنطقة، مؤكدين أهمية مواصلة المشاورات والتنسيق الثنائي لمنع تصعيد التوترات والحفاظ على السلام والأمن في المنطقة.

وهاجم مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، الجمعة، رئيس الوزراء العراقي على خلفية زيارته إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء الماضي.

وقال ولايتي، في مقال نشرته وكالة "تسنيم" الإيرانية المحافظة، إن الزيدي، الذي وصفه بـ"رئيس الوزراء الشاب وقليل الخبرة"، قام بزيارة "مؤسفة وفي غير محلّها" إلى الولايات المتحدة. وجدّد ولايتي توصيفه الزيارة بأنها "وصمة عار كبيرة"، لأنها جرت، بحسب المقال، بعد اغتيال "أحد أكبر رجال الدين المؤثرين"، في إشارة إلى علي خامنئي، معتبراً أن إجراء الزيارة في موعدها المحدد نفسه، واللقاء مع ترامب الذي نعته بـ"الشيطان الخبيث"، يثير إشكالاً بحدّ ذاته.


وفي المحصلة، تضع هذه التحركات المتسارعة العراق أمام مرحلة إعادة تموضع جيوسياسي لافتة في المنطقة. وإذ تخطو بغداد بثبات نحو تعزيز استقلالية قرارها الوطني عقب محطة واشنطن، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرهوناً بقدرة القيادة العراقية على الموازنة الدقيقة بين الضغوط الخارجية والتوافقات الداخلية. وبينما تتجه الأنظار إلى عواصم الجوار، تبقى الأيام المقبلة كفيلة بتبيان ما إذا كانت هذه الجولة ستنجح في تثبيت أركان "عقيدة التوازن" وتحصين مصالح العراق الوطنية في خضم إقليمٍ يموج بالتغيرات.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

الإطار التنسيقي يحسم موقفه: دعم كامل لزيارة الزيدي ولا غطاء سياسياً للفاسدين

الإطار التنسيقي يحسم موقفه: دعم كامل لزيارة الزيدي ولا غطاء سياسياً للفاسدين

2026-07-21 00:01 2902
بتربعها على عرش العالم.. إسبانيا تحصد اللقب الثاني والجائزة المالية الضخمة

بتربعها على عرش العالم.. إسبانيا تحصد اللقب الثاني والجائزة المالية الضخمة

2026-07-20 22:22 3954
التربية: نتائج امتحانات السادس الإعدادي ستعلن خلال اليومين المقبلين

التربية: نتائج امتحانات السادس الإعدادي ستعلن خلال اليومين المقبلين

2026-07-20 21:25 4834
جولة الزيدي الإقليمية المرتقبة.. هندسة التوازنات وتكريس عقيدة النأي بالنفس عراقياً

جولة الزيدي الإقليمية المرتقبة.. هندسة التوازنات وتكريس عقيدة النأي بالنفس عراقياً

2026-07-20 20:31 4916
بغداد.. الإعلان عن أسماء وأماكن توزيع المقبولين للتعيين بصفة عقد

بغداد.. الإعلان عن أسماء وأماكن توزيع المقبولين للتعيين بصفة عقد

2026-07-20 18:17 4537
مجدداً... إيران تستهدف قواعد ومواقع أميركية في البحرين والكويت

مجدداً... إيران تستهدف قواعد ومواقع أميركية في البحرين والكويت

2026-07-20 17:49 4683
مستشار حكومي يكشف عن إيجابيات عودة المصارف العراقية للتعاملات الدولية

مستشار حكومي يكشف عن إيجابيات عودة المصارف العراقية للتعاملات الدولية

2026-07-20 17:22 4984
أسعار الدولار تواصل التراجع في بغداد وأربيل مع إغلاق الأسواق

أسعار الدولار تواصل التراجع في بغداد وأربيل مع إغلاق الأسواق

2026-07-20 16:40 4870
الحوثيون يعلنون فرض حصار بحري على السعودية

الحوثيون يعلنون فرض حصار بحري على السعودية

2026-07-20 15:22 5512
العراق في النصف الثاني عربياً بمؤشر الازدهار لعام 2026

العراق في النصف الثاني عربياً بمؤشر الازدهار لعام 2026

2026-07-20 15:12 5051
لا تنتظروا الشعور بالعطش.. كيف تحمي عائلتك من خطر الحرارة الخفية

لا تنتظروا الشعور بالعطش.. كيف تحمي عائلتك من خطر الحرارة الخفية

2026-07-20 14:51 4539
بزشكيان: لم نقدم أي تنازلات لواشنطن ومذكرة التفاهم جاءت في صالحنا

بزشكيان: لم نقدم أي تنازلات لواشنطن ومذكرة التفاهم جاءت في صالحنا

2026-07-20 14:16 4558
متحدث الحكومة: الزيدي سيزور إيران وتركيا.. وحصر السلاح حسمٌ سيادي

متحدث الحكومة: الزيدي سيزور إيران وتركيا.. وحصر السلاح حسمٌ سيادي

2026-07-20 13:27 5783
أمريكا تنهي ليلتها التاسعة ضد إيران وطهران ترد بهجمات صاروخية واسعة

أمريكا تنهي ليلتها التاسعة ضد إيران وطهران ترد بهجمات صاروخية واسعة

2026-07-20 12:24 5086
انخفاض جديد لأسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل

انخفاض جديد لأسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل

2026-07-20 11:53 5201
ضبط مسؤولة في ديوان محافظة ديالى تسببت بإلحاق الضرر بالمال العام

ضبط مسؤولة في ديوان محافظة ديالى تسببت بإلحاق الضرر بالمال العام

2026-07-20 10:47 4779
غبار وارتفاع جديد في درجات الحرارة... طقس العراق للأيام المقبلة

غبار وارتفاع جديد في درجات الحرارة... طقس العراق للأيام المقبلة

2026-07-20 09:40 5415
هيئة ‏الأنواء الجوية: لا درجات خمسينية حتى نهاية تموز

هيئة ‏الأنواء الجوية: لا درجات خمسينية حتى نهاية تموز

2026-07-19 23:47 7518