المطلع
عاجل

post-image

الجبهة التي لن تسقط... كيف حوّل الإيرانيون الشوارع إلى خط الدفاع الأول

الكاتب: ادارة الموقع


16:05 مقالات عامة
2026-05-10
5039

في الحروب الكبرى لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من صواريخ وطائرات وأنظمة دفاع، بل بما تملكه من قدرة على الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية وصمود شعبها في وجه العواصف. 

ومنذ اللحظات الأولى للحرب على إيران، بدا واضحاً أن الشارع الإيراني اختار أن يخوض معركته بطريقته الخاصة، حين تحولت الساحات والميادين إلى مشهد يومي مكتظ بالحشود التي خرجت لتعلن وقوفها إلى جانب الدولة في مواجهة واحدة من أعنف الحملات العسكرية والسياسية والإعلامية التي تعرضت لها البلاد، فبين القصف والتهديدات ومحاولات بث الخوف والانهيار، رسم الإيرانيون صورة مختلفة عنوانها الصمود والوحدة والتحدي، في رسالة مباشرة إلى واشنطن وتل أبيب والعالم بأن الداخل الإيراني أكثر تماسكاً مما كان يُتوقع.

منذ الأيام والساعات الأولى للحرب العدوانية على إيران، تشكل مشهد غير مألوف في المدن الإيرانية تمثل بخروج حشود كبيرة من المواطنين إلى الساحات والميادين العامة بشكل يومي ولساعات طويلة، في ظاهرة تحولت سريعاً إلى واحدة من أبرز ملامح الحرب وأكثرها تأثيراً على المستوى الداخلي والخارجي. 

فمع الضربة التي استهدفت القيادة الإيرانية ممثلة بالمرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من المسؤولين العسكريين رفيعي المستوى وغيرهم، بدا واضحاً أن الشارع الإيراني اتجه بصورة تلقائية نحو إظهار حالة الالتفاف الشعبي حول الدولة والنظام السياسي في مواجهة العدوان، في رسالة أراد الإيرانيون إيصالها إلى الداخل والخارج بأن الحرب لم تُضعف الجبهة الداخلية كما كان يُراد لها، بل دفعت الشعب إلى مزيد من التماسك والحضور في الميدان.

وفي هذا السياق، أشار الكاتب والمحلل السياسي الدكتور رياض الأخرس، في مقالة تابعتها وكالة المطلع، إلى أن التجمعات الشعبية التي انطلقت منذ بداية الحرب "بدأت عفوية بدافع الإحساس بضرورة الوقوف إلى جانب البلاد التي تتعرض للعدوان"، قبل أن تتحول سريعاً إلى حالة جماهيرية واسعة لعبت دوراً استثنائياً في تثبيت الأمن الداخلي ورفع المعنويات وبث روح الحماس بين الإيرانيين.

ومع استمرار الحرب، لم تعد تلك التجمعات مجرد مشاهد تضامن عابرة، بل تحولت إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي اليومي على الموقف الوطني الإيراني. 

فالنزول المتواصل إلى الشوارع والساحات العامة حمل دلالات سياسية ومعنوية كبيرة، إذ أراد الإيرانيون من خلاله توجيه رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم بأجمعه بأن الشعب يقف خلف بلده ومؤسساته السياسية والعسكرية في مواجهة الحرب، وأن محاولات كسر إرادة الداخل الإيراني أو بث الخوف والانهيار بين المواطنين قد فشلت بصورة واضحة. 

كما عكست هذه المشاهد حجم التأييد الشعبي للإجراءات التي اتخذتها القيادة الإيرانية في إدارة المواجهة، وسط شعور عام بأن البلاد تخوض معركة وجود وسيادة تتطلب وحدة داخلية وصموداً جماعياً.

كثير من المشاركين في هذه التجمعات تحدثوا عن أن اللحظات الأولى للعدوان خلقت لديهم حالة من الخوف والاضطراب، إلا أن التواجد الجماعي في الساحات بدد تلك المشاعر سريعاً.

نساء ورجال من مختلف الأعمار أكدوا أن المشاركة اليومية منحتهم شعوراً بالقوة والعنفوان والثبات، وأن رؤية الحشود الكبيرة وهي ترفع الأعلام وتردد الشعارات الوطنية والأناشيد الحماسية عززت لديهم الإحساس بأن إيران بأكملها تقف صفاً واحداً في مواجهة الحرب. 

وبحسب إحدى المشاركات في تجمع بساحة الثورة وسط العاصمة طهران، فإن "الوجود بين الناس حوّل الخوف إلى حماسة وإصرار على الصمود".

ولم تقتصر المشاركة في هذه التجمعات على أنصار النظام التقليديين، بل شملت أطيافاً واسعة من المجتمع الإيراني على اختلاف توجهاتهم السياسية والثقافية والدينية. 

طالب الدكتوراه بقسم الترجمة بجامعة طهران (ياسر. س) ، أوضح أن: "أشخاصاً لم يكونوا تاريخياً من داعمي الجمهورية الإسلامية وضعوا خلافاتهم السابقة جانباً واحتشدوا خلف النظام السياسي الذي يقود المواجهة مع العدوان". 

ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة شكلت أحد أبرز عناصر القوة الإيرانية خلال الحرب، لأنها أظهرت تماسك الجبهة الداخلية وقدرتها على مواجهة الضغوط العسكرية والنفسية والإعلامية.

ومع تحول التجمعات الليلية إلى مشهد يومي ثابت، بدأت تأخذ بعداً سياسياً أكثر عمقاً، خصوصاً مع ترديد الشعارات الوطنية والدينية التي أكدت التمسك بالسيادة ورفض التراجع أمام الضغوط الخارجية. 

كما تحركت جهات شعبية وشبه حكومية لدعم هذه التجمعات وتنظيمها، مستفيدة من المخزون الوطني والديني والشعائري الكبير لدى المجتمع الإيراني، عبر الأعلام واللافتات والأناشيد والفعاليات المختلفة التي عززت حضور الناس في الشوارع بصورة مستمرة.

ويرى مسؤولون وأكاديميون إيرانيون أن هذه الحشود الشعبية لعبت دوراً مركزياً في دعم الجبهة الداخلية وإسناد الموقفين العسكري والسياسي للدولة. 

فإلى جانب رفع المعنويات، ساهمت التجمعات في إيصال رسالة واضحة إلى العالم بأن الشعب الإيراني لا يزال متماسكاً رغم شدة الضربات والدمار الذي خلفته الحرب، وأنه مستعد لتحمل التضحيات دفاعاً عن بلاده. 

كما اعتُبرت هذه الحشود بمثابة سلاح معنوي قوي أربك حسابات خصوم إيران الذين كانوا يراهنون على حدوث انهيار داخلي أو احتجاجات واسعة ضد الدولة مع بداية الحرب.

وسرعان ما التفتت القنوات الفارسية المعارضة المدعومة من إسرائيل وبعض الدول الغربية إلى تأثير هذه الظاهرة، فبدأت – بحسب متابعين – حملة واسعة للتشكيك بالتجمعات الشعبية، عبر اتهامات تحدثت عن إجبار الناس على المشاركة أو دفع الأموال لهم مقابل الحضور. 

إلا أن كثيراً من الإيرانيين رأوا في تلك الحملات دليلاً على نجاح التجمعات في إفشال محاولات ضرب الجبهة الداخلية، وعلى حجم القلق الذي أثاره مشهد الحشود اليومية المتدفقة إلى الشوارع رغم القصف والتهديدات.

ويتابع ياسر، إن: "دور التجمعات الليلية في حفظ النظام وتعزيز الصمود الشعبي يستحق اهتماماً كبيراً"، مؤكداً أن ما جرى خلال الحرب أظهر "حالة حماسة وصمود أسطوري" في مواجهة "ماكينة عسكرية متقدمة تقنياً وعسكرياً وغاشمة في تصرفاتها". 

ويشير إلى أن "الحرب لم تستثنِ المدارس والمشافي وعوائل العلماء ومراكز العلم والتقنية والطاقة والصناعات الدفاعية، ومع ذلك فإن نزول الإيرانيين اليومي إلى الشوارع حمل رسالة واضحة مفادها أن الشعب لن يتراجع أمام العدوان، وأنه يقف موحداً خلف بلده في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ إيران الحديث".

ومع استمرار الحرب وتعاظم الضغوط، لم تعد التجمعات الشعبية في إيران مجرد حالة تضامن عابرة، بل تحولت إلى عنوان واضح لمعركة الإرادة والصمود التي يخوضها الإيرانيون. 

فالحشود التي ملأت الشوارع يومياً لم تكن فقط دعماً للدولة ومؤسساتها، وإنما إعلاناً جماعياً بأن الشعب اختار الوقوف في خندق المواجهة مهما بلغت التضحيات. 

وبينما كانت واشنطن وتل أبيب تراهنان على إنهاك الداخل الإيراني وإضعاف تماسكه عبر العملاء وضخ أموال الفتنة، جاءت صور الساحات المكتظة لتقلب المشهد بالكامل، مؤكدة أن الشعوب حين تشعر بأن وطنها مستهدف تتحول إلى قوة هائلة قادرة على إفشال أخطر مشاريع الحرب والضغط والحصار. 

هكذا أراد الإيرانيون أن يقولوا للعالم إن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل أيضاً بإرادة الشعوب التي ترفض الانكسار.

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

ولي عهد الكويت: نشيد بجهود رئيس الوزراء العراقي لحصر السلاح

ولي عهد الكويت: نشيد بجهود رئيس الوزراء العراقي لحصر السلاح

2026-09-24 23:55 1265
فرنسا تعلن نشر قوات وأنظمة دفاعية لحماية منشآت نفطية في السعودية

فرنسا تعلن نشر قوات وأنظمة دفاعية لحماية منشآت نفطية في السعودية

2026-09-24 23:53 1242
أردوغان يؤكد حرص تركيا على تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنمية مع العراق

أردوغان يؤكد حرص تركيا على تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنمية مع العراق

2026-09-24 20:58 3140
رويترز: مفاوضون أمريكيون وإيرانيون يبحثون مسارا مرحليا لإنهاء الحرب

رويترز: مفاوضون أمريكيون وإيرانيون يبحثون مسارا مرحليا لإنهاء الحرب

2026-09-24 20:38 2269
الدولار يعاود الارتفاع ويتجاوز 157 ألفاً في بغداد وأربيل

الدولار يعاود الارتفاع ويتجاوز 157 ألفاً في بغداد وأربيل

2026-09-24 18:01 3333
البرلمان يُصوّت على توصيات تلوث "دجلة" ويُنهي قراءة ومناقشة عدد من القوانين

البرلمان يُصوّت على توصيات تلوث "دجلة" ويُنهي قراءة ومناقشة عدد من القوانين

2026-09-24 17:04 8718
تقرير بريطاني يكشف عن ملامح الشراكة العراقية الأمريكية بعد الانسحاب العسكري

تقرير بريطاني يكشف عن ملامح الشراكة العراقية الأمريكية بعد الانسحاب العسكري

2026-09-24 15:09 4706
إطلاق راتب المعين المتفرغ لشهر أيلول

إطلاق راتب المعين المتفرغ لشهر أيلول

2026-09-24 14:12 10978
العراق يسترد 13 مليون دولار من أمواله المحجوزة في فرنسا

العراق يسترد 13 مليون دولار من أمواله المحجوزة في فرنسا

2026-09-24 13:56 6890
أسعار الدولار تعود إلى الهبوط في بورصات بغداد وأربيل

أسعار الدولار تعود إلى الهبوط في بورصات بغداد وأربيل

2026-09-24 13:54 4170
الحكومة: لقاء الزيدي بترامب وضع ملامح واضحة بالعلاقة بين بغداد وواشنطن

الحكومة: لقاء الزيدي بترامب وضع ملامح واضحة بالعلاقة بين بغداد وواشنطن

2026-09-24 00:14 8238
مباحثات عراقية إيرانية بنيويورك حول الحدود والملاحة وخفض التصعيد بالمنطقة

مباحثات عراقية إيرانية بنيويورك حول الحدود والملاحة وخفض التصعيد بالمنطقة

2026-09-23 23:00 7280
اتفاق عراقي - تركي حول أمن سنجار وإدارة معسكر زليكان

اتفاق عراقي - تركي حول أمن سنجار وإدارة معسكر زليكان

2026-09-23 22:23 6898
رسائل قطرية بين طهران وواشنطن.. وإيران تضع شروطها لعودة التفاوض

رسائل قطرية بين طهران وواشنطن.. وإيران تضع شروطها لعودة التفاوض

2026-09-23 21:34 7233
أرنولد ينتقد أرضية الملعب ويتعهد بتحسين أداء العراق أمام الكويت والسعودية

أرنولد ينتقد أرضية الملعب ويتعهد بتحسين أداء العراق أمام الكويت والسعودية

2026-09-23 20:59 8047
أيمن حسين: التعادل مع عُمان مقنع وسنضرب بقوة أمام المنتخب الكويتي

أيمن حسين: التعادل مع عُمان مقنع وسنضرب بقوة أمام المنتخب الكويتي

2026-09-23 20:55 7845
نص التوصيات الخاصة لمجلس النواب بشأن أزمة الوقود

نص التوصيات الخاصة لمجلس النواب بشأن أزمة الوقود

2026-09-23 16:10 23681
"المطلع" تنشر جدول أعمال جلسة البرلمان ليوم الخميس المقبل

"المطلع" تنشر جدول أعمال جلسة البرلمان ليوم الخميس المقبل

2026-09-23 15:22 22655