المطلع
عاجل

post-image

الصمود الإيراني: حيث يسبق المعنى كل سلاح ويحدد مصير الصراع

الكاتب: ادارة الموقع


19:04 مقالات عامة
2026-04-04
49

لم أكن أسعى إلى تحليل جديد، ولا زاوية مختلفة لما يجري، حين استمعت إلى بيان المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي. كنت، كغيري، أتابع صخب الأخبار، أرقام الخسائر، وضجيج التفسيرات المتناقضة. لكن ما استوقفني لم يكن الحدث بحد ذاته، بل اللغة التي قُدّم بها.

كانت لغة مختلفة: أكثر هدوءاً، أكثر وضوحاً، لكنها في الوقت ذاته أشد وقعاً. لم تكن لغة حماسية أو خطاب تعبوي، بل لغة تبدو وكأنها تحاول أن تشرح أكثر مما تحاول أن تقنع.
وفي تلك اللحظة تحديداً، بدت المفارقة أكثر قسوة: هذا المعنى الذي يُقال بلسان غير عربي، يعجز عن قوله – أو عن تبنيه – كثير من الأنظمة العربية، بل ومن الأنظمة الخليجية تحديداً، التي اختارت عبر عقود أن تعرف نفسها مساراً منفصلاً عن الصراع العربي–الصهيوني.
لقد بنت هذه الأنظمة تصورها على أن الابتعاد عن الصراع، وربط أمنها واقتصادها بالمنظومة الغربية، كفيل بأن يضعها في منطقة آمنة خارج دائرة الخطر. ظنت أن “الحياد الإيجابي” أو “الانخراط الاقتصادي” في المنظومة العالمية سيحميها من ارتدادات الصراع.
لكن ما تكشف اليوم بوضوح لا لبس فيه، هو أن هذا التصور لم يكن سوى وهم استراتيجي. فهذه الدول، التي راهنت على الحماية، وجدت نفسها في قلب الاستهداف حين اتسعت دائرة الحرب لتطال منشآت الطاقة، والبنى التحتية، والممرات الحيوية في المنطقة.

 لم تعد المسألة نظرية، بل واقعاً: أول من يتأثر بالتصعيد قد لا يكون من أعلن المواجهة، بل من اعتقد أنه خارجها.


القوة بلا معنى: هشاشة الاستراتيجية النيوليبرالية
هنا تتجلى إحدى حقائق هذا التحول: الارتباط بقوة كبرى لا يعني الحماية المطلقة، بل قد يعني الانكشاف حين تتغير أولويات تلك القوة أو تعجز عن ضبط مسار الصراع.
حين قال المتحدث: “إننا اليوم لا نقاتل دفاعاً عن أنفسنا فحسب، بل دفاعاً عن مظلومية الأمة الإسلامية والشعب الفلسطيني”، لم يكن يضيف بعداً أخلاقياً إلى بيان عسكري فحسب، بل كان يضع المعركة في إطارها الأوسع: إطار المعنى. وهنا تحديداً يبدأ ما لا يُرى في تقارير العمليات: الفرق بين قوة تتحرك داخل معنى، وقوة تتحرك بلا معنى.
لقد قامت النيوليبرالية، بوصفها الإطار الذي حكم العالم في العقود الأخيرة، على فصل منهجي بين القوة والمعنى. فالقوة تُقاس بالأرقام: الناتج المحلي، حجم التجارة، عدد الطائرات، دقة الصواريخ. أما المعنى، فقد أُحيل إلى هامش الخطاب، إلى الشعارات التي تُستخدم عند الحاجة، لكنها لا تشكّل أساس القرار.
هذا الفصل هو ما منح هذه المنظومة قدرتها على التوسع، لكنه هو نفسه ما يكشف اليوم حدودها. لأن القوة، حين تنفصل عن معنى يبررها، تتحول إلى أداة جوفاء: قادرة على التدمير، عاجزة عن إنتاج الاستقرار.
لقد رأينا هذا الانكشاف في تجارب متكررة: حروب تُخاض بسرعة، أنظمة تسقط، ثم فراغات تتشكل، وفوضى تستمر. لم يكن العجز في القدرة على الفعل، بل في القدرة على تثبيت نتائجه. ومع كل تجربة، كان يتضح أن ما ينقص ليس مزيداً من القوة، بل مزيداً من المعنى.


تماسك المعنى: نموذج إيران وحركات المقاومة
في المقابل، تظهر نماذج أخرى في المنطقة، على رأسها إيران، التي بنت مقاربتها للصراع على أساس مختلف: دمج القوة بالمعنى، والسياسة بالعقيدة، والاستراتيجية بالهوية. لا يعني ذلك أنها بلا أخطاء أو تناقضات، لكن ما يميزها هو امتلاكها لرواية متماسكة تفسر بها أفعالها، وتمنحها قدرة على الاستمرار حتى في أصعب الظروف.
وهنا يمكن فهم كيف أن قوى مثل حزب الله، أو حركات المقاومة في فلسطين، رغم فارق الإمكانات الهائل، استطاعت أن تفرض معادلات ردع حقيقية. لم يكن السر في السلاح وحده، بل في المعنى الذي يحمله هذا السلاح، وفي الاستعداد لدفع كلفته ضمن إطار مفهوم ومقبول لدى جمهورها.
وفي اليمن، حيث ظن كثيرون أن الحصار والحرب كفيلان بإنهاء أي قدرة على الفعل، ظهر نموذج آخر من الصمود: جماعة استطاعت، رغم ما واجهته من ضغوط هائلة، أن تحوّل موقعها من حالة دفاعية إلى طرف فاعل في معادلات إقليمية، مستندة إلى بنية داخلية قادرة على التحمل، وإلى خطاب يمنح هذا التحمل معنى.
هذه النماذج، رغم اختلاف سياقاتها، تشترك في شيء واحد: تماسك المعنى. وهو ما يكشف حدود المنظومة النيوليبرالية التي افترضت أن الضغط المادي كفيل بإنتاج الخضوع. لكن ما يحدث اليوم يشير إلى العكس: الضغط الخارجي، حين لا يرافقه معنى داخلي، قد يؤدي إلى مزيد من التماسك بدل الانهيار.


الجيش الإسرائيلي: التفوق العسكري بلا معنى
في المقابل، يظهر الكيان الإسرائيلي بوصفه نموذجاً مختلفاً جذرياً: نموذج يمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنه يفتقر إلى تماسك المعنى في لحظات الاختبار.
لقد بُني هذا الكيان على وعد محدد: الأمن المطلق. أمن يتحقق عبر التفوق، ويُحفظ عبر الردع، ويُضمن عبر الدعم الخارجي. لكن هذا الوعد، حين يُختبر، يكشف هشاشته. لأن أي اختراق لا يُفهم كحادث عابر، بل كتهديد لأساس الوجود.
وحين تتكرر الصدمات، لا ينهار الدفاع فقط، بل ينهار الإيمان بجدواه. وحين يتحول المجتمع إلى حالة ترقب دائم، فإن ما يتآكل ليس القدرة العسكرية فحسب، بل العقد النفسي الذي يقوم عليه الكيان.
هنا يظهر الفرق الفلسفي العميق: إيران، ومعها نماذج الصمود الأخرى، تقاتل ضمن معنى يجعل الكلفة مفهومة بل مبررة. أما الكيان، فيقاتل ضمن إطار يجعل الكلفة تهديداً لذاته. الأول يستطيع أن يستمر لأنه يمتلك ما يبرر الاستمرار، والثاني يتآكل لأنه لا يمتلك إلا التفوق الذي يحتاج إلى أن يبقى مطلقاً كي يحافظ على معناه.


الاقتصاد والصمود: المعنى يتقدم على القوة
هذا التباين يتجلى أيضاً في البعد الاقتصادي. فالنيوليبرالية، التي ربطت القوة بالاندماج في السوق العالمية، جعلت من الاستقرار شرطاً أساسياً. لكن الاستقرار ذاته يتحول إلى نقطة ضعف في أوقات الأزمات. لأن الأنظمة التي تعتمد على شبكات معقدة من التجارة والطاقة والاستثمار، تصبح أكثر هشاشة حين تتعرض هذه الشبكات للاهتزاز.
في المقابل، فإن الاقتصادات التي تشكلت تحت الضغط، طورت قدرة أعلى على التحمل، وحولت الموارد إلى أدوات بقاء لا مجرد وسائل رفاه. وهكذا تتحول الحرب من كونها صراعاً على الأرض، إلى صراع على القدرة على الاستمرار. لم يعد السؤال: من يضرب أكثر؟ بل: من يمتلك معنى يجعله يتحمل أكثر؟


انهيار التصورات القديمة: المعنى هو ما يبقى
إن ما ينهار اليوم ليس فقط توازنات سياسية، بل تصور كامل عن العالم. تصور اعتقد أن السوق كفيلة بتنظيم كل شيء، وأن القوة قادرة على فرض كل شيء، وأن المعنى يمكن الاستغناء عنه.
لكن الواقع يقول إن المعنى هو ما يبقى حين تتآكل القوة، وهو ما يمنح الفعل استمراريته حين تفشل الأدوات.
لقد استمعت إلى ذلك البيان، ولم أخرج منه بصورة عن معركة، بل بصورة عن عالم يتغير. عالم لم تعد فيه القوة كما كانت، ولم يعد فيه المعنى هامشاً كما كان، ولم يعد فيه النصر يُقاس بما كان يُقاس به سابقاً.
وهنا، في هذه المسافة بين الهزيمة التي تُفرض بالقوة، والانتصار الذي يُبنى بالمعنى، يمكن أن نفهم ما يجري حقاً: ليس صراعاً على من يمتلك السلاح، بل على من يمتلك القدرة على أن يمنح هذا السلاح معنى.

_ بقلم الكاتب: غيلان الدمشقي

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

ترامب يكشف كواليس إنقاذ طيار أمريكي جريح داخل إيران

ترامب يكشف كواليس إنقاذ طيار أمريكي جريح داخل إيران

2026-04-05 16:10 629
ترامب مهدداً إيران: الثلاثاء يوم محطات الكهرباء والجسور وسنضرب بقوة

ترامب مهدداً إيران: الثلاثاء يوم محطات الكهرباء والجسور وسنضرب بقوة

2026-04-05 15:23 944
حالة تأهب قصوى.. إسرائيل تعزز انتشارها البحري تحسباً لهجمات حوثية

حالة تأهب قصوى.. إسرائيل تعزز انتشارها البحري تحسباً لهجمات حوثية

2026-04-05 14:45 1397
الإعدام لإرهابي من داعش تورط بجرائم سنجار بحق الإيزيديين

الإعدام لإرهابي من داعش تورط بجرائم سنجار بحق الإيزيديين

2026-04-05 13:58 2335
اليوم.. ختام الجولة 26 من دوري النجوم بأربع مواجهات نارية

اليوم.. ختام الجولة 26 من دوري النجوم بأربع مواجهات نارية

2026-04-05 13:07 2833
السوداني يؤكد تطوير منظومات الدفاع الجوي وتعزيز قدرات القوات الأمنية

السوداني يؤكد تطوير منظومات الدفاع الجوي وتعزيز قدرات القوات الأمنية

2026-04-05 12:41 2052
القضاء الإداري يوقف إقالة محافظ واسط ويعيده إلى منصبه

القضاء الإداري يوقف إقالة محافظ واسط ويعيده إلى منصبه

2026-04-05 11:57 2218
ارتفاع طفيف بأسعار الدولار مقابل الدينار العراقي ببغداد وأربيل

ارتفاع طفيف بأسعار الدولار مقابل الدينار العراقي ببغداد وأربيل

2026-04-05 10:30 2311
العراق... إطلاق سراح 595 نزيلاً خلال شهر آذار 2026

العراق... إطلاق سراح 595 نزيلاً خلال شهر آذار 2026

2026-04-05 11:42 2792
هجوم بطائرات مسيّرة يستهدف حقل البزركان النفطي دون خسائر بشرية

هجوم بطائرات مسيّرة يستهدف حقل البزركان النفطي دون خسائر بشرية

2026-04-05 01:03 7826
أكثر من 500 هجوم منذ بدء التوترات.. أربيل والسليمانية تحت القصف المسيّر

أكثر من 500 هجوم منذ بدء التوترات.. أربيل والسليمانية تحت القصف المسيّر

2026-04-04 23:40 4309
أمانة مجلس الوزراء: الأحد والإثنين عطلة رسمية لأبناء المكون المسيحي حصراً

أمانة مجلس الوزراء: الأحد والإثنين عطلة رسمية لأبناء المكون المسيحي حصراً

2026-04-04 22:57 7781
وزير الخارجية الإيراني: الهجمات على منشآتنا النووية تعرض المنطقة لخطر إشعاعي

وزير الخارجية الإيراني: الهجمات على منشآتنا النووية تعرض المنطقة لخطر إشعاعي

2026-04-04 22:53 3912
رسمياً... عودة حركة المسافرين بشكل طبيعي في منفذ الشلامجة

رسمياً... عودة حركة المسافرين بشكل طبيعي في منفذ الشلامجة

2026-04-04 21:05 5930
الحكيم يحذر من عزلة عراقية ويطالب بوحدة وطنية ومبدأ "العراق أولاً"

الحكيم يحذر من عزلة عراقية ويطالب بوحدة وطنية ومبدأ "العراق أولاً"

2026-04-04 20:46 5035
مقر خاتم الأنبياء المركزي بإيران: العراق مستثنى من قيود مضيق هرمز

مقر خاتم الأنبياء المركزي بإيران: العراق مستثنى من قيود مضيق هرمز

2026-04-04 19:36 4418
قراءة بتحولات الميدان: فاعلية حلفاء طهران تحرج واشنطن وتكشف وهن شركائها

قراءة بتحولات الميدان: فاعلية حلفاء طهران تحرج واشنطن وتكشف وهن شركائها

2026-04-04 19:00 5626
البرلمان يعقد جلسته الإثنين المقبل لاستكمال التصويت على أعضاء اللجان النيابية

البرلمان يعقد جلسته الإثنين المقبل لاستكمال التصويت على أعضاء اللجان النيابية

2026-04-04 18:16 6736