تريليون دولار يتبخر من سوق الكريبتو... هبوط عنيف يهز العملات الرقمية
في مشهد يعكس واحدة من أعنف الهزّات التي يشهدها قطاع الأصول الرقمية منذ مطلع العام، خسر السوق أكثر من تريليون دولار من قيمته خلال ستة أسابيع فقط، متراجعاً من نحو 4.2 تريليونات إلى أقل من 3 تريليونات دولار.
هذا الانخفاض القاسي جاء بعد أن لامس البتكوين ذروته التاريخية فوق 126 ألف دولار في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، قبل أن يهبط بأكثر من 30% حتى 21 تشرين الثاني/ نوفمبر.
ورغم الحدة الاستثنائية لهذا التراجع، يرى مديرون تنفيذيون في القطاع أن ما يحدث هو تصحيح قاسٍ وليس انهياراً في النموذج.
لكن أرقام السوق، وتشدد البنوك المركزية، والتقلبات الواسعة في أسهم الذكاء الاصطناعي، ترسم مجتمعةً صورة أكثر تعقيداً لسوق لم يتمكن بعد من تثبيت نفسه كملاذ آمن.
من ذروة 126 ألف دولار إلى موجة بيع عالمية
ارتفع البتكوين إلى مستوى قياسي جديد في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر وسط موجة تفاؤل اجتاحت الأصول عالية المخاطر، مدفوعة بإدارة أميركية أكثر ودّاً تجاه الكريبتو وموافقة الجهات التنظيمية على صناديق مؤشرات متداولة مرتبطة بالبتكوين.
لكن المشهد تبدّل جذرياً يوم 10/10، تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الواردات الصينية أشعلت سلسلة من عمليات التصفية القسرية لمراكز مموّلة بالرافعة المالية تجاوزت 19 مليار دولار خلال 24 ساعة.
خلال ذلك اليوم، هبطت البتكوين من 122 ألف دولار تقريباً إلى ما يقرب من 105 آلاف، بينما مُنيت العملات الأصغر بخسائر أشد قسوة.
ومنذ تلك الصدمة، واصل السوق مسار الهبوط على دفعات متقطعة.
تقارير مالية غربية متطابقة تشير إلى أن القيمة السوقية للأصول الرقمية انخفضت بأكثر من 1.1–1.2 تريليون دولار خلال 41 يوماً، وأن البتكوين ألغى عملياً معظم مكاسبه المحققة منذ بداية 2025.
تشدد الاحتياطي الفدرالي يعيد الأموال إلى السندات والذهب
بالتوازي مع تأثير الرسوم الجمركية، دخل عامل آخر ليضغط بقوة على شهية المخاطرة.
تصريحات صارمة من مسؤولي الاحتياطي الفدرالي الأميركي قلّصت توقعات الأسواق بخفض قريب للفائدة، مؤكدين أن مستويات التضخم ما زالت أعلى من الهدف.
هذه الإشارات رفعت كلفة الاحتفاظ بأصول لا تدر دخلاً ثابتاً مثل الكريبتو، وأعادت الأموال نحو السندات والذهب.
في الوقت نفسه، تراجعت مؤشرات عالمية كبرى مثل إس آند بي 500 والداكس والنيكاي، بينما سجّل فوتسي 100 أكبر هبوط يومي له منذ نيسان.
وتعرضت شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المرتفعة التقييم لهبوط حاد، وصفه مصرفيون بأنه يعكس درجة من اللاعقلانية.
ومع كل موجة بيع في تلك القطاعات، تحركت العملات الرقمية بالاتجاه نفسه تقريباً، ما يعزز تصنيف البتكوين كأصل عالي المخاطر قريب من أسهم النمو، وليس كـ«ذهب رقمي» مستقل.
صناديق البتكوين.. بوابة دخول رأس المال المؤسسي تتحول إلى قناة خروج واسعة
واحد من أكبر المتغيرات في موجة الهبوط الأخيرة كان صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالبتكوين.
تقارير متخصصة تُظهر أن هذه الصناديق سجلت في تشرين الثاني/ نوفمبر تدفقات خارجة تتراوح بين 3 و3.8 مليارات دولار، وهي أسوأ نتيجة منذ إطلاقها.
الصندوق الأكثر تضرراً كان آي شيرز بتكوين ترست التابع لبلاك روك، إذ شهد سحباً تجاوز 523 مليون دولار في يوم واحد، بينما تجاوز صافي التدفقات الخارجة من الصندوق وحده ملياري دولار خلال الشهر.
بالنسبة للمؤسسات التي طالبت لسنوات بتوفير أدوات منظمة للاستثمار بالبتكوين، جاءت هذه الأرقام اختباراً صعباً.
فبدلاً من تعزيز الاستقرار، سهّلت هذه القنوات خروجا جماعيا سريعاً بمجرد تبدّل المزاج.
الرافعة المالية: الحلقة التي تشعل الانهيارات المتسلسلة
تقارير بحثية من شركات استثمار ومنصات بيانات تُظهر أن أكثر من 19 مليار دولار من المراكز الممولة أُجبرت على التصفية خلال 36 ساعة في يومي 10 و11 تشرين الأول، وهي أكبر موجة تصفية في تاريخ السوق.
آلية الانهيار كانت كلاسيكية:
• صدمة سياسية تسبّبت بهبوط أولي.
• ضرب مستويات وقف الخسارة لمراكز مدينة.
• تحوّل أوامر الشراء المموّلة إلى بيع قسري.
• موجة ثانية وثالثة من التصفية دفعت الأسعار للانهيار أكثر.
وبينما حافظت البتكوين والإيثريوم على مستويات مرتفعة تاريخياً نسبياً، انهارت عملات أصغر انهيارات شبه كاملة.
من يدفع فاتورة الهبوط الآن؟
الخسائر موزعة على عدة أطراف:
1. المتداولون الأفراد
ملايين المراكز أُغلقت بخسارة، وعشرات الآلاف تعرضوا لتصفية كاملة خلال جلسات قليلة.
2. أسهم شركات الكريبتو
شركات مثل كوينبيس وروبن هود خسرت أكثر من 20% من قيمتها خلال تشرين الثاني، فيما فقدت شركات تعدين العملات الرقمية ما يصل إلى 50% من قيمتها.
3. حاملو العملات الصغيرة
تراجعاتهم تضاعف ما خسرته البتكوين، وبعض المحافظ المؤسسية أغلقت تعرضها لها بالكامل.
4. القنوات المؤسسية
رغم أن الارتباط بين الكريبتو والمصارف ما يزال محدوداً، فإنه ينمو بسرعة عبر:
• صناديق المؤشرات
• خدمات الحراسة المقدمة من البنوك
• شركات مدرجة تحتفظ بالبتكوين في ميزانياتها
إلى أين تتجه البوصلة؟
أسواق الخيارات على البتكوين تعكس توقعات أكثر تشاؤماً:
• رهانات واسعة على إنهاء العام دون مستوى 90 ألف دولار
• احتمالات أقل لعودة السعر فوق 100 ألف دولار قبل نهاية 2025
وتقدّم مراكز أبحاث ثلاثة سيناريوهات عامة:
• استقرار بين 70–100 ألف دولار مع بقاء الطلب المؤسسي بحذر.
• سيناريو قاتم في حال دخول الاقتصاد العالمي ركوداً حاداً.
• سيناريو متفائل في حال خفّت المخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي وبدأت دورة خفض الفائدة.
في المقابل، يستمر بعض كبار المستثمرين في الشراء. بيانات شركات مدرجة تظهر إضافة أكثر من 8 آلاف بتكوين إلى حيازاتها خلال الأسابيع الأخيرة، في رهان على أن التراجع محطة مؤقتة ضمن دورة أطول.
بين “شراء القاع” والخوف من موجات أعمق
تتحرك البتكوين اليوم ضمن نطاق ضيق صعوداً وهبوطاً.
بالنسبة لفريق، هذا الهبوط يمثل فرصة جديدة لشراء القاع. وبالنسبة لآخرين، فإن العملة التي وُعدت بأن تكون بديلاً للنظام المالي التقليدي، ما زالت تعيش — عملياً — ضمن إيقاعه نفسه.
الفرق الوحيد أن التقلب أسرع، وأن الخطأ في قراءة المشهد قد يكلف ادخار سنوات في ليلة واحدة.
